العنوان المرتكزات الأربعة للعمل الإسلامي تقضي على الأراجيف
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1999
مشاهدات 62
نشر في العدد 1362
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 10-أغسطس-1999
هل يمكن أن يخلع بعض الناس نفوسهم الرئة البالية، ويستبدلوا بها نفوسًا أخرى جريئة في الحق، شاعرة بالواجب، مقدرة للأمانة كلها فتوة وقوة ونزوع إلى المعالي، وعزوف عن الصغائر، وطموح الى المجد الذي خلده الله لهم في كتابه بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون:8)؟
هل يمكن أن ينزع الناس أرواحهم الضعيفة الغارقة في الأوهام والشهوات، ويأتوا بأرواح غضة فتية تواقة إلى معرفة الحقيقة، تتسامى عن حظوظ النفس وعن نزغات الشياطين، وترتفع عن نیران الأحقاد والأضغان، وتخلو ولو لساعات مع نفسها لتبصر النور، وتهتدي إلى الصواب، وتميز الخبيث من الطيب والهداية من الضلال؟
هل يمكن أن ينسلخ الناس من أفكارهم الكاتبة، وثقافاتهم العمياء، وجهلهم الفاضح وعجزهم المهلك، وظنونهم السوداء، وقد أصابهم كل ذلك بسهام طائشة مسمومة صورتهم كما لو كانوا شعوبًا بدائية همجية مجردة من الوعي العقلي والحس الإنساني، والإدراك الفاعل والتجربة العملية لسنة التطور والتقدم.
لقد راعني أن تعمى أمة بأكملها عن رسالتها ومنهجها وعن رجالها الأبرار، ودعاتها الأفاضل وحملة المشاعل فيها، وهم لا يدخرون وسعًا في نصحها وتبصيرها وإرشادها والأخذ بيدها كما يسعدهم أن يجتمع الناس على الخير والعدل والحق والمعروف وكم أقض مضاجعي استمرار محاولات التشكيك وسوء الظن المتعمد واختلاق الأقاويل والأراجيف حول العاملين للإسلام والمكافحين عنه لاستئصالهم وحربهم وإزاحتهم عن الطريق، واتهامهم زورًا بكل نقيصة للتحريض عليهم، على الرغم من أنهم يعلنون وبوضوح موقفهم من القضايا الكبرى التي تشغل بال الأمة وتحير الباب الناس من حولهم، يعلنون في هذه القضايا والمرتكزات موقف الإسلام الملتزم بمبادئه العظيمة، وقضاياه الباهرة الكريمة.
وأول هذه القضايا: موقف الإسلام من الناس جميعًا: حيث يرون أن الناس جميعًا حملة خير مؤهلين لحمل الأمانة والاستقامة على طريق الحق وهم لا يشغلون أنفسهم بتكفير أحد وإنما يقبلون من الناس ظواهرهم وعلانيتهم، ولا يقومون بتكفير مسلم مهما أوغل في المعصية فالقلوب بين يدي الرحمن، وهو الذي يؤتي النفوس تقواها ويحاسبها على مسعاها.
وأما الموقف من أهل الذمة فلهم ما لنا وعليهم ما علينا، وهم شركاء في الوطن، وإخوة في الكفاح الوطني، ولهم كل حقوق المواطنة، المادي منها والمعنوي المدني والسياسي والبر بهم والتعاون معهم، ومن قال بغير ذلك فالإسلام براء منه ومن عمله.
وأما موقف الإسلام من اختلاف الآراء بما يسمونه اليوم بشعار «التعددية» فالإسلام لم يجبر أحدًا على اعتناقه، والإسلام منذ بدأ الوحي على رسول الله له يعتبر اختلاف الناس حقيقة كونية وإنسانية: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (المائدة: 48)، والتعددية في منطق الإسلام تقتضي الاعتراف بالآخر، كما تقتضي الاستعداد النفسي والعقلي للأخذ عنه فيما يجري على يديه من خير ومصلحة، وذلك لأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بهاء، كما أن المؤمن يألف ويؤلف، وكان الرسول ﷺ رحمة للناس: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159).
القضية الثانية: قضية الدين والسياسة ومنهج الإسلام الذي يلتزم به العمل الإسلامي الراشد، أن سياسة الناس بالعدل والحق والرحمة من رسالة الإسلام، وإقامة شرائع الإسلام فريضة من فرائضه، والحكام في نظر الإسلام بشر، ليس لهم على الناس سلطان ديني بمقتضى الحق الإلهي، وإنما ترجع شرعية الحكم في المجتمع المسلم على رضا الناس واختيارهم وللناس أن يستحدثوا بعد ذلك من النظم والصيغ والأساليب في تحقيق هذا المبدأ ما يناسب أحوالهم، وما لا بد أن يتغير ويختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وإذا كان للشورى معناها الخاص في نظر الإسلام فإنها تلتقي في الجوهر مع النظام الديمقراطي بالشروط الإسلامية، الذي يضع زمام الأمور في يد الأغلبية دون أن يحيف بحق الأقليات والمعارضة السياسية المنظمة عاصمة من الاستبداد للأغلبية، ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ﴾ (العلق: 7:6)، ولهذا يجب أن تكون الانتخابات سليمة لتعبر عن رأي الأمة وتعطي الاستقرار للمجتمع فيتوجه الجهد إلى البناء والتنمية ومضاعفة الإنتاج.
القضية الثالثة: قضية العمل السلمي: ذلك أن الإسلام حرم احتراب المسلمين وترويع الآمنين قال: ﷺ: «أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم إلى يوم القيامة كحرمة يومكم هذا في عامكم هذا في بلدكم هذا»، وأما ما كان من عنف لبعض الناس مسلمين أو وطنيين، فإن منشأه جو الكبت والقلق والاضطراب الذي يسيطر على الأمة، ويورط فريقًا من أبنائها في ممارسات إرهابية روعت الآمنين، وأفزعت الأبرياء وهزت أمن البلاد، وهددت مسيرتها الاقتصادية، ومثلت شرخًا كبيرًا في جسد الأمة، وفي استقرارها السياسي ولا شك أن هذه الأعمال ينكرها الإسلام ويشجب الذين يسفكون الدم الحرام، والعمل الإسلامي يشجب هذا وينكره أشد الإنكار من السلطات ومن غيرهم، والكل مطالب بغير إبطاء أن يفيئوا إلى الحق «فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
القضية الرابعة: قضية حقوق الإنسان: والإسلام هو النظام الوحيد الذي جعل حقوق الإنسان دينًا يتعبد به ورد للإنسان كرامته التي سكبت على مدار التاريخ، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8) ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70).
وقد احترم الإسلام حقوق الأقليات غير المسلمة وعاشت في كنفه كريمة عزيزة، أما المسلمون اليوم وفي العصور التي تتغنى بالحضارات فقد استبيحوا أموالًا وأعراضًا ودماء، في كل أصقاع العالم في أوروبا وفي غيرها في العالم المتحضر والعالم المتخلف في الشرق والغرب، في البوسنة في الشيشان في كوسوفا، في كشمير، في الفلبين في فلسطين، فهل يستحيي هؤلاء العنصريون الذين يكيلون بمكيالين، بل بمكاييل مختلفة من وصم المسلمين بانتهاك حقوق الإنسان ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ (المدثر: 35).
وبعد كل هذا وغيره مما هو معروف عن جهاد الإسلام وفضله في سبيل إنقاذ البشرية، وبعد حمل الجماعات الإسلامية الراشدة اليوم لنفس المنهاج تنادي به في الناس هذا كتابنا في يميننا، وهذه شهاداتنا بالحق في صحائفنا وأعمالنا، وهذه دعوتنا بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذه نفوسنا أبيض من الثلج، وأنقى من البرد، بعد هذا كله تبقى أكاذيب وتقبل أراجيف؟ اللهم لا وألف لا، فقد انفلق الإصباح وأذن مؤذن الفلاح!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل