; المرحلة الجديدة: عهد الجمهورية | مجلة المجتمع

العنوان المرحلة الجديدة: عهد الجمهورية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1982

مشاهدات 57

نشر في العدد 578

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 06-يوليو-1982

يجب ألا تكون إستانبول هي العاصمة في الدولة الجديدة

في هذه الأثناء يكتب حسین جاهد مقالات عن إستانبول كعاصمة، ويشعل هذه المسألة، في رأيي إن بقاء إستانبول عاصمة لتركيا أمسى فيه خطر، عصمت ومصطفی کمال يریدان أنقرة، سألني عصمت اليوم قائلًا: «كيف نَحِل المسألة؟» «أوصيته بإصدار مادة قانونية تقول بأن أنقرة مقر الحكومة، وإدخال هذه المادة في الدستور» فنفذوا هذا فورًا، وقلت لهم إن السلطة قد ألغيت وظل مكان هذا شاغرا، وهذا خطر لابد من سد هذا المكان الشاغر، فأسرعوا بإعلان الجمهورية» فنفذوا هذا أيضًا سريعًا. 

يبدو مصطفى كمال منذ أن تزوج، يبدو عاقلًا، لا يهاجم النساء، لطيفة زوجة شديدة في هذا الخصوص، فقط: يشرب الخمر، وفي هذا تقوم لطيفة بالخدمة تأخذ الكأس والزجاجة من أمامه، فإذا لم تنجح في أخذهما، ترجو أحدنا في ذلك، فنقوم بأخذهما من أمامه، لكن من الواضح أن مصطفى كمال يعتبر هذا، استبدادا من لطيفة ويغضب جدًا.

حسنًا جدًا إني مسرور من هذا، ذلك لأن مصطفى كمال لم يعد يقوم بأعمال تتنافى مع مركز رجل على رأس الحكم، ولابد من الضغط على رجل مثل هذا الرجل، 

لطيفة امرأة ذكية، مثقفة، شديدة كالرجل، تشكو لنا من مصطفى فيما يتعلق بالنساء، والخمر، ولأن لطيفة صديقة زوجتي، فقد شكت إليها أن مصطفى كمال لا يستطيع أن يؤدي حقوق الزوجية، نفس الشكوى سمعتها من فتحي بعد أن باحت لطيفة لزوجته بها،  شيء غريب أمرضت لطيفة، أصابها الزهري ولطيفة امرأة شريفة، معنى هذا أن هذا المرض انتقل إليها عن طريق زوجها،  جاء الدكتور كنعان توفيق وداواهما معًا، وكنعان صهر خالد ضيا عم لطيفة، والواقع أن علي فؤاد قد حدثني في موسكو عن انعدام رجولة مصطفى كمال، إنه يعرفه منذ عهد الدراسة في المدرسة الحربية،  وهو كذلك منذ تلك الفترة، 

كنا في جان قايا «عند مصطفى كمال» ذات ليلة على المائدة نشرب الخمر، ثم نهضنا، عصمت وفتحي يتشاجران، قمنا لطيفة هانم وأنا بفض الاشتباك بينهما، وزارة الخارجية لم تعد الآن مناسبة لعصمت، كبر عليها، يريد أن يصبح رئيسًا للوزراء، طمعه عظیم وبلا حدود يطلب أكثر كلما وجد، لا يمانع حتى في رئاسة الجمهورية، لا يستطيع تحمل وجود فتحي في منصب رئيس الوزراء، وهو يرى أنه فقط الجدير بهذا المنصب، فينقض على فتحي ويهجم عليه، وكرر هذا الموقف مرة أخرى. 

في هذا الشجار لا يكلف مصطفى كمال نفسه النهوض ليفرق بينهما -يتجاهل هذا الصحفي حسين جاهد يهاجم الحكومة ويهاجمني في جريدة «طنين» ويظن أن الحكومة جدار وسيهدم إذا سقط حجر، ويتصور أن هذا الحجر هو أنا، هذا الرجل بهتم بالتفرعات في كل أعماله، ما دمت تريد هدم الحكومة فاعمل على انتزاع الحجر الأساس فيها!!

يترك الأساس، فماذا سيفيد منى أنا، اصبر قليلًا! إنهم بالتأكيد سينتزعونني ويلقون بي، وإذا انهدمت الحكومة سيصبح عصمت رئيسًا للوزراء، وجاهد لا يحب عصمت، إنه بهجومه هذا يخدمه ولا يدري.

كنت مرة عند مصطفى كمال، قال لي: «هل قرات «طنين»؟ قلت: «لا».. خيرًا، هل فيها شيء»؟ قال: «جاهد، مرة أخرى، يستأسد» ثم توقف، قليلًا وقال: «إنني أفهم الأن كيف يكون الإنسان مستبدًا»

هذا الكلام فظيع أقشعر منه بدني، معنى هذا أن الرجل يريد أن يكون مستبدًا ولا يتصور أن استبداده قبل هذا يعتبر استبدادًا، معنى هذا أنه يريد أن يكون أكثر استبدادًا وشدة.. 

يحدث كثيرًا جدًا أن تحدث أشياء تجعل دائمًا الذي يرأس النظام في كل فترة مستبدًا، فإذا كانوا جديرين بالمنصب بحق، لا يتحولون إلى مستبدين، رغم كل هذا، فالحقيقة أن كل المطبوعات في ذلك الوقت كانت تنتقد الحكومة أقدام «أحمد جودت» وطن «أحمد أمين» تصوير أفكار، «وليد» طنين «حسین مجاهد» أقسام «نجم الدين صادق» إلى آخره، قسم من النقد صحيح، وقسم منه بلا وجه حق، وحسب تجربتي الشخصية، فإن الإنسان يغضب كثيرًا للنقد غير الصحيح، ولكن لابد من عدم ترك الاعتدال، فالمزية هنا. 

ذات يوم قال لي عصمت: «يا دكتور إن منصب رئيس الدولة شاغر، والدولة جمهورية، أيه! حسنًا! ولكن من تنصبه رئيسًا للجمهورية»؟ لم أجبه، قال: «هيا ننصب فوزي باشا، إنه مناسب!» قلت: «هذا المنصب لمصطفى كمال هو الأول في الصف»، قلت له: هذا وأنا أقول في نفسي: «أيترك مصطفى كمال هذا المنصب لغيره؟!»، 

صمت عصمت مدة طويلة، وعيناه تتقدان دمًا، وهو يفكر في الغالب يريد أن يكون هو رئيس الجمهورية، ويفكر أن يدخل معي في مؤامرة، وعندما أجبته بهذا سكت، لأنه يخاف من مصطفى كمال خوفه من الله، لو عرف مصطفى كمال هذا لمضغ لحم عصمت مضغًا..

في هذه الأثناء كان حوالي ١٥ - ٢٠ نائبا برلمانيا يشربون الخمر مع مصطفى كمال في منزل توفيق رشدي، وتحدث الجميع عن مسألة رئاسة الجمهورية، وبالطبع قالوا جميعًا لمصطفى كمال «يجب أن تكون رئيسًا للجمهورية» فأقسم مصطفى كمال بقوله: «لا أريد، لو وافقت على هذا سأكون أسفل إنسان في هذا العالم»، عندما سمعت منه هذا عجبت منه ومن كلام عصمت، لا أدري ماذا يحدث بينهما! ولكن بعد مضي خمسة أيام أو عشرة، أصبح مصطفى كمال رئيسًا للجمهورية، وبالطبع أصبح سافلًا! وهو كذلك من قبل ولم يخسر شيئًا!

سيظهر فدائي من هذه الأمة ويقتلنا!

وقال لي أحد من أعرف: «هل تعلم ماذا يقولون؟ قلت: «لا».. يقولون منذ توقيع معاهدة لوزان أن مصطفى كمال وعصمت ورضا نور قد أدوا خدمات كبيرة واكتسبوا شهرة عظيمة، والآن لابد من قتلهم، سيظهر فدائي من هذه الأمة، قلت: «إن الذين قالوا هذا عقلاء»..

دهشت عندما سمعت هذا الكلام، هذا شيء مدهش، لكنه صحيح أن المناصب الكبيرة تجعل هذا المخلوق الذي يسمى الإنسان وحشًا مفترسًا، هذا هو التاريخ أما أن يترك هؤلاء وظائفهم بعد أن يؤدوا واجبهم مباشرة، فإذا لم يتركوها وينسحبوا فلابد من التخلص منهم، وإني لمعجب بدراية هؤلاء الذين قالوا هذا وأنا نفسي سأنسحب، والواقع أن الجو في تلك الأثناء كان ملبدًا بغيوم التمرد، وذات يوم تلقيت من فتحي البرقية التالية: «استقلنا» أجبته ببرقية باستقالتي من وزارة الصحة، وطلبت إجازة من مجلس الأمة للاستراحة شهرين أذهب فيهما إلى «سينوب» لأنني متعب، ولم انتظر وصول الإجازة وإنما أبحرت إلى بلدي سينوب مع عائلتي. 

عهد الجمهورية

ليس لي دخل على الإطلاق بما حدث للأمة من حسنات ومن مساوى في عهد الجمهورية، إنني في هذا العهد مجرد نائب في مجلس الأمة، وحتى هذا فلم استمر فيه طويلًا، وكل ما حصلت عليه وسجلته عن هذا العهد من أخبار هو بفضل عضوين في المجلس، في الأيام الأولى كنت أسمع أحيانًا من عصمت وأحيانًا من مصطفى كمال، وبعد سنتين كنت بعيدًا تمامًا. 

عندما وصلت السفينة إلى أينه بولو، قالوا لي إن الجمهورية قد أعلنت وأن عصمت أصبح رئيسًا للوزراء، جاءتني برقية من عصمت، «يثني علي ويفتقدني وينتظر انتهاء إجازتي لحاجته إلى خدماتي»، أثارت هذه البرقية بما احتوته من مدح كبير لدوري، أثارت شكوكي فورًا فهو يظهر خلاف ما يبطن، وحدث أنه أسقطني من التشكيل الوزاري الجديد..

بمجرد وصول لطيفة «زوجة مصطفى كمال» إلى إستانبول بعد طلاقها منه، استدعت زوجتي فورًا، قالت لها أشياء ومن ضمنها: انتخاب الوزراء «لوزارة عصمت الجديدة» وضع الغازي مصطفى كمال اسم الدكتور رضا نور في قائمة الوزارة، فقال له عصمت لا، ورغم إصرارنا «الغازي وأنا» على الدكتور رضا نور وتمسكنا به، لكن عصمت أصر على رأيه، وقال لن أعمل معه، قال له الغازي: إن رضا نور صديقك وخدماته كثيرة، ثم كيف نستطيع مواجهته بعد ذلك، فقال له عصمت: «هذا لا ينفع» اترك لي المسألة وأنا أحلها! 

ولكن المسألة لا تقتصر على هذا فقط، إن لها خفايا، لا يستطيع عصمت عمل شيء أبدًا مخالفًا لرأي مصطفى كمال، إنهما جلسا معًا من قبل وكتبا قائمة بأسماء الوزراء، فقال مصطفى كمال لعصمت: «أنا سأضع اسم رضا نور وأنت ترفضه»،  كلاهما لا يريداني، ما قالته لطيفة جاء من باب التمويه فقط، لم ينس في هذه التعديلات تقوية نفسه، فوضع جملة «رئيس جمهورية تركيا هو رئيس الدولة»،  وبهذه الصفة فإنه يرأس مجلس الأمة ومجلس الوزراء، هذا هو فعل الظالمين، إني أسمي هذا الرجل «التنين ذو الرؤوس السبعة» وبالأساطير حيوان هكذا يسميه الإفرنج «هيدر»،  وأظن إنني بذلك وجدت اسمًا جيدًا له. 

أنا الآن في إستانبول، والحكومة تقبض على الصحفيين، كتبت خطابًا إلى عصمت خلاصته: «أفرج عن الصحفيين»،  كان لابد من تخويف الصحافة في إستانبول، وقد حدث هذا، فأطلق سراح الصحفيين، وأفرج فعلًا عن جزء منهم، نظرت ذات يوم إلى الجرائد في إستانبول فإذا بهم قد ألغوا الخلافة، ضايقني ذلك كثيرًا، ففي رأيي أن الخلافة مؤسسة لا بد من تقويتها وجعلها عصرية على عكس رأيهم في أنقره، ثم جمعوا كل أفراد العائلة العثمانية من رجال ونساء وطردوهم من البلاد جميعًا وبصورة فورية، وكان هذا شيء مفجع،  يوضح مصطفى كمال في خطابه الرسمي اعتبارًا من صفح511،  مسألتي الخلافة وإلغاءها،  شد انتباهي هذه الجمل من برقيته لعصمت: «القصور الكثيرة وبما فيها من أشياء عديدة، قد بنيت من قوت الشعب»، 

مقيم في هذه القصور من ثلاثة سنوات أو أربع،  ومشغول بنهب الأمة إرضاء لنزواته، في كل مكان له مزارع ومبان سطى عليها، إن مزرعته الضخمة في أنقرة لم يمتلكها إلا بالاغتصاب وبمال الأمة، في سبيلها أخذ من وزارة الزراعة مبلغ خمسين ألف ليرة، وكذلك العمال والموظفين، وكلف الوزارة مصاريف نقل عشرين ألف ليرة، وسخر كل جرارات وزارة الزراعة، وكانت تعمل من أجل الشعب في سهل قونية، وكل العمال والموظفين والبنزين من وزارة الزراعة،  حدثني بكل هذا الشيخ مصطفی کاظم نائب قونيه في المجلس، كما نقل طلبة ومعلمي مدرسة الزراعة إلى مزرعته وشغلهم هناك عمالًا، أراد نواب قونية الجرارات، ولكن ما الفائدة؟!

مزرعته في أنقرة مأخوذة جبرًا من أرض بأيادي الشعب، حدثني بهذا شخصيًا أسرتان محليتان من أولاد علي شان زاده، جاه بوزوق صالح «مرافق مصطفى كمال» إليهم وطلب منهم أن يبيعوا مزرعتهم للغازي، قائلًا: «مزرعتكم قيمتها ألفي ليرة، ها هو ذا المبلغ وسلموني المزرعة» فلم يوافقوا، فقال لهم: «حذار! ستضيعون!» وعندما قال هذا خافوا ووقعوا. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل