; علَّم الإنسان ما لم يعلم (العدد 382) | مجلة المجتمع

العنوان علَّم الإنسان ما لم يعلم (العدد 382)

الكاتب أجود محمد الحراكي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1978

مشاهدات 88

نشر في العدد 382

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 17-يناير-1978

التمر

تهتم الدول المتمدنة في وقتنا الحاضر برفع مستوى التغذية بين شعوبها وتنتشر تعاليم التغذية الصحيحة بين أفرادها، وذلك للعلاقة الوثيقة بين التغذية والصحة العامة، وكان من أثر ذلك أن احتفظت تلك الشعوب بمستوى عالٍ من الصحة وقلَّت نسبة الوفيات بين الأطفال كما انخفضت النسبة العامة للوفيات أيضًا. 

فالحكومات الأوروبية ناطت بلجان علمية وهيئات فنية أمر نشر دراسات عن فوائد الفاكهة ومزاياها الثابتة، ففي سويسرا مثلًا، مكتب دعاية خاص لبيان ما في الفاكهة من عناصر صحية وغذائية ووقائية؛ لأن الدعاية هي نوع من الإقناع وضرب من ضروب التأثير النفساني. 

ولما كان شعبنا العربي بحاجة ماسة لتطبيق المعلومات الحديثة ليرفع المستوى الصحي العام بين أفراده، وهو أولى الشعوب بأن يقيم غذاءه على أساس ما يحتويه من عناصر مفيدة، لا على أساس ارتفاع قيمته المادية أو جمال شكله أو لونه وقد اخترت في هذا المقال الحديث عن التمر لأنه غذاء كامل ولكنه مهمَل ولا يتناوله حتى الفقراء من الناس. 

ومما يؤسَف له أن الناس قد غفلوا عن أهمية التمر الغذائية واقتصروا على تناوله في مناسبات محدودة كحلول شهر رمضان الكريم وشهر الحج وبقصد التبرُّك والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ولو علموا مغزى الإشارة القرآنية إلى النخيل والحض النبوي الشريف عليه وما كشف العلم الحديث بعد ذلك من فوائد كثيرة لأقبلوا عليه أيما إقبال. 

نبذة تاريخية

دلَّت الحفريات في قبور الفراعنة أن نقوشًا خاصة بالتمر قد وُجدت في معابدهم كما أن هناك كثيرًا من الأديرة القبطية بها كتابات ومذكرات تعلل ما كان للتمر من فوائد، وتقول الروايات: إنه كان الطعام الوحيد للعذراء عليها السلام مدة حملها للسيد المسيح عليه السلام. 

وتاريخنا حافل بالأدلة والشواهد وإن جيوشنا الجرارة يوم فتحت البلاد والأمصار لم يكن في جوف مقاتليها حين ذلك سوى بضع تمرات، وترى الآن بعض الجيوش الحديثة تزود جنودها في أسفارها بقليل من التمر مع بعض الأغذية المُجفَّفة الأخرى. 

ترى ما هي القيمة الغذائية فيه؟ على الرغم من كثرة أصناف التمر نجدها متقاربة من حيث القيمة الغذائية سواء كانت على صورة البلح أو الرطب أو التمر أو العجوة. 

القيمة الغذائية للتمر

إن المواد التي يحتاجها البدن تتكون من المواد التالية: 

الكربوهيدرات، نشوية وسكرية، البروتين، الدهون، الأملاح المعدنية، الفيتامينات. 

1- المواد النشوية والسكرية

يحتوي التمر على  70-87 بالمئة من تركيبه مواد سكرية ونشوية بينما يحتوي التفاح على 12 بالمئة والخوخ 17.63 بالمئة والسفرجل 7.9 بالمئة، والتين 19 بالمائة، والبطيخ 9.6 بالمئة من وزنه سكر. 

من هذه المقارنة نجد أن التمر هو أغنى أنواع الفاكهة بالسكريات الطبيعية وأرخصها وأكثرها توفرًا على مدار السنة وأن التمر يمكن أن يُخزَّن لكل الفصول مع قليل من العناية دون أن تستطيع الجراثيم أن تحيا فيه، وذلك على عكس باقي أنواع الفواكه التي تتطلب مخازن خاصة بمواصفات معينة ورغم ذلك تبقى ثمارها عُرضة للجراثيم وللتلف ونقصان قيمتها الغذائية باستمرار إن السكاكر الموجودة بالتمر سريعة الامتصاص سهلة التمثل في الجسم، وتستطيع المعدة هضم التمر وامتصاص ما فيه من سكر خلال ساعة تقريبًا ومن ثم إمداد البدن بالطاقة التي يتطلبها أثناء عمله أو بالطاقة اللازمة لحركة أجزاء الجسم اللا إرادية، بينما لا تستطيع المعدة هضم باقي الأغذية وإمداد الجسم بطاقتها قبل بضع ساعات لا سيما السكاكر الموجودة في أنواع الحلوى المختلفة إلى 6 أو 7 ساعات لما يخالطها من أدهان. 

إن الهضم والتمثل السريع للتمر في جهاز الهضم يعود إلى أنه لا يحتاج إلى عمليات كيماوية وحيوية معقدة كما هو الحال في المواد الدهنية والنشوية إن الكيلو الواحد من التمر يعطي للجسم طاقة غذائية قدرها 3470 سعرًا حروريًا وهي طاقة تكفي الإنسان الكامل لتأدية عمله يومًا كاملًا إذا اقتصر عليه وحده، كما أن سكريات التمر باعتبارها طبيعية يقبل عليها البدن بكل رغبة ولا تحدث أي مضاعفات للأجسام العادية. 

إن سُنّة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في الإفطار على التمر والماء تتجلى فيها فوائد عديدة وهي أن جسم الصائم الذي امتنع عن تناول الطعام طيلة نهار الصوم يحتاج إلى إمداد سريع بالسكريات التي تبعث النشاط والتي يمكن أن تكون جاهزة للاحتراق في أقل من ساعة بينما تحتاج إلى أكثر من ست ساعات في الأغذية الأخرى أضف إلى أنها تحد من رغبة الصائم بالتهام كميات زائدة من الطعام وما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه وعندها لا يعرض نفسه إلى سوء الهضم وتعفن الأمعاء والشعور بالإعياء والإحساس بالدوخة والتعب. 

إن الكيلو الواحد من التمر يعطي نفس القيمة الحرارية للحم ويعطي ثلاثة أضعاف ما يعطيه السمك، وفائدة السكاكر هذه ليست مقتصرة على مد الجسم بالطاقة التي تبعث النشاط فحسب بل إنها مدرة للبول وبالتالي تغسل الكلى وتمنع تشكل الرمال والحصى وتنظف الكبد، كما أنه يساعد على إزالة الإمساك وإذا ما أكل البلح قبل النضج فإنه يوقف الإسهال ويُستعمل مغليًا في الالتهابات ويوقف النزيف الدموي الذي يتسبب عن البواسير والتهابات اللثة. 

2- المواد البروتينية

للتمر قيمة غذائية مرتفعة لا تقل عن اللحوم إذ أنه يحوي ميزاتها كلها ولكنه ليس له شيء من أضرارها التي تحدث نتيجة الإكثار منها. 

يحتوي التمر على 2 بالمئة مواد بروتينية بينما يحتوي التفاح على 1 بالمئة، والسفرجل على 0.09 بالمئة، والعنب على 0.6 بالمئة والرمان 0.8 بالمئة والموز 0.79 بالمئة والبرتقال والدراق والمشمش والفريز على 0.8 بالمئة. 

وهنا نجد أن التمر يتفوق على هذه الفواكه جميعًا بنسبة البروتين الذي يعتبر المادة الأساسية في بناء خلايا جسم الإنسان. 

3- المواد الدهنية

يحتوي التمر من 2-3 بالمئة دهون بينما يحتوي الدراق والخوخ والعنب والموز والبرتقال على 0.2 بالمئة والتفاح على 0.3 بالمئة والمشمش على 0.6 بالمئة والرمان 0.7 بالمئة وهنا أيضًا يظهر تفوق التمر على أنواع الفواكه المذكورة. 

وعامةً تعتبر الفواكه فقيرة بالنسبة للمواد البروتينية والدهنية لذلك يُنصح بتناول التمر مع الجوز واللوز والزبدة أو الحليب وللتمر والحليب مقام عالٍ في حياة الأعراب فقد جعل منهم هذا الغذاء رجالًا أصحاء أقوياء البنية بعيدين عن الأمراض والعاهات ولذلك يُنصح بتناول التمر والحليب صباحًا لمن لا يقبلون بشهية على طعام الإفطار الصباحي. 

4- المواد المعدنية

يُسمّى التمر أحيانًا بالمنجم نظرًا لكثرة ما يحويه من أملاح معدنية وتتفاوت نسبة هذه الأملاح كما أسلفنا حسب الأصناف ودرجة النضج والجفاف. 

فمثلًا.. ا غ من البلح الجاف تحوي ما يلي: 

0.9 ملغ صوديوم 790 ملغ بوتاسيوم 65-71 ملغ كالسيوم 65 ملغ مغنيسيوم 0.15 ملغ مانجنيز 2.1- 4.5 ملغ حديد 0.21 ملغ نحاس 40-72 ملغ فوسفور 65 ملغ كبريت 283 ملغ كلورين 3 ملغ كلور مما سلف نجد أن التمر من أغنى الفواكه بالفسفور إذ يوجد في كل 100 غ بلح 40-72 ملغ فوسفور بينما نجد ذلك في الليمون والسفرجل والخوخ 15 واليوسفي 16 والبرتقال 20 والتفاح والأجاص 10 والدراق 26 والمشمش والتين 32 ومن المعروف أن الفسفور يدخل في تركيب العظام والأسنان كما أنه الغذاء المفضل لحجيرات الدماغ والتناسل وبالتالي نستطيع القول بأن التمر ينشط الفكر للذين يعملون بأدمغتهم ويعوض الإرهاق للمفرطين جنسيًا. 

وللتمر ميزة عالية ينفرد بها دون سواه من أنواع الفاكهة وهو احتواؤه على عنصر المغنيسيوم – 65 ملغ بينما ينعدم الأخير في أغلب الفواكه ويتوفر في البعض بنسبة قليلة فهو في الخوخ -11 – والكستنا -13- والبرتقال -10- ويرى بعض العلماء أن سبب خلو بعض الواحات من الإصابة بالسرطان يرجع إلى كثرة استهلاكهم التمر الغني والكالسيوم في كما أن توفر الحديد والكالسيوم في التمر يغني الإنسان عن تناول الأدوية الحاوية على هذين العنصرين الهامين ويعتقد العلماء أن وجود الأملاح المعدنية القلوية في التمر تسبب تعادل حموضة الدم المتأتية عن تناول النشويات بكثرة والمعروف أن حموضة الدم هي السبب في عدد غير قليل من الأمراض العائلية الوراثية كحصيات الكلى أو المرارة والنقرس وارتفاع ضغط الدم والبواسير وغيرها. 

وفي تجارب على نوى البلح في تغذية الحيوانات تبين أنها تحتوي على هرمون أنثوي والأخير له تأثير خاص في زيادة الوزن كما أن للنوى استطبابات في المغص والإسهال. 

5- الفيتامينات

فيتامين -ت- يحوي البلح من 60-174 وحدة عالمية من هذا الفيتامين في كل 100 غ وتشير بعض المصادر إلى احتوائه على نسب أعلى ومن المعروف أن هذا الفيتامين هو عامل النمو في الأطفال ويحفظ رطوبة العين ويزيد من نفاذية البصر ليلًا ويمنع عن العين العشى الليلي ويقوي الأعصاب البصرية والسمعية لا سيما الشيوخ ويزيد مقاومة الأغشية المخاطية ويساعدها على منع دخول الجراثيم وبالتالي يحول دون الزكام والتهابات الرئة والقصبات في جهاز التنفس وإحداث القرحة وسلامة المسالك البولية وعدم تخرشها مما يساعد على عدم العقم عند الرجال والنساء، وهو ضروري لعمليات النمو والتناسل والرضاعة، كما يفيد في معالجة الأكزيما والالتهابات الجلدية واحمرار مؤخرة الطفل الرضيع وإن هذا الفيتامين يضفي على النفس الهدوء والسكينة. 

فيتامين ب1:

يتوفر في التمر وهو يفيد في علاج الشلل والقرحة واسترخاء القلب وفي الإجهاد العضلي والفكري وهو مضاد لالتهاب الأعصاب وعرق النساء، وتزداد الحاجة لهذا الفيتامين، أثناء النمو وفي الحمل والإرضاع. 

فيتامين ب2

يحتوي التمر على هذا الفيتامين وهو يفيد في معالجة آفات الكبد. اليرقان وتشقق الشفاه وتكسر الأظافر وجفاف الجلد وسقوط الشعر وتُعزى الشيخوخة المبكرة لنقص هذا الفيتامين لذلك يُطلق عليه اسم فيتامين الشباب والحيوية. 

فيتامين د

يساعد على تثبيت الكلس في العظام وهو مضاد للكساح. 

أهمية التمر بالنسبة للحامل والوليد

يتبين من البحوث التي أُجريت أن البلح الرطب منبه لحركة الرحم ويزيد في قوة انقباضاته أي أنه يقوي العضلات الرحمية والانقباضات العضلية في المراحل الأخيرة من الحمل ما يجعله مساعدًا للوضع أثناء الولادة. 

وقد سبق القرآن الكريم العلم والعلماء في كشوفهم عندما ذكر لنا قصة العذراء عليها السلام حينما جاءها المخاض قال تعالى ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ (مريم:23) أي: اضطرها الطلق وألجأها إلى جذع النخلة، وقال: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا (مريم: 25-26)

وبيَّن لنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قيمة التمر بقوله: «وأمّا الرطب فطعام مريم ولو وجد الله طعامًا خيرًا منه لأطعمها إياه» وبهذا يتبين لنا عظم العناية الربانية بالمرأة باختيار هذا النوع من الطعام الذي كشف العلم الحديث عن مكانته الغذائية العظيمة وربما يكشف في المستقبل أمورًا لم تكن معروفة بعد. 

وأمّا بالنسبة للوليد والتغذية بالتمر يقول العلم إن المزاج العصبي يعود إلى نشاط الغدة الدرقية الرابضة في مقدمة العنق وإلى ازدياد مفرزاتها، ولما كان التمر من المواد التي لها خواص ضد الدرقية وذلك لاحتوائه على نسبة جيدة من فيتامين -أ- ولذلك فالطب ينصح بإعطاء كل طفل عصبي المزاج بضع تمرات صباح كل يوم لتضفي على نفسه الهدوء والسكينة، ومن النصائح النبوية الكريمة في هذا المضمار قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أطعموا نساءكم التمر فإن من كان طعامها خرج ولدها حليمًا». 

المصادر

1- القرآن الكريم. 

2- الطب النبوي – ابن قيم الجوزية. 

3- الغذاء لا الدواء – الدكتور صبري القباني. 

4- الموسوعة الغذائية – الدكتور عبد اللطيف واكد. 

6- التغذية الصحيحة – الدكتور أنور بورديلون. 

7- مجلة طبيبك – الدمشقية – عدد أب 1973. 

8- مجلة الزراعة العراقية – العددان 24-25. 

9- التغذية – نشرة – جمهورية مصر العربية. 

10- الفاكهة في لبنان -نشرة- مكتب الفاكهة اللبنانية. 

الرابط المختصر :