; المرأة المسلمة بين الفرقان والبهتان | مجلة المجتمع

العنوان المرأة المسلمة بين الفرقان والبهتان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1985

مشاهدات 49

نشر في العدد 735

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 01-أكتوبر-1985

اكتسبت المرأة مع ظهور الإسلام شخصية حرة حكيمة آسرة تلك التي تمثلت في المرأة المسلمة قوية المراس، واسعة الآفاق، تحتفي بالعلم، وتستقري الحق والحقيقة حين انجلت من حولها كل دياجي الظلم الاجتماعي، وغبن التقييم، إذ شرفها الله بكتابه فجعلها صنو الرجل في أغلب التكاليف، وأعطاها من الحقوق والواجبات ما حفز فيها دوافع التقدم والارتقاء، فاستجابت بكل طاقاتها ومواهبها لنداء العقل والحق لدى اطلاعها على ما حفل به دستور الإسلام العظيم من احتفاء بأولي الألباب، يخاطبهم الخطاب المباشر الذي لم يحظ به إلا من شرفهم الله، وقد تنوعت فيه الأساليب تحمل إليهم معاني الحياة ومراميها، فتنكشف عن أسرار النفس والروح والفكر.

 

لقد أتى أسلوب القرآن الكريم مُمجدًا التقوى، مشرفًا الفكر واللب، موضحًا الأثر الخير والتأثير الحيوي المُنبعث عن الحزم والإرادة المرتقية المتسامية بقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (سورة البقرة: 179)، وليس لغير أولي الألباب كما لا يخفى طاقة على التقدير الدقيق والفهم العميق، وفي السورة نفسها أشار إلى أن التقوى تنجم عنها سعادة الدارين، اِستقامة الدنيا، وحسن المآب في الآخرة لقوله في سورة البقرة (۱۹۷): ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (سورة البقرة:197)، فالتقوى معين النجاح والفلاح، وأساس التقدم في الدنيا، كما أنها الزاد الأمثل للخلود المنعم في الآخرة.

 

ولفت الدستور الكريم أنظار المفكرين إلى ما وقع في عوالم سابقة بالأيام الخالية للاتعاظ والابتعاد عن مواطن الخطر في سورة يوسف ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (سورة يوسف: 111) والعلم المختفي وراء مظاهر الطبيعة لا تكتشفه إلا عين واعية ولُب يقظ، وقد أشار إليه الآيات في سورة آل عمران: والتكريم الذي حظي به أولو الألباب جعل المرأة تبدأ بتربية ذاتها وأبنائها من أغوار شخصيتها الداخلية ليكون مظهرها انعكاسًا لما في لبها من نضج وتكامل وتقى وعرفان.

 

أما ما جعله الله جزاء لعباده المؤمنين فهو الفرقان الذي وعته المرأة المسلمة حق الوعي وحاولت لأجله تقوية النفس وتزكية الذات سعيًا وراء هذه الدرجة المُثلى التي تتأتى نتيجة للتقوى والصفاء الروحي المتكاملين وتطبيقًا لقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (سورة الأنفال:29) والفرقان درجة روحية وجدانية سامية تميز الحلال من الحرام مهما التبست الأصول، فتتكشف الرؤى عن عرفان واضح بالحق والباطل، بالخير والشر، وبالسداد والفساد.

 

ولم يكن الفرقان ليتسنى لأمة من الأمم دون الأمة المسلمة؛ لذلك قصر الله ريادة العالم على أمتنا بقوله في سورة آل عمران / ١٠٤ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (سورة آل عمران: 104).

 

 بمعنى أن التكليف هنا أتى من أعماق الذات المؤمنة المتكاملة لينداح في دوائر مُتعاظمة متسعة متوالية تشمل في عبابها التكليف الأسري، والرحم، والجوار، والمواطنة، والأممية، والإنسانية العالمية، كمتوالية هندسية شعورية وجدانية تتجه اتجاهًا متعاظمًا نحو الحق والفضيلة والعدل والإنصاف، وتهب البشرية جمعاء السعادتين الدنيوية والأخروية.

 

والسنة النبوية أوضحت هذا الفرقان الفاضل في تنظيم اجتماعي واتجاه حركي في غاية الدقة يتناسب مع الأوضاع الاجتماعية الدنيوية والجزاء الأخروي تناسبًا بارعًا مذهلًا.

 

وقد وعت المرأة أنه لا عمل ولا علم يصل إلى مبتغى رضا الله إلا إذا انطلق عن هذا الغور العميق في النفس، تزكو به الأحاسيس، ويتفتق عنه الوجدان بالخيرات، وهو المضغة التي إن صلحت صلح كل ما يتأتى عنه، فعكفت على تزكيته في نفسها وفي أبنائها، وعرفت أن كل العلوم الدنيوية الأخرى إذا توضعت فوق هذا الجوهر الأصيل أتت فاضلة ناجعة وغمرت الإنسانية كلها بالخير والسعادة.

 

وكان أول من تجلت لديه هذه الميزة الروحية الرائعة بعد الرسول الأعظم الفاروق عمر بن الخطاب، والخلفاء الراشدون، وأسماء بنت أبي بكر، ذات النطاقين، من النساء الراشدات وتلاهما ثلة من العلماء المسلمين والقضاة، من كل لسان وجنس يعملون بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (سورة الإسراء:36) فكانوا أول من اتبع طريق المعرفة المُثلى، وأول من اهتدى إلى الحقائق العلمية الثابتة والبحث الدقيق مميزين بين الدوران الصغير والكبير، وأوجدوا العلوم المختلفة والطرائق الضابطة في الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء، وأبدعوا الآداب والفنون، ويكفي على ذلك دليلًا ما تركه المسلمون من فنون تزيينية تتجلى فيها الشخصية الإسلامية المبدعة، ومن عمارة مخططة بالحكمة والضوابط المناخية.

 

ونفى كثيرون منهم تخرصات الأولين، ونقضوا النظريات الناقصة والقائمة على التوهم، وبقيت هذه خطواتهم في البحث والعلم والتعلم حتى القرن الثالث الهجري حين نقض الجاحظ التوهم لدى أرسطو في كتابه الحيوان، وألف كتاب الحيوان على المُعايشة والمعاينة، والاستقراء والاستنباط المدعومين بالمنطق والأَثبات العلمية، بل بقي لديهم بهدى نور الرحمن طبيعة تستصغر الشخصية التي تنخدع، ففي مثالب الوزيرين الصادر في القرن الرابع الهجري لأبي حيان التوحيدي مقالة يوضح فيها تقويمه شخصية ابن العميد بقوله: «يخدعه الطفل الصغير»، وفي آخر عهد أبي العلاء كان المسلم يستهجن وضعًا جديدًا اهتم به المسلمون ذكره أبو العلاء في القرن الخامس الهجري حين شكا انحدار الذوق الإسلامي بنشدان ملء الخميص ولبس القميص، من هذا كله نستنتج ما كان يشغل المرأة من أمور جسام تجعلها لا تلتفت لعرض الحياة الزائل ومتعها الرخيصة، بل أنشأت هؤلاء الرجال على نور الهدى وعلى طريقتها في التفكير، وفهم أسرار الحياة، وتمحيص عن جوهرها الحقيقي.

 

أما الآن فيواجه تعليم المرأة خطرا داهما ينسل إلى عمق خاو انسلال نسيم الخريف، يفتك بصحة الجسد بالخفاء، من خلال المناهج المخلخلة التي تكون أحيانًا كثيرة قائمة على التكرار، أو على حشد المعلومات دون توافق مع الزمن المعطاة به، لا تدع فيه مجالًا للتركيز والتعمق، أو أن تكون هذه المناهج مفرغة الأصول تعيش كاللبلاب على جذور آخرين أو كالأشنة لا جذور لها البتة، تموت حال انقطاع المدد عنها، أغلبها متخلف عما وضعه المستعمرون، لا جذور فيه ولا أصول، على حين أن العلم يعني الجوهر والأصول الثابتة التي لا مراء فيها.

 

وأحيانًا تحمل هذه المناهج نقصًا وظيفياً خطيرًا، فلا تتناسب مع طبيعة المرأة، وما هيئت له من عمل حياتي حيوي، مناهجها مطابقة تمامًا لمناهج الذكور، لا تدريب على تربية الطفل، والإسعاف الأولي اللذين تفتقر إلى تعلم أصولهما كل أم لا تعرف عن السعرات الحرارية شيئًا، ولا عن الوجبة الغذائية المتكاملة المتوافقة مع الجهود اليومية، بل تجهل جهلًا تامًا الأمراض المتأتية عن سوء التركيب الغذائي، أو إهمال النظافة، أو كيفية الوقاية منها، خلا ما يمكن أن تتدرب عليه في المدارس الإعدادية والثانوية من الاقتصاد الذي ينبغي لكل ربة منزل معرفته، وتدبير المنزل في الطهو والغسيل وإزالة البقع، وتنظيم المائدة والمحافظة على الأثاث، ومثل ما يُقال في نقص تعلم الفتاة يُقال في تعليم الرجل الذي لا يُمرن على الصيانة اللازمة للأدوات، والأجهزة المستعملة في حياته اليومية، وأخص هذه المرحلة بالمناهج الوظيفية لأنها المرحلة التي تتسنى دراستها للكثرة الكاثرة، من دون الاختصاص الملازم للتركيز والدقة المتناهية في تنوع الاختصاصات الخاصة التي ينبغي توفرها جميعًا.

 

أما ما كان يرفد التعليم المنهجي فكثير من المجلات الطبية الشعبية، والمقالات الخاصة بالتوعية الصحية والاقتصادية في المجلات كالمقتطف الصادرة في أواخر القرن التاسع عشر، والكتب، وأذكر على سبيل المثال مجلة العروسة التي كانت تصدرها في العقد الأول من القرن العشرين، ماري عجمي، وترصد للكتابة فيها عددًا كبيرًا من المختصين من الأدباء والأطباء والفنيين والمقالات في التربية أكثر من أن تُحصى، حتى هذه المجلات التي تساعد على التوعية قد كفت عن الصدور، وأصبحت الثقافة الخاصة بالمرأة مهملة، ولا عجب فهي أم الرجال، ووعيها يستدعي الوعي العام، وقد وعت المرأة القديمة أن صناعتها البيتية دعم للاقتصاد الوطني، فعنيت بالعمل الدائب الذي يرقى إلى أعلى درجة من الذوق في أشغال الإبرة، والمطرزات، والحياكة، وصناعة المعجنات، والمواد الغذائية الأولية.

 

والسامر كان له دور كبير في التربية، يجتمع حوله الناشئون والأطفال من إناث وذكور فيكسبهم منذ نعومة أظفارهم شهامة ومروءة، ويوضح لهم تقاليد الأجداد ونخوتهم وإجارتهم وكرمهم، وحمايتهم للعهد والأوطان، وفي مناطق كثيرة يحرق هذا الإرث الحضاري الضخم أو يحظر بيعه.

 

أما عن طرائق التعليم فلا شك أنها لا تنمي فكرًا، ولا توقظ ملاحظة، ولا تقوي التمييز لدى الناشئين، لأنها على الأغلب تقريرية تنقصها الملاحظة والاستنباط والتطبيق.

 

وفكرة التعلم مرتبطة ارتباطا كليًا بالحفظ المعتمد على الذاكرة ليس غير، وتأتي الأسئلة أيضًا كمثلها، يحاسب الطالب فيها على ما استرجعته ذاكرته، لا على ما هضمه وعيه، وفهمه إدراكه، واستوعبه فكره، وناقشته محاكمته فأقرته، واعتقده ضميره، ووافقت عليه إنسانيته.

 

فما سبب هذا الانحراف في التعلم وقد وضع لنا أجدادنا أصول التعلم المنتهي أبداً إلى حصول الملكة، بمعنى أنهم رأوا في التعلم عملية ذهنية عضلية متكاملة تتسع بها آفاق الوعي والفهم والإدراك، وتمرن بها العضلات، ويدق التطبيق حتى يغدو متساوقًا مع الحركة الذهنية المحيطة بأبعاد كل التصورات المتأتية عنها، وبذلك تكون قد أتت العملية التعليمية أكلها وصحت طرائقها، وسمت أهدافها.

 

فلو فتشنا عن سبب الانحدار التعليمي وجدنا أن المادة العلمية المعطاة في المناهج ضعيفة ضَحِلَة، يدخلها كثير من الفرضيات التي يستنكرها العقل السليم، وتتخللها كثير من النظريات التي ثبت فسادها كفرضية شلوتزر باللغات السامية، وفرضية اللغة العربية الفصحى التي ينبغي أن تتجه حتميًا إلى اللهجة العامية، ونظرية دارون التطورية، ونظرية الفوضوية الإباحية التي أطلق عليها فرويد اسم الحرية، وفكرة الغاية تبرر الواسطة التي أباحها ميكيافيلي في كتابه الأمير، وكثير من التخرصات اليهودية التي اِندست في غفلة منا في تاريخنا، وأدبنا، حتى الموسوعات ومصادر اللغة، ومعجمات الألفاظ، وفي الأفانين الجديدة في التعبير والتي تناولت الدين أيضًا في «النظرية والتطبيق» ولعمري لم يكن ما في الدين في أقل معنى له نظرية تتطور وتتغير، وإنما هو مبادئ وقيم ثابتة راسخة على مر الدهور والعصور، ومُسلمات تفوق بأهدافها حكمتنا وإدراك العقل البشري.

 

وفي علم اللغة المترجم والمأخوذ عن المستشرقين انحراف بخصائص لغتنا الشريفة لا يدرك خطره إلا المتفقهون بهذا العلم، ولقد اتخذت بعض الألفاظ في الفترة الأخيرة على ألسنة أنصاف المتعلمين معاني جديدة متخلفة عن أصول مدلولها، وهذا ليس من خصائص لغتنا البتة، فالمدلول راسخ المعنى في لغة القرآن، لا يعدو الدهر على مدلوله، كما هو راسخ المعنى والمدلول في الحديث الشريف، واللغة العربية لغة فرقان يعطي المدلول فيها كل حرف منها قيمة تعبيرية، تزيد المفهوم معاني جديدة كلما زاد حرف على الأصل، وليس كمثلها شيء من اللغات الأخرى، والفرقان الدقيق بين المعاني شرفها الله بحمل رسالة دينه الحنيف.. ولقد مس هذا الزيغ البحث العلمي فأضحي أقرب إلى التصنيف، والجمع منه إلى التأليف المبدع الذي كان عليه علماء المسلمين، وقد كان لكل عالم في التراث شخصية مستقلة لا تزري بها التبعية، ولا ينال من هويتها الفذة.

 

والبهتان كما نرى ذاك الذي يبهت لغرابته وإفكه الإنسان، ويدخله في متاهة من الانحراف باسم العلم والتعلم، وقد تبين لنا الهدى من الغي حين فرض علينا ديننا الحنيف البناء الداخلي السليم الذي يرقى إلى الفرقان، فيحمينا من البهتان ويؤكد لنا مع مرور الزمان أنه الميزان المرهف الحساس الذي يتأبى على الباطل الملتبس بالحق، مهما دقت مادته، وقلت أثباته، إنه الفرقان الحامي عن الزلل، والغزو الفكري والانحرافات البراقة المضللة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

128

الثلاثاء 28-أبريل-1970

افتتاحية - العدد 7

نشر في العدد 48

121

الثلاثاء 23-فبراير-1971

تاريخ لا يُنسى