العنوان المرأة المسلمة الداعية (الحلقة الثامنة)
الكاتب محمد حسن بريغش
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1976
مشاهدات 86
نشر في العدد 324
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 09-نوفمبر-1976
بعد هذه الجولة بقي لنا أن نحدد الصورة التي نسعى إليها لدى المرأة المسلمة، والعناصر الأساسية التي ينبغي أن يحتويها أي منهج تربوي يهدف إلى أعدادها.
- أول هذه العناصر لسلامة الإعداد هو صحة التصور ووضوحه، وسلامة الاعتقاد وحدوده.
إذ لا يكفي أن ترث الفتاة المسلمة أمور العقيدة، وطبيعة التصور الإسلامي من أسرتها وبيئتها كيفما اتفق، وبكل ما فيها من تجزؤ أو قصور أو أخطاء أو انحراف بل لا بد لها أن تأخذ العقيدة بصورتها الكاملة الإيجابية كما أوضحها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم.
وكما علمناها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما طبقها الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
وهذا التصور الصحيح، ينجو بالمسلمة من الخليط المشوش للتصورات الناقصة والدخيلة واضح، إسلامي متميز لا يضللها رأي ولا يجرفها تيار، ولا يخدعها، والمشوهة، ويجعلها تدرك معنى الألوهية والوحدانية، والإيمان والشهادتين، ودخول الإسلام.
وستعرف أيضا معنی إیمانها بربها عز وجل، ونبيها عليه الصلاة والسلام، وستعرف حقيقة عبوديتها لله، فترنو من خلالها إلى الخالق القادر العليم البصير وتتحول سلبيات الحياة عندها إلى إيجابيات وتتحرك المشاعر والفكر، وتفتح لديها كوامن الفطرة وحب المعرفة للاشتراك وإدراك الواجبات والحقوق وحدود مسؤولياتها في الحياة، وطبيعة السلوك الضروري لها والخلق القويم لحياتها. وإن إدراك هذا المعنى للألوهية والعبودية وحقيقة الإيمان، سيصل بها إلى معرفة الغاية من الحياة، وسيتوضح لها الطريق الذي ينبغي أن تسلكه والتفكير الذي تناقش به أمور الحياة والقيم الخالدة التي تعلو في مقياس الفطرة السليمة والعادات التي تتوافق مع الحق، والأذواق التي تناسب الإسلام.. وبمعنى آخر ستدرك الحياة من خلال تصور مظهر.
2- والسبيل إلى هذه الغاية وتحقيق هذا الشرط لا يكون إلا بفهم آيات القرآن الكريم فهما صحيحا واعيا ضمن الإطار الواقعي للحياة، والمناسبات للسور، والأحداث المرافقة للتنزيل، والتطبيق العملي لمفهومها لدى مجتمع الدعوة الأولى.
ثم لا بد من التفاعل الوجداني والعملي مع الآيات حتى تتحول إلى حياة تنبض مع نبضات الدم في العروق، وأنفاس حية تنعش كيان المرأة كما ينعشها الهواء النقي.
ثم لا بد من ترتيب الاختيار للآيات والسور التي تدرسها المرأة حتى تتركز أمور العقيدة أولا، وتضرب بجذورها في أعماق النفس والسلوك ويحسن أن نتبع التدرج المناسب لتوضيح العقيدة بشكلها الكلي المبسط أولا ثم بتفصيلاتها وجزئياتها الدقيقة ثانيا، مع مراعاة الأهمية في ترتيب هذه الدراسة والحرص على الوضوح باستمرار.
3- ومع دراسة القرآن لا بد من دراسة الحديث الشريف والعيش معه وفي ظلاله من خلال استقصائنا لظروف الحديث وتحديد إطاره الزمني ومناسبته وملابساته إن أمكن.
ونحتاج إلى تصنيف محدد لعدد من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي نرى من خلالها الصورة التطبيقية لمفهوم شريعة الإسلام، وتبعث في نفوسنا الثقة بالله والاعتماد عليه.
إن فهم الحديث الشريف يعني أننا فهمنا تطبيق رسول الله لمنهج الإسلام عقيدة ومنهاجا وشريعة، في نفسه ومجتمعه، في سلمه وحربه في أمور دنياه وآخرته، وبكلمة موجزة، نكون قد فهمنا الصورة الواقعية المثلى للإسلام ولمنهجه من خلال تطبيق الرسول له، عليه الصلاة والسلام.
4- وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتاريخ الدعـــــوة الإسلامية في صدرها الأول تؤثر في تكوين الشخصية المسلمة، فإذا ما عمدنا إلى الجانب الذي يهم تكوين العقيدة، ويوضح رأي الإسلام بالمرأة، ويكشف عن منهج التربية الذي سلكه رسول الله في إعداد النساء نكون قد خطونا خطوة مهمة وساهمنا في تكوين الشخصية المسلمة للمرأة.
وسنرى أن كثيرا من الأحداث الهامة ولا سيما في جانب المرأة ما زالت مهملة، لم تتح لها الدراسة والتصنيف والتحليل، فإذا ما اختيرت هذه الأحداث بشكل صحيح أدت إلى ربط الفهم الواضح بالواقع الماثل، وأعطت صورة للمرأة المسلمة ضمن الجيل الإسلامي الأول، وأوضحت صورة تفاعلية واقعية لتفاعل المرأة مع عقيدتها وإسلامها.
والذي أعنيه بهذا: أن نختار الأحداث التي اشتركت فيها المرأة المسلمة أولا، ثم الأحداث التي توضح مفهوم العقيدة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته ونساء المسلمين بصورة خاصة، وعرض هذه الأحداث وتحليلها لكشف البواعث الإيمانية فيها، وحقيقة التصور الذي صاغ حياة المرأة الجديدة وجعلها تسلك السبيل القويم هذا.
إن المرأة التي انقلبت من الكلف المسرف بالضفائر والزينة واستهواء الرجال أو التي انتقلت من الإهمال الكبير لها في المجتمع إلى مجاهدة تشترك في رفع راية الحق، والذود عن الإسلام، بالفهم والوعي والسلوك والتربية وبناء الأسرة والهجرة ودعم المجتمع والجهاد للنفس والعدو، بالسلوك والسيف، كل ذلك طمعا بمرضاة الله عز وجل.
إن هذه المرأة جديرة بأن تدرس لدى مسلمات عصرنا دراسة واعية تفصيلية فيها تحليل ومناقشة، وفيها إبراز لمعنى الإيمان ولتطبيقه وفيه كشف عن المعنى العملي للإيمان ليتحول إلى سلوك وتطبيق يومي عند نسائنا مساهمة من ذلك في بناء الشخصية الجديدة للمسلمة الداعية.
ولعل هذا يدعونا لإعادة تقويم السيرة ودراستها وعرضها وتحليلها، وترتيب أحداثها بحيث تخدم أغراض البناء والدعوة في العصر الحديث وتبتعد عن صورة الحكايات والروايات والقصص.
5- فإذا ما تم إيضاح التصور الإسلامي الصحيح بمعناه الشامل الواضح من خلال القرآن والحديث والسيرة، كان لا بد من إتمام صورة الإيمان المطلوب بترسيخ كثير من دلائل الإيمان في النفس والسلوك، وممارستها عمليا، ومنها: الثقة بالله، الاعتماد الكلي عليه، الاطمئنان إلى قدره ومشيئته، السعي لمرضاته، السير الدائم في طريق الدعوة، الالتزام بطريق الجهاد بمفهومه الشامل، الرضوخ للحق، الالتزام بشرع الله، التميز عن الجاهليين، السعي لإقامة المجتمع الإسلامي المتآخي، الذكر الدائم لله، التوبة النصوح.
ولا يكفي أن يكون ذلك نطقا باللسان، أو رغبة في الإحساس بل لا بد من استشعار القلب، وتدبر المعنى، ودوام التفكير، والتزام السلوك، ولهذا فلا مندوحة من التزام ما ورد عن رسول الله من مأثورات وأدعية توقظ القلب، وتذكر النفس في الصباح والمساء وفي كل وقت وعند كل حركة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل