; المدرسة العلمانية.. - من محاولة تأصيل «الفهم» إلى ترويج «الوهم» | مجلة المجتمع

العنوان المدرسة العلمانية.. - من محاولة تأصيل «الفهم» إلى ترويج «الوهم»

الكاتب مولاي المصطفي البرجاوي

تاريخ النشر السبت 15-مارس-2008

مشاهدات 52

نشر في العدد 1793

نشر في الصفحة 46

السبت 15-مارس-2008

  • وول ديورانت: إنه وإن وجدت وعمارة إلا أنه لم توجد حضارة من غير معابد

أعتقد أن المفاهيم الممسوخة وتطبيقاتها على أرض الواقع قنابل موقوتة في منطقتنا العربية والإسلامية، وجزء كبير من المعارك الفكرية سيكون معها وبالتالي سيضيع معها الجهد - في الوقت الذي كان يجب أن يصرف الاهتمام إلى رقي وتنمية بلداننا بالتفكير الجاد - وهي بالفعل أحد خيارات الدول الشيطانية من يهود ونصارى في طرحها كبدائل عن الإسلام الصحيح. في هذا الإطار.

نحن مدعوون بقوة إلى فهم هذه الحمولة المعرفية عقديًا، والاطلاع الواعي على السبل العملية المتبناة في إرسالها من خلال تغليفها بغلاف علمي!

لا حضارة من غير معابد

وإن كانوا فعلًا يتبنون العلمية في الطرح فليرجعوا إلى دارسي حضارات التاريخ الذين تبينوا أن كل الحضارات كان مبناها الأول على أسس دينية وإيمانية يقول وول ديورانت: «إنه وإن وجدت حضارات بغير بناء وعمارة إلا أنه لم توجد حضارة من غير معابد ويثبت هذا أن حركة الإنسان لا يمكن أن تنطلق إلا من أساس إيماني.

وهناك اتجاه آخر يزعم أن الحياة قد استقر أمرها على تبني الحرية الإنسانية - الليبرالية في كل شؤون الدنيا ولا دور للأديان فيها، وقد انتهى عصر العقائد «الأيديولوجيا» ومن هذه الكتب التي أحدثت أصداء واسعة في هذا الاتجاه وروج لها الإعلام الغربي والعربي كتاب الياباني الأصل الأمريكي الجنسية فرانسيس فوكوياما المسمى: نهاية التاريخ «والإنسان الأخير»، الذي يعلن فيه سقوط العقائد، ويستثني الإسلام ببعض بقاياه الدينية والخلقية والانتصار النهائي لليبرالية «حرية الاختيار في السياسة والاقتصاد والاجتماع» ومقولة «صدام الحضارات» لصمويل هنتجتون، وقد صدر العديد من الكتب التي تنعى العقائد والتمسك بالهوية منها: كتاب النفس المبتورة هاجس الغرب في مجتمعاتنا للمستغرب الإيراني «داريوش شايجان» وله في هذا الاتجاه نفسه كتاب أوهام الهوية»، وهذان الكتابان يمثلان صورة نموذجية لجهود المستغربين في إسقاط الهويات داخل مجتمعاتنا.

إن الثقافة الغربية التي يتشدقون بها ويتبعونها حذو القذة بالقذة لا تميز البتة بين الموالي والمعادي! يقول مراد هوفمان في كتابه «رحلة إلى مكة»: «إن الغرب يتسامح مع كل المعتقدات والملل حتى مع عبدة الشيطان، ولكنه لا يظهر أي تسامح مع المسلمين. فكل شيء مسموح إلا أن تكون مسلمًا.. حتى بالرغم من ركوع بعض العلمانيين من أمثال أركون أمام أصنام الفكر الغربي.. فالغرب لا يرضى منه إلا السجود.

منصة صواريخ الدمار الشامل:

 والحق يقال أيضًا، إن العلمانيين العرب والمسلمين لم يأخذوا من الغرب في نشر الأفكار العلمانية في المجتمعات العربية والإسلامية إلا قشورها، فروجوا للإباحية أكثر وللفسق والفجور ونقلوا أعفن ما وصل إليه الغرب في مجال الأخلاق فحتى تكون علمانيًا يتوجب عليك أن تفنّد صدق رسالة القرآن «كما فعل طه حسين ونصر حامد أبو زيد..».

ويؤسفنا - كما قال د. عبد العزيز كامل بعد هذا أن نجد من بني جلدتنا من يجعل من نفسه منصة تنطلق منها صواريخ الدمار الفكري الشامل القادم من أوروبا وأمريكا صوب أراضينا المكشوفة وسماواتنا المفتوحة متعللين بحريتهم في الفكر والفعل.

ولكن أعتقد أن الأحداث قد علمت المسلمين أن يخرجوا من دائرة العاطفة الجوفاء إلى دائرة البحث عن خطة يمكن بها تفادي الوقوع في الأخطاء مرة أخرى بعد أن تكشفت لهم حقائق كثيرة عن هؤلاء العلمانيين، ربما كانوا يجهلونها ووضحت لهم وجوهًا ربما كانوا حسني الظن بها، وهي تخفي في أعماقها الرغبة في تدميرهم والقضاء على كيانهم ﴿هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (آل عمران:۱۱۹).

عجز الأيديولوجيات

لهذا فالفكر الإسلامي الذي أخذ خلاصة الوحي الرباني كله الذي أنزل على الرسل والأنبياء - كان لابد أن يواجه من الدعوات والمناهج البشرية وهي التي عجزت عن العطاء وأسقطتها المتغيرات وكان آخر ذلك سقوط قلاع الاشتراكية. 

لقد كشف الفكر الرباني عن عجز الأيدلوجيات البشرية عن العطاء حتى أنها بعد سبعين عامًا من سيطرتها على مجرى الأحداث ومن خلال فلسفة عريضة خالفت فيها مناهج الفطرة، وعارضت حقائق الدين ومفاهيم العلم وحاولت أن تشق طريقها ضد التيار فعجزت وحاصرتها الأحداث، وأسقطت منهجها وحطمت شراعها.

من هنا نخلص إلى مقولة نفيسة لأبي حيان في كتابه «الإمتاع والمؤانسة (۱۲۸/۱): «إن الشريعة متى فصلت من السياسة كانت ناقصة والسياسة متى عريت من الشريعة كانت ناقصة، وأقول متي فصلت الشريعة عن الحياة ككل - وليس فقط السياسة - كانت كلها خداج وفوضى عارمة.

المشكلة إذن عند هؤلاء العلمانيين أنهم يجترون ويتشربون ما يلفظه الغرب دون أن يميزوا بين ما يناسب ثقافتنا وما يتنافى معها. نجد هذا الطرح وهذا التوجيه في ضرورة أخذ الحضارة كلها من الغرب في فترة مبكرة من أطروحات المتغربين من أمثال طه حسين وسلامة موسى، ثم الجيل الثاني مع د. زكي نجيب محمود وغيره ثم الجيل الحالي الذي يتزعمه نصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، وعبد الله العروي.. والقائمة تطول. ولكن تصفح الكتب التاريخية يبين على المستوى العملي الواقعي أن الحضارة الأوروبية وفي بدء انطلاقتها تبنت مبدأ الانتقاء، فقد رفضت كل ما يتنافى مع الأسس والثوابت المميزة لها، وأصبح حالنا كما قال جبران خليل جبران قلد الغرب الشرق بحيث مضغ وحول الصالح مما اقتبسه إلى كيانه، أما الشرق فإنه اليوم يقلد الغرب فيتناول ما يطبخه الغربيون ويبتلعه دون أن يحوله إلى كيانه، بل إنه على العكس يحول كيانه إلى كيان غربي فيبدو أشبه بشيخ هرم فقد أضراسه أو بطفل لا أضراس له. ومن قبل قال الإمام محمد بن سيرين - يرحمه الله: «إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم؟». لماذا لا نستفيد مما قامت به فرنسا بلد الحريات - كما يزعمون - في تعاملها مع كتاب «أطلس الخلق للباحث الإسلامي التركي الجنسية المشهور هارون يحيى؟ فبعد أن تلقت وزارة التعليم الفرنسية مئات الاستفسارات حول الكتاب ذي الصبغة، الإسلامية والذي اعتبر في فرنسا بمثابة صاعقة وهجوم علمي على فرضية النشوء والارتقاء «الداروينية التي تقوم عليها المناهج التعليمية والتربوية في العديد من دول العالم باعتبارها حقيقة علمية مسلّمًا بها، ثم سلم الكتاب والاستفسارات المتخصصين وبدأ التحقيق!!

الزلزال الفكري

بينما وصفت مجلة «New Scientist» الأمريكية الكاتب به البطل الدولي لجهوده الضخمة في تفنيد مزاعم التطور لكن الزلزال الفكري للكتاب اجتاح الأكاديميات العلمية الفرنسية فأثار حفيظة «الداروينيين»، الذين عمدوا إلى الضغط على الحكومة لحظر الكتاب. وبالفعل صدر بيان يحظر تداول كتاب «أطلس الخلق، ويؤكد المدارس أنه لا مكان له في الفرنسية، ولو في خزاناتها (1)

من أعضل الأمور وأشدها التباسًا أن يكون من يدعي النخبوية في العلم والفكر غير قادر على أن يقيس ببيانه أو علمه المطارحة الغربية ويستفيد من أسياده هؤلاء. لكن للأسف، يريد العلمانيون منا أن نلبس لبوس الغرب بقده وقديده وغثه وسمينه، ويرفعون شعار لتكون متقدمًا لابد أن تسلخ جلدك وتلبس جلد الأوروبي والغربي، بل تغير ذاتك أيضًا!

ألا يجدر بنا مراجعة ذواتنا وأولوياتنا والانطلاق من ديننا وقيمنا بدلًا من الجري وراء السراب والاشتغال بالأحلام الزائفة.. أو التغلغل في سرداب مظلم - أو بالتعبير النبوي - دخول جحر ضب خلف من دخلوا واختنقوا وهلكوا؟

ومن أجمل ما قرأت للغربيين المنصفين ما كتبه الفيلسوف الشهير أجوست سباتييه في كتابه «فلسفة الأديان لماذا أتدين؟»: «إنني لم أحرك شفتي بهذا السؤال مرة إلا وأراني مسوقًا للإجابة عنه بهذا الجواب: وهو أنا متدين لأنني لا أستطيع خلاف ذلك، لأن التدين لازم معنوي من لوازم ذاتي. يقولون لي ذلك أثر الوراثة أو التربية أو المزاج فأقول لهم: إنني قد اعترضت على نفسي كثيرًا بهذا الاعتراض نفسه، لكنني وجدته يعسر المسألة ولا يحلها، وإن ضرورة التدين التي أنشدها في حياتي الشخصية، أشاهدها أكثر قوة في الحياة الاجتماعية البشرية، فهي ليست أقل تشبثًا مني بأهداب الدين.... إلى أن قال: إذن، فالدين باق وغير قابل للزوال، وهو فضلًا عن عدم نضوب ينبوعه بتمادي الزمن، نرى ذلك الينبوع يتزايد اتساعًا وعمقًا تحت المؤثر المزدوج من الفكر الفلسفي، والتجارب الحيوية المؤلمة.

الهامش

(۱) جريدة السبيل المغربية، العدد ۲۷ ۱۰ أکتوبر ۲۰۰۷ 

الرابط المختصر :