; المرأة المسلمة الداعية (320) | مجلة المجتمع

العنوان المرأة المسلمة الداعية (320)

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1976

مشاهدات 183

نشر في العدد 320

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 12-أكتوبر-1976

لقد رأينا أن المرأة المسلمة ما زالت مشتتة الفكر، موزعة القلب، مرهقة الأعصاب وهي تواجه المجتمع المثير- دون أن تحمل- بعد- ذلك الرصيد من الإيمان الواعي- والفكر المستنير والمنهج الواضح لكي تقطع الطريق وتجتاز المخاطر الكثيرة التي تحيط بها إنها ترى كل مظاهر الإثارة، والتبرج، والتظاهر، ولكنها تجد في ذلك خروجًا على الآداب الإسلامية، وهنا تشعر بالحرج والضيق؛ لأنها لا تستطيع أن تجاري بنات جنسها، وتماشي عصرها، ولا تستطيع أن تتخلى عن عقيدتها ولكنها تحاول أن تأخذ أشياء وتدع أشياء مما أبدعته المدنية المعاصرة ونراها ترنو بعين إلى الجديد الزاهي الذي يخلب اللب ويلفت الأسماع والأبصار، وترنو بعين أخرى نحو تراث قديم تربت عليه وما زال لجواهره آثار وتأثير في الفكر والسلوك.

إن هاتين النظرتين هما الشتات المحير. والقلق الممض الذي تعيش فيه المرأة المسلمة وهي تحاول أن تلتئم في الأضواء شخصية موحدة. تجمع الأضواء، وتكون نموذجًا جديدًا فيها من الخلط والتشويه ما ينذر بالخطر الداهم.

فكيف يمكن للمرأة المسلمة في هذه الحالة أن تقوم بدورها. وتحمل أمانة الدعوة مع الرجل المسلم؟ 

إن الاستقامة والوضوح- اللذين هما نتيجة مضمونة لصدق الإيمان وسلامة التصور- أساسيان في بناء الشخصية الإسلامية الداعية.

الاستقامة: تخلق الشخصية الواثقة المتأملة وتجعل منها المثل والقدوة الثابتة والنامية دومًا نحو العلو والتقدم.

والوضوح: ينير الدرب للذين تبلغ آذانهن وقلوبهن نداءات الدعوة إضافة إلى تحديد الخطوات للواتي يسرن في طريق الدعوة والنصح والإرشاد فيرى الناس بذلك النموذج الواضح ويكون ذلك أدعى للاقتداء والهدى.

ودعاة الإسلام الذين ينظرون إلى الحياة من خلال التصور الإسلامي الواضح عليهم أن يتحملوا مسؤولية البحث عن المخرج الصحيح للمرأة المسلمة اليوم، وهم مطالبون بإيقاف المنحنى الهابط لأوضاعها حتى لا يستمر في الهبوط وبذلك نقضي على الأجيال القادمة.

والوصول إلى هذه الغاية أضع هذه الملاحظات التي تخضع للمناقشة والتعديل.

١- لا بد أن يكون في البيوت مناخًا إسلاميًا واعيًا، يحتكم فيه الرجل والمرأة إلى الله في كل شيء ويخضعون تعاملهم وسلوكهم لمنهج الله في كل صغيرة وكبيرة ابتداء من الدخول إلى عتبة البيت وحتى الخروج منه، ومن الفجر الباكر إلى المأوى المتأخر من الليل. 

إننا بحاجة إلى رصد العادات والتقاليد التي دخلت بيوتنا وأسرنا وحملناها من مجتمع تخلى عن عقيدته وتابع جاهليات الغرب، ومدنية العصر المادية، وبالتالي نرفض كل تقليد لها لأي مبرر كان، ونحكم أخلاق الإسلام وآدابه في تصرفاتنا وتعاملنا.

إننا بحاجة إلى الاحتكام إلى الشريعة الواضحة في كل أمور المرأة وضبط شؤونها بحزم ووعي، دون تعصب ولا تفريط، ودون تهاون أو تبرير.

وعندما نستطيع أن نجعل من أنفسنا مسلمين حقًا في بيوتنا، ونحول المرأة العادية إلى امرأة مسلمة لا تفكر إلا من خلال الإسلام. عندها تغدوا بيوتنا محاضن إسلامية تربي وتخرج أجيالًا مسلمة.

إننا بحاجة إلى القدوة والمثل بحاجة إلى أن نخلق الأجواء الإسلامية التي ترضع الطفلة والطفل ألبانًا إسلامية وسلوكًا إسلاميًا وخلقًا إسلاميًا، حتى يرى الحياة التي تخالف إسلامه نشازًا وانحرافًا، ويخوض غمرات المجتمع بثقة وطمأنينة وتوازن هو وأخته المسلمة.

وإن هذا المناخ لهو الروح التي تدب في أوصال الطفلة الصغيرة والطفل الصغير، حتى يشبا واعيين يعتزان بما يعتقدان ويعملان وفي هذا المناخ تصبح العقيدة وعيًا ومنهجًا وسلوكًا، لا تقليدًا ومظهرًا أو إرثًا، وحينها نكون قد أغلقنا كل المنافذ الجاهلية كي لا تدخل بيوتنا وتفسد عقائدنا وأذواقنا وحياتنا.

وهذا المناخ يهيئ الفتاة المسلمة- نفسيًا وعمليًا- لفهم الإسلام ووعي تصوره وإدراك نظرته المتكاملة الشاملة الواضحة.

وقبل أن نوفر هذا المناخ لا نستطيع أن نخطو أية خطوة في طريق الإعداد الواعي للفتاة المسلمة الداعية. 

أما إذا تركنا الأسرة تدخلها مظاهر المدنية المعاصرة تحت اسم المباح وتتهاون في اتباع شرع الله وضبط سلوكها، عندها تخسر الأساس الضروري لحفظ المرأة المسلمة بله إعدادها لتكون داعية.

وإهمال البيوت حتى تأخذ من الجاهلية بيد, ومن الإسلام باليد الأخرى لا يعقبه إلا تهديم الشخصية المسلمة واضطرابها وتفسخها.

۲- بعد هذه الخطوة ينبغي إيجاد منهج فكري متدرج يساهم في بناء شخصية المرأة المسلمة الواعية بحيث يتصف بالتكامل والشمول لكي يناسب فطرة المرأة ويلبي حاجاتها لمواجهة الحياة وتحديات العصر، شريطة أن يتوافق مع مراحل الحياة الفكرية والنفسية ويلبي مقتضيات الواقع المحيط بها أيضًا فإذا تفتحت عينا الفتاة على مبادئ الإسلام ومفاهيمه المبسطة الواضحة وتاريخه الموثوق الموضح، وتعاليمه العملية تمسكت به وهي مطمئنة واثقة فخورة ولكي يكون المنهج ملبيًا لفطرة المرأة وحاجاتها لا بد من تحديد الأمور الأساسية التي تحتاجها المرأة لتكوين فكرها الإسلامي، بعد تصنيف الضروريات في سلم متدرج، بحيث لا يقع المنهج في منزلق الارتجال وردود الفعل والحاجات العاجلة والبعد عن الواقع، ولا يتناسى مراحل النضج والمراهقة، وحاجات المرأة النفسية والفكرية والعملية.

٣- إضافة للمنهج الفكري لا بد من منهج للسلوك المتنامي المستقيم الذي يتفق مع شرعة الله في الأمور البسيطة والأمور المهمة، بحيث يتلاءم مع الفكرة ويصدر عنها، وينسجم مع الحياة الإسلامية الصحيحة. 

ولا ننسى أن هذا المنهج سوف يتلاءم مع سن الفتاة ومراحل نضجها وواجباتها المختلفة، حتى تمارس الحياة الإسلامية عمليًا، ويكون ذلك انعكاسًا لما تربى عليه من التصور الصحيح.

٤- ولا بد- مع هذا كله- من غرس اليقظة المستقرة لمراقبة الله- عز وجل-، حتى يعيش هذا الشعور مع الفتاة صغير وكبيرة، فتاة وأمًا ومدرسة و... وهذا الشعور حارس أمين لها يصون إيمانها، ويقوم سلوكها، ويدفعها للتضحية والعمل ويوقظ في نفسها حب الخير والتمسك بالحق.

إن مراقبة الله والخوف من عقابه سيصبح مهمازًا ينبه، وصراخًا يحذر، وخلقًا يدفع، وقلقًا يحفز، وسياجًا يحرس ويصون من الانحراف ثم يتطور إلى وعي وورع وتقوى وقربى من الله- عز وجل-، وحب له وفناء في مرضاته.

وهذا الشعور هو الذي يميز الإيمان الحي عن غيره، وهو الذي يقلب أسس الشخصية المسلمة ويحافظ على مستويات السلوك الرفيع ويحمي من الإثم والسقوط. 

٥- إضافة لما سبق لا بد من مراعاة التدرج والنمو والتكامل في هذه الأمور جميعًا، لتتعانق الدوائر الثلاث وتتعاون، وتساهم في بناء الشخصية الواعية للمسلمة الداعية، حتى لا يطغي الفكر النظري المجرد ولا تضعف الروح الحافزة أو السلوك القويم، ولا نخشى من تحول الفكرة إلى فلسفة ونظرية، أو تحول السلوك إلى تقليد وعادة.

إن التكامل ضرورة ملحة لأن مهمة الفتاة عظيمة، ودورها كبير وفي سبيل ذلك ينبغي أن تتضافر الجهود وتتكامل الفروع في منهج تربوي قويم.

الرابط المختصر :