العنوان المركز الإسلامي في ميونيخ يعقد مؤتمره عن: الحوار مع أهل الكتاب
الكاتب خالد شمت
تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1999
مشاهدات 52
نشر في العدد 1368
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 21-سبتمبر-1999
طالب د. يوسف القرضاوي المسلمين في الغرب بالحفاظ على وجودهم الذي صنعة الله لهم وتنمية شخصياتهم الإسلامية وحمايتها من الذوبان، بحيث تظل مميزة بإسلامها وبعيدة عن الانعزال وأن يختلطوا بالناس في الأوساط التي يعيشون فيها ويؤثروا عليهم بالدعوة إلى الله، وأشار فضيلته إلى أن أعداء أمتنا لا يعملون فرادي وإنما يعملون في تكتلات وهو ما يحتم على المسلمين أن يحرصوا على العمل المؤسساتي الذي يحقق المصالح العليا لجماعتهم.
جاء ذلك في خطبة الجمعة بالمركز الإسلامي في ميونيخ في مستهل أعمال المؤتمر السنوي الثاني والعشرين للجماعة الإسلامية في ألمانيا الذي انعقد مؤخرًا تحت عنوان قوله تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. (آل عمران:64) وعن تصوره للحوار مع غير المسلمين قال
د. القرضاوي إن أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين مقارنة بالملحدين، والحوار معهم يكون عن التعاون في القواسم المشتركة التي تجمعهم مع المسلمين مثل مكافحة الآفات الخلقية والمخدرات ومواجهة التيارات الإلحادية.
وأشار نائب رئيس الجماعة الإسلامية في ألمانيا الدكتور حسن عباس أبو العلا إلى أن اختيار عنوان المؤتمر هذا العام فرضه الزخم القوي لقضايا المسلمين المثارة بقوة للنقاش لدى وسائل الإعلام والسلطات الألمانية على حد سواء مثل قضايا: تدريس الإسلام في المدارس وعمل المحجبات وقانون الجنسية الجديدة.
وكانت المحاضرة الأولى في المؤتمر للدكتور محب المحجري عن التصور الإسلامي لعيسى ابن مريم عليه السلام استهلها بالإشارة إلى أن مريم هي المرأة الوحيدة التي يأتي اسمها على رأس سورة كاملة من القرآن الكريم، مما يدل على المنزلة الكبيرة لها، وجاءت السورة حاملة معها تكريمًا ومكانة سامية للمسيح وأمه وجده وجدته في الإسلام وكتابه المنزل بصورة لا يوجد مثلها في التوراة أو الإنجيل، وأشار المحجري إلى أن هذا التكريم هو الباب المناسب للدخول إلى النصارى لنبشرهم بالإسلام، وبعد ذلك يمكن الحديث معهم عن ضلالتهم التي يهرب منها عقلاؤهم اليوم لنقنعهم أن هذه الضلالات تخريف بعيد عن العقل والمنطق، لأن أكبر تكريم لعيس عليه السلام أن يكون عبد الله ورسوله وليس ما يزعمون.
وتحت العنوان السابق، قدم د. توفيق الواعي -أستاذ العقيدة والدعوة بكلية الشريعة جامعة الكويت - تصورًا منهجيًا واضحًا لقضية الولاء والبراء التي أخذت حيزًا كبيرًا من الفكر عند العاملين في الحقل الإسلامي واستغلها اقوام لإيقاف كل وجه للتعامل مع الغير أو التفاهم معه ولو كان ذلك لصالح المسلمين، وشدد المحاضر على محدد مهم وهو عدم الخلط بين سماحة الإسلام مع أهل الكتاب ودعوته للبر بهم وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة، فالموالاة الدينية للمؤمنين والبراءة الدينية من الكافرين جزء من أصل عمل القلب الذي لا يثبت عقد الإسلام إلا باستيفائه وهو ما ركز عليه القرآن الكريم في آيات عدة لتربية وعي المسلم بحقيقة أعدائه وحقيقة المعركة التي يخوضها معهم ويخوضونها معه وخلص الواعي من عرضه إلى أن الباعث إلى الموالاة في رأي معظم المفسرين والفقهاء هو المرجع الأول في تكييفها وبيان درجتها من المخالفة، فإن كانت الموالاة بمعنى المودة وكانت مودة المسلم للكافر بسبب معصيته كان ذلك كالرضا بالمعصية، وإن كانت الموالاة فسقًا فسق الموالي وإن كانت كفرًا كفر.
أما إذا كانت الموالاة لا توجب كفرًا ولا فسقًا لم يكفر الموالي ولم يفسق كأن تكون بمعنى المحالفة أو المناصرة على أمر مباح مثل المعاملة أو المشاركة في إصلاح أمور الدنيا من تجارة وغير ذلك، إذا كان هذا لا يضر المسلمين، بل ينفعهم، وأشار د. الواعي في نهاية بحثه لأهمية الالتفات إلى أن المسلمين ليسوا عنصرًا غريبًا على أي مجتمع لكنهم عنصر مؤثر قادر على التكيف والعطاء للمجتمعات التي يعيشون فيها بالإسلام القادر على إحياء الدنيا وإنقاذ البشرية.
وعن العلاقة بين المسلمين والغرب من الجانب السياسي تحدث د. علي جريشة - المدير الأسبق للمركز الإسلامي في ميونيخ، فأوضح أنه لا يمانع في الحوار مع الغرب شرط أن ينطلق المسلمون في هذا الحوار من مرتكزات عقدية مهمة وهي: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة :120) ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ (البقرة: 109)، وأن يستحضروا البعد التاريخي ليلازم البعد القرآني حتى لا يكونوا سنجاً في الحوار، فالغرب الذي يدعو اليوم للحوار هو من دخلت جيوشه الصليبية القدس قبل ۸۰۰ عام وذبحوا ۷۰ ألف مسلم فيها في يوم واحد وخاضوا في دمائهم، ولما فشلت غزواتهم العسكرية المتتالية في إخضاع العالم الإسلامي، وبعثاتهم التنصيرية في إخراج المسلمين من دينهم جاؤوا في صورة جديدة بالعلمانية والماسونية التي لها أعضاء بارزون ونافذون في العالم العربي، وهم يسعون لتنفيذ مخططهم الكبير للسيطرة الذي تعد العولمة جزءًا منه.
وأشار د. جريشة إلى أن المخططات الغربية السابقة والحالية والمستقبلية ضد الإسلام معروفة بتفاصيلها الدقيقة لدى كبار رجال الكنيسة، أما المواطن الغربي العادي فليس لديه خلفية عن هذه الأمور.
وقد شهد المؤتمر ثلاث ندوات مختلفة، كانت أولاها فقهية أجاب فيها د. يوسف القرضاوي عن عدد كبير من الأسئلة دار معظمها حول واقع المسلمين في الغرب.
وفي الندوة الثانية تحدث د. أبو الخير بريغش نائب رئيس اتحاد الجاليات الإسلامية في إيطاليا، ود نادية الراشدي رئيسة الجمعية الثقافية للنساء المسلمات في سويسرا عن واقع الحوار في هذه البلاد، وكيفية قيام المسلمين فيه بدورهم المأمول، كما تحدث د. أحمد الخليفة الأمين العام للجماعة الإسلامية المنظمة للمؤتمر، فأوضح أن الحوار على أرض المانيا هو المستقبل الواعد للإسلام اليوم وغداً لأن شرائح المجتمع الألماني أصبح لديها شوق للتعرف على الإسلام والمدارس والجامعات.
أما الكنائس فهي في مقدمة الساعين إلى الحوار الذي سيأخذ أبعاداً أكبر مع حصول ٢٠ الف تركي في ميونيخ على الجنسية الألمانية بداية العام القادم، وبين الخليفة أن الحوار يؤدي في الغالب إلى إيجابيات أو تيسير خدمات مختلفة للمسلمين.
وضمن الأصداء التي أثارها الملف الذي نشرته الروك مؤخرًا حول الحرب على الإسلام في تونس خصص المؤتمر ندوته الثالثة لمناقشة هذا الموضوع حيث عرض الشيخ محمد الزمزمي الجوانب من صور الحرب الشاملة على الإسلام في تونس.
وفي الندوة الأخيرة التي كانت أشبه بالمناظرة عرض مرصاد نيتشش عضو الجمعية الإسلامية البوسنية وأحمد تيلمان مدير مؤسسة دار السلام الألمانية للنشر جانبًا من المشكلات التي يعاني منها المسلمون في ولاية بافاريا كنموذج لما يعاني منه المسلمون في ألمانيا مثل عدم وجود مذبح شرعي، وانعدام فرص العمل للمحجبات وصعوبة الصلاة في أماكن العمل.
وتدريس الإسلام في المدارس، وإنشاء مصلى في مطار ميونيخ، ومشكلة سرقة الأعضاء البشرية من الموتى المسلمين خلال إجراءات الدفن التي تقوم بها السلطات الألمانية المختصة، وفي رده على هذه المطالب قال د. فورلاند مسؤول الاتصال الإسلامي بالكنيسة البروتستانتية: إنه على الرغم من وجود تطور في الحوار خلال العشرين عاماً الأخيرة، إلا أن المجتمع الألماني مازال يعتبر المسلمين غرباء عنه دينيًا، ومن ناحية العادات والتقاليد، وهو ما يعاني منه النصارى الحقيقيون حسبما قال الذين يشعرون أنهم أقلية داخل المجتمع الألماني الذي يتزايد فيه أعداد الملحدين والخارجين على الكنيسة.
وعلى الرغم من اعتراف المسؤول الكنسي بالتباين الكبير بين نظرة المسلمين والنصارى وتصورهم لعيسى ابن مريم عليه السلام، إلا أنه أشار لوجود كثير من القواسم المشتركة، وأعلن اعتزام كنيسته إصدار منشور من ٥٠ صفحة يدعو لتفعيل الحوار مع المسلمين ومناقشة القضايا المتعلقة بهم في المجتمع الألماني.