; المراهقة الهادئة | مجلة المجتمع

العنوان المراهقة الهادئة

الكاتب خالد أحمد الشنتوت

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1993

مشاهدات 59

نشر في العدد 1060

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 03-أغسطس-1993



مفهوم المراهقة بين الشياع والحقيقة

يبرر الآباء والمدرسون انحرافات أبنائهم وتلاميذهم بالمراهقة، فنجم عن ذلك بيئة مساعدة للناشئة على الطيش والإهمال، فما هي المراهقة في حقيقتها؟

 أولًا: المعنى الشائع للمراهقة

 يقول ستانللي هول: «المراهقة فترة عواصف وتوتر وشدة، تكتنفها الأزمات النفسية، وتسودها المعاناة والقلق والصراع (1) وبالغ بعض أدعياء علم النفس فوصفوها بأنها مرحلة جنون»، ويعتبر ستانللي هول جميع المراهقين مرضى ويحتاجون إلى المعالجة الطبية والنفسية (2).

 ومع أن معظم علماء النفس والباحثين فيه لا يجمعون على ذلك التعريف السابق، إلا أنه صار مفهومًا شائعًا للمراهقة، وكأن بعض الناس يروجه ويشيعه بين الناس، حتى عم وانتشر وصار كأمر بدهي عند عامة الناس، وصار هذا الجنون والقلق مرحلة حتمية من مراحل نمو الفرد. وأفضل نقد ونقض لهذا المفهوم المدمر ما يقوله علماء النفس عن المراهقة، ثم موقف التربية الإسلامية منها.

ثانيًا: المراهقة في علم النفس

 المراهقة مرحلة انتقال من الطفولة إلى الرشد (3) وهي مجموعة من التغيرات التي تحدث في نمو الفرد الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي (4).

 والفعل العربي «راهق» يعني الاقتراب من الشيء، وراهق الغلام، اقترب من الرشد، وفي علم النفس تعني الاقتراب من النضج الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي، أما الأصل اللاتيني للكلمة فيرجع إلى كلمة «Adolescere» وتعني التدرج نحو النضج، فالمراهق لا يترك عالم الطفولة ويصبح راشدًا بين عشية وضحاها، ولكنه ينتقل تدريجيًّا (5).

 ويصرح علماء النفس بأن فترة المراهقة ليست مرحلة حتمية للقلق والاضطراب والعواصف، وقالت عنها «مارجريت مد»: «المراهقة مرحلة نمو عادي، وما دام هذا النمو يسير في مجراه الطبيعي لا يتعرض المراهق للأزمات» (6).

ثالثًا: المراهقة في التربية الإسلامية

المراهقة عند المفكرين المسلمين فترة انتقالية تسبق البلوغ، وتنتهي عند البلوغ، فالبالغ راشد في معظم حقوقه وواجباته كما سنرى. يقول الدكتور ماجد عرسان الكيلاني أستاذ التربية الإسلامية في جامعة أم القرى حاليًا: «ليست المراهقة ظاهرة حتمية في تطور العمر الزمني للإنسان، بأنها مشكلة يمكن تجنبها كليًا من حياة الفرد، والمراهقة مرض من أمراض المجتمع الرأسمالي، فالمراهقة هي مصارعة طاقات وقدرات عقلية ونفسية وجسدية معطلة محبوسة، وقد تجنبت التربية الإسلامية مرض المراهقة حين أوجدت للشباب مثلًا أعلى يصرف طاقاته خلال الجهاد في سبيله» (7).

 ويقول الدكتور عبد الرحمن العيسوي: «لا يؤدي النمو الجنسي بالضرورة إلى أزمات، لكن النظم الاجتماعية الحديثة هي المسؤولة عن أزمة المراهقة»، وكما تقول مارغريت مد: «في المجتمعات البدائية تختفي مرحلة المراهقة، وينتقل الفرد من الطفولة إلى الرشد مباشرة بعد احتفال تقليدي» (8).

 ويقول الدكتور العيسوي: «للمراهقة أنواع أحدها المراهقة السوية الخالية من المشكلات والصعوبات»، ثم يقول تحت عنوان «أسطورة العاصفة»: «هناك عدد كبير من المراهقين الأسوياء، وتؤكد الدراسات الحديثة أن المراهقة ليست بالضرورة وبالطبيعة مرحلة عواصف وضغوط، وفي بعض الدراسات لم تزد نسبة المضطربين منهم على (20%) وغالبية المضطربين تنحدر من أسر غير سعيدة» (9).

 نخلص من عرض آراء المفكرين المسلمين إلى أن المراهقة ليست مرحلة حتمية للاضطرابات والعواصف.

رابعًا: مرحلة الرشد عند الفقهاء

 يبدأ سن الرشد بالبلوغ، وعلامته الاحتلام «خروج المني»، أو إتمام 15 عامًا هجريًا، وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناء الخامسة عشرة معاملة الرجال الراشدين في أهم ميدان من حياة الصحابة رضوان الله عليهم وهو ميدان الجهاد، فقد ورد في سيرة ابن هشام ما يلي: «وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ (يوم أحد) سمرة بن جندب ورافع بن خديج، وهما ابنا خمس عشرة سنة...»، ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب، وعمرو بن حزم، وأسيد بن ظهير، ثم أجازهم يوم الخندق وهم أبناء 15 سنة (10).

 ومن المعلوم أن سن التكليف الشرعي يبدأ بالبلوغ، وتفرض الصلاة والصوم والحج وسائر فروض العين على المسلم البالغ، ويحاسب على تركها كما يحاسب الراشد في الدنيا والآخرة، وقبل البلوغ يدرب الصبي على هذه العبادات ليتعود عليها قبل أن تفرض عليه، وفي إقامة الحدود البالغ كالراشد لا فرق بينهما، وكذلك في تولي المسئولية، فقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد على جيشه لمحاربة الروم وهو في الثامنة عشر أو دونها.

 وفي إمامة الصلاة يشترط الأحناف البلوغ للإمام، كما يشترط الحنابلة البلوغ لإمام المفروضة، بينما أجاز الشافعية إمامة الصبي المميز للراشدين في الصلاة مطلقًا (11)، قضية واحدة فقط لم يعامل الشرع فيها البالغين كما يعامل الراشد وهي قضية المال، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكاَحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (سورة النساء: 5) ويقول الطبري رحمه الله: «السفهاء لفظ يعم الصبي الصغير والرجل الكبير، ذكرًا أو أنثى، الذين لم يكتمل رشدهم» (12) ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية تمنع السفيه «صغيرًا كان أو كبيرًا» من التصرف بالمال، لأن للمال وظيفة اجتماعية تخص الأمة كلها، ويذكر الباحث أن السفه المقصود ليس مرتبطًا بالسن، وإنما هو ضد الرشد.

 مما سبق يصل الباحث إلى أن المعنى الشائع للمراهقة غير صحيح، لأنها ليست مرحلة حتمية للاضطراب، بل هي مجرد مرحلة انتقالية يمر فيها الفرد بسرعة، وعندما تستثمر طاقات الفرد المتدفقة في هذه الفترة وتصرف في أبواب الخير للفرد والمجتمع، في الدنيا والآخرة، عندئذ تكون المراهقة مرحلة سوية وعادية نسميها المراهقة الهادئة.

خامسًا: البحث الميداني

 انتقى الباحث 50 أسرة ملتزمة بالإسلام تقيم في مكة والمدينة المنورة، ووزع على الآباء استمارة بحث للتعرف على مدى إصابة أبنائهم بالقلق والاضطراب في فترة المراهقة، فكانت نتائج البحث كما يلي: 1 – 84% قالوا لم يتمرد أبناؤهم على أسرهم ولم يظهر عليهم القلق والاضطراب، بينا قال (16%) إن قليلًا من أولادهم حاول التمرد وظهر عليه بعض القلق. 2 - 90% لا يرون المراهق مريضًا نفسيًّا، بينما 6% يرى ذلك، وامتنع 4% عن الإجابة. 3 – 66% لم يروا أي اضطراب عند أولادهم بينما 30% رأوا اضطرابًا عند قليل منهم و4% رأوه عند بعضهم فقط (13).

المراجع: 1 - حامد زهران، علم نفس النمو، 1986 م ص 291.

 2 - عبد الرحمن العيسوي، سيكولوجية المراهق المسلم المعاصر دار الوثائق بالكويت 1987م، ص 14.

 3 - حامد زهران ص 289.

 4 - العيسوي ص 14.

 5 - العيسوي ص 12.

 6 - حامد زهران ص 292.

 7 - ماجد عرسان الكيلاني، فلسفة التربية الإسلامية مكتبة المنارة بمكة، 1987، ص 112.

 8 - العيسوي ص 39.

 9 - العيسوي ص 50.

 10 - تهذيب سيرة ابن هشام ص 203.

 11 - هذه المعلومات أجوبة للشيخ محمد علي مشعل المدرس بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية سابقًا.

 12 - محمد علي الصابوني تفسير آيات الأحكام ص 439.

 13 - خالد شنتوت، تربية الشباب المسلم، نشر دار المجتمع بجدة، 1993م ص 109.

انظر أيضا:

في بيتنا مراهق.. حكاية قلب بين الطفولة والشباب

 

الرابط المختصر :