العنوان المسؤولون عن المذابح في البوسنة والهرسك (1 من 2)
الكاتب أيوب خان أمية
تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1994
مشاهدات 66
نشر في العدد 1129
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 13-ديسمبر-1994
- عمدة بلجراد السابق: العالم لن ينسى أننا قمنا بتدمير مدننا ونحن الصرب سوف يذكرنا الآخرون كناهبين ومدمري مدن وبرابرة.
- يتم الإعداد لحشر المسلمين في البوسنة في جيوب أرضية تعطي الصرب حرية أكبر لإحكام السيطرة والحصار تحت بصر الأمم المتحدة.
إن المأساة الجارية في البوسنة والتي تعالج على مستوى القشور أشبه ما تكون بمذبحة يومية لأطفالنا الذين يعيشون في أطراف مدننا الأقل أهمية، وإن جملة من الأخبار السيئة للغاية والنابعة من مناخ لا نحيط بتفاصيله ولكنها تلفت انتباهنا وتصيبنا بالإحباط لأننا لا نفهم بوضوح لماذا يحدث هذا، وعلى الرغم من ذلك فإن من المهم أن نحاول فهم أبعاد هذه المأساة ونتساءل كيف تأتي لقادة حضارتنا الغربية وعلى وجه التحديد قادة أوروبا والولايات المتحدة أن يسمحوا للمرة الثانية في خلال هذا القرن بالدمار الثقافي والمادي لمجموعة بشرية في أوروبا لتصبح هدفًا للتدمير بسبب معتقدهم الديني.
إن هذه المسالة يجب ألا ينظر إليها كحرب صليبية أخرى بين المسلمين والمسيحيين، وهي الدعاية التي يريد «سلوبودان ميلوسوفيتش» وأشباهه الترويج لها، وذلك بالقول بإنهم يعملون على تنقية أوروبا من الأصوليين الإسلاميين المتطرفين وفي واقع الأمر فإن هذا العدوان المشوب بالأطماع القومية الجارفة للسياسة الصربية يستعمل الدين من أجل الحصول على تأييد الشعب الصربي والعالم الغربي لتدمير محاولات البوسنيين لبناء دولتهم على تقاليدهم المبنية على التنوع في وسط ينتشر فيه التعصب المسيحي.
إن مسلمي البوسنة والهرسك قد تعرضوا خلال السنوات الماضية لشتى صنوف التعذيب وسوء المعاملة من قبل غلاة المسيحيين من صرب البوسنة والذين يجدون الدعم والتأييد القويين من القوات اليوغسلافية الخاضعة لإمرة قادتهم من أمثال ميلوسوفيتش وكارانيتش وحليفهم فوجيسلاف سيسيلج زعيم الحزب الصربي الراديكالي الفاشي الجديد، وفي خلال فترة قصيرة من إعلان الاستقلال واعتراف المجموعة الأوروبية بهم في عام 1992، قام الصرب بعدوانهم العسكري المخطط والمنظم ضد مسلمي البوسنة العزل من السلاح، وتقول التقديرات المحافظة إن حوالي مليون ونصف مليون لاجئ قد أرغموا على ترك منازلهم، وحوالي 300,000 قد قتلوا ومن بينهم 100,000 من النساء والأطفال، وتعرض حوالي 50,000 من النساء المسلمات والصبايا الصغيرات التي تصل أعمارهن إلى السادسة والثامنة للاغتصاب، وقد رصد تقريران على الأقل من تقارير الأمم المتحدة بعضًا من تلك الأعمال البربرية، إن سراييفو، عاصمة البوسنة، والمدينة التي اشتهرت بجمالها ذات يوم، والتي عاش في كنفها المسلمون من أصل سلافوني وإليري مختلط، والمسيحيون الأرثوذكس الصرب المنحدرين من أصل سلافوني، والمسيحيون الكاثوليك من الكروات المنحدرين من أصل سلافوني في سلام ووئام لعدة قرون، تتعرض هذه المدينة إلى التدمير المستمر بواسطة القصف المدفعي ويعرض أهلها للقتل يوميًا من قبل القوميين المتعصبين من الصرب بقيادة سلوبودان ميلوسوفيتش.
إن عمليات القتل الكثيرة والمستمرة بلا هوادة، والاغتصاب المشين وطرد الناس من بيوتهم لم يتم تسليط الضوء عليها بما فيه الكفاية لطغيان تسليط الضوء على التطهير العرقي.
إن المذابح حقيقة تغطي على الدمار البشري والثقافي للبوسنة والهرسك في سيراييفو فقد تم تدمير المكتبة الوطنية للبوسنة بواسطة قنابل حارقة أطلقت عليها عمدًا، واحترق تبعًا لذلك أكثر من مليون ونصف كتاب و155,000 وثيقة ومخطوطة نادرة في عملية إبادة استمرت لمدة ثلاثة أيام.
شهادات على جرائم الصرب
كتب «بوجدان بوجدانوفيتش» وهو عمدة سابق لمدينة بلغراد: «إنني لا أفهم لماذا تجعل الإستراتيجية العسكرية تدمير المدن هدفًا أساسيًا إن لم يكن ذلك هو هدفها الرئيسي والأول، كما أن العالم - المتحضر إن عاجلًا أو أجلًا - سوف يهز أكتافه تعبيرًا عن امتعاضه على مجازرنا الوحشية، وهل يملك رد فعل آخر غير ذلك؟ ولكن العالم المتحضر لن ينسى كيف إننا قمنا بتدمير مدننا، وإننا نحن الصرب سوف يذكرنا الآخرون كناهبين ومدمري مدن، أو يشبهوننا بقبائل الهون البربرية، وإن ضرية دويديفنيك والتي أرتجف عند ذكرها - ولكن يجب على ذكرها - كانت ضرية مقصودة ومخططة وموجهة ضد شيء غير عادي وكان يعتبر أنموذجًا للجمال، لقد كانت كهجمة رجل مجنون يقذف أحماضًا حارقة على وجه امرأة جميلة ثم يعدها بوجه آخر جميل في المقابل».
إن أوسيجيك وفوكوفار وزادار مدن جميلة وعظيمة تم تدميرها وموستار وسراييفو تواجهان مصيرًا مماثلًا، ويؤكد بوجد انوفيتش بأن هذه المذبحة الثقافية ليست من فعل إنسان هائج وفاقد للوعي ويشير إلى المخطط الصربي الذي يقول بإن إعادة بناء فوكوفار المدمرة ستكون على طراز صربي بيزنطي وهو أمر ليس له وجود، بل ويعتبر تزييفًا معماريًا، ويقارن بوجد انوفيتش ذلك بالتزييف المعماري الذي حدث بعد تدمير مدينة وارسو القديمة ببناء وارسو الجديدة والضخمة على أنقاضها.
ومن الخطل تبسيط ما فعله المسيحيون الصرب وما يفعلونه حتى الآن ضد مسلمي البوسنة واعتباره نتاج أحقاد عرقية بلقانية الطابع، ويقول ميشا جليني في مؤلفه الرائع بعنوان «انهيار يوغسلافيا: الحرب البلقانية الثالثة» بأن الخطوات الأولى لتلك المذبحة بدأت في الحرب الأهلية في عام 1991 بين الصرب والكروات، وإن تلك الحرب لم يكن وراءها الحقد العنصري أو الخلافات التاريخية، ولقد اندلعت تلك الحرب بسبب خلافات أيديولوجية وقومية بين قادة الصرب والكروات وتطورت الخلافات بفعل الحملات الدعائية المضادة والملفقة، مثل الادعاء بأن الطرف المناوئ «قتلة» بينما هم ضحايا أبرياء، ومن أمثلة الادعاءات الصربية المساواة بين نظام بافيل الفاشي أثناء الحرب العالمية الثانية والتعصب القومي الكرواتي، فعندما تدخلت ألمانيا بطلب من حليفها الكرواتي أثناء الحرب العالمية الثانية، كان الأوروبيون والولايات المتحدة يسعون ويعملون من خلال الأمم المتحدة بجدية لإيقاف تلك الحرب الأهلية المفتعلة بين الصرب والكروات، ثم حول قادة الصرب أنظارهم نحو البوسنة وبدأوا يمارسون حملات دعائية مماثلة، وأخذوا يحرضون صرب البوسنة ويوغسلافيا ويحرشونهم لشن هجمات ضد المسلمين والذين تم تصنيفهم على أساس أنهم «أتراك وأصوليون إسلاميون» وذلك على الرغم من أنهم ليسوا من أصول تركية، وأدعى الصرب أن المسلمين ينوون إقامة تحالف مع العالم الإسلامي لإعادة غزو البلقان وقتل الصرب كما فعلوا من قبل في عام 1389 في معركة كوسوفو، حيث فقد زهرة شباب الأرستقراطية الصربية حياتهم خلالها، كما إن هذه الإستراتيجية الصربية المنافية للأخلاق تماثل تلك الدعاية النازية المعادية للسامية والتي قادت مباشرة إلى تطبيق برنامجها لإيجاد «الحل النهائي لمشكلة اليهود» في أوروبا، ومن هذا المنطلق فإن ما فعله بعض الصرب ليس أمرًا واقعيًا وحقيقيًا.
الأصول العرقية لشعوب البلقان
وكتب مايكل ايجناتيف مؤخرًا قائلًا: «إن مأساة شعوب البلقان لا تنبع فقط من الأخطاء الناتجة من مناطقهم، ولكنها أيضًا تنبع من حنينهم الدائم لأن يصبحوا أوروبيين طيبين، وذلك بأن يستوردوا من الغرب أكثر الموضات والصرعات الأيديولوجية فتكًا، ولقد أكدت هذه الصرعات الغربية أنها مدمرة وفاتكة بالنسبة للبلقان، وذلك لأن فكرة حق تقرير المصير يمكن تطبيقها فقط من خلال تدمير حقائق التنوع العرقي للبلقان تحت شعار الحلم العنيف وهو تحقيق النقاء العنصري»، وهذا الكلام صحيح تقريبًا، ولكنني أود أن أضيف بأن القبول بالتعددية العرقية والتسامح الديني قد أخذ به وتم تطبيقه في الأصل في البوسنة ولكنه مرفوض الآن تمامًا من قبل الصرب والكروات، إضافة إلى أن الاختلافات العرقية ليست هي وحدها السبب وراء المشاكل، وإن التعصب القوي في منطقة البلقان كان ولا يزال يتم ربطه أساسًا بالدين والأساطير القومية، وهكذا فإن الكروات هم الكروات بسبب كاثوليكيتهم وارتباطهم الطويل والمتين بالإمبراطورية المجرية - النمساوية والألمانية، ويوصف الصرب بتاريخهم الوطني وبولائهم المسيحي الأرثوذكسي، وليس بانتمائهم العرقي والذي يرتبط بنفس الانتماء العرقي للكروات، والمجموعتان تنتميان للشعوب السلوفانية حيث انحدر أصل الكروات من سلالة شروباتي المهاجرة من أوكرانيا، بينما هاجر الصرب من جاليسيا وشواطئ البحر الأسود، واستوطنت المجموعتان في منطقة البلقان في القرن السابع، وتتحدث المجموعتان الصربية والكرواتية لغة خليطة من الصرب والكروات بقليل من الاختلافات، والكروات بصفتهم كاثوليك يصنفون أنفسهم مع غرب أوروبا والإرث الإمبريالي المجري النمساوي، بينما يربط الصرب أنفسهم بوصفهم مسيحيين أرثوذكس بالإمبراطورية البيزنطية وشرق أوروبا ويذكرون بكثير من المرارة خضوعهم للإمبراطورية العثمانية لمدة 345 عامًا، أما مسلمو البوسنة، وعلى النقيض من الدعاية الصربية فهم ليسوا أتراكًا، ولديهم تاريخ مختلف، ولقد كانت البوسنة والهرسك جزءًا من إيليريا القديمة والتي قطنتها قبائل من أصول أوروبية - هندية كانت موجودة في هذه المنطقة لعدة قرون قبل قيام القبائل السلوفانية بغزوها في القرن السابع، وقد خسرت هذه القبائل وكسبت حروبًا ضد الغزاة الإغريق والرومان.
وفي عهد الحكم الروماني كانت البوسنة جزءًا من إقليم إيليركوم واعتنقت المذهب الكاثوليكي في وقت مبكر وأسسوا لأنفسهم كيانًا سياسيًا مستقلًا في القرن العاشر ويسبب الهجرات السلوفانية والتزاوج مع الليريين اختفت الفوارق الإثنية، أما الفوارق الدينية بالنسبة للبوسنيين فقد ظهرت في النصف الثاني من القرن الثاني عشر مع انتشار الدعوة البوجوميلية، وهي حركة دينية مسيحية مارقة قادها قس يدعي بوجوميل وكان يجمع في دعوته بين الديانة المسيحية ومعتقدات دينية شرقية، وقد أعلن البابا، هونوريوس الثالث تكفير بوجوميل وأتباعه وأمر بشن حرب صليبية ضدهم، ولكن الدعوة إلى قتالهم لم تفلح في القضاء عليهم، حتى أن أعتى أعداء حركة البوجوميلية اعترفوا لهذه الحركة بقوة إيمان أتباعها، ومع انتشار المذهب البوجوميلي نحو الغرب قاومهم القائد الصربي ستيفان نيمانيا، ولكن مقاومته لم تحدث تأثيرًا كبيرًا على هذه الحركة، وكان أهم توسع لهذه الحركة في البوسنة حيث أطلق عليها اسم العقيدة البوسنية حيث أعتنقها القادة والنبلاء في المنطقة، وبعد الفتح التركي للبلقان في القرن الخامس عشر تحول معظم البوجوميليون إلى اعتناق الدين الإسلامي حيث فضلوه على المذهب الكاثوليكي، وربما كان سبب ذلك أن معتقداتهم السابقة كانت أقرب إلى معتقدات المسلمين الأتراك.
وهكذا نجد أن المجموعات الدينية المتمايزة من الكروات الكاثوليك والصرب الأرثوذكس ومسلمي البوسنة قد خلقت كيانات منفصلة وقائمة بذاتها بحلول القرن الخامس عشر، وقام الأتراك بالاستيلاء على صربيا في عام 1389 وعلى البوسنة في عام 1463 وعلى كرواتيا في عام 1526، وبدأت بعض الفوارق المميزة تأخذ شكلها منذ القرن الحادي عشر.
وبين عامي 1058 و1075 كانت المملكة الكرواتية تحت قيادة ملكها بيتر كريسمير قد بلغت أوج عظمتها، وتوفى آخر ملوك كرواتيا وهو الملك سفاجيتش في عام 1097 وهو يدافع عن مدينة دالماتيا ضد غزو الملك المجري كألمان والذي أقسم أن يجعل المجر وكرواتيا مملكتين منفصلتين تحت عرش القديس ستيفان.
وكانت البوسنة في الجزء الوحيد التابع لكرواتيا والذي رفضت الإذعان للحكم المجري - وفي عهد كوترومان أصبحت البوسنة مملكة مستقلة ما بين عامي 1353 و 1391 وبعد قرن أو يزيد من الاستقلال قام الأتراك بغزو البوسنة في 1463 وتم تدمير الجيش الكرواتي في معركة موهاكس في عام 1526، وأصبحت منطقة کارايينا الكرواتية منطقة عسكرية متقدمة للإمبراطورية الرومانية يقيم فيها عدد من الألمان والمجريين والصرب، وبدأت الحركة القومية الصربية تتألق في عام 1159 عندما أصبح ستيفان نيمانيا القائد الأعظم لجميع الصرب، وضمت المناطق الخاضعة لسيطرته كل المناطق التي يعيش فيها الصرب باستثناء البوسنة التي هاجمها ولكنه فشل في الاستيلاء عليها، وقامت سلالة نيمانيا بتأسيس المملكة الصربية وحكمت طيلة 200 عام، وبين عامي 1331 و 1355 وبقيادة ستيفان دوشان قام الصرب باكتساح ألبانيا وإيبيروس وذيساليي ومقدونيا من اليونان، وفي عام 1345 نصب دوشان نفسه إمبراطورا على صربيا واليونان، وقام أحد المقربين من ابنه أوروش بمحاولة لإنشاء رابطة مسيحية ضد الأتراك وتسبب بذلك في قيام الأتراك بهجوم على بلغاريا وصربيا في عام 1384، وبعد خمسة أعوام وفي معركة كوسوفو انهزمت جيوش بلغاريا والصرب، وفي هذه المعركة قتل لازار آخر قياصرة صربيا وقتل معه الإمبراطور التركي مراد الأول، وبين عامي 1463 و 1482 أصبحت البوسنة والهرسك إقليمًا تابعًا لتركيا وأصبحت كبقية الأراضي البلقانية خاضعة للحكم العثماني لأكثر من ثلاثة قرون.
وطور البوسنيون الذين تحولوا من البوجوميلية إلى الإسلام مثلهم وتقاليدهم بصورة تفوقت على نزعاتهم القومية، وقد وصف هذه التقاليد ميرودراج بيركوفيتش وهو مسؤول سابق في كنيسة القديس سافا الأرثوذكسية للصرب في لندن بأنها «تقاليد ذات طابع قومي»، ولعل أدق وصف لذلك هو ما ذكره أرثر هیرتزبيرج من أنها نزعة «لدى أناس يريدون أن يوضحوا للآخرين بأنهم ذوو ولاء تام لانتمائهم العرقي والوطني».
واستمر النفوذ التركي في البلقان بقوة حتى القرن التاسع عشر عندما قاد ميلوس الصربي الثورة الثانية ضد الحكم العثماني، ولكن خسر معركته ولقب ميلوس بلقب «الرئيس الأكبر للصرب» تحت إمرة سلطان تركيا، وذلك بعد مقتل منافسه الرئيسي كاراجورجي قائد الانتفاضة الصربية الأولى ومؤسس أول مجلس شيوخ للصرب في بلغراد، وبعد عام 1862 أخذت السيطرة التركية على البلقان تضعف، وفي أعقاب الحرب التركية - الروسية في عامي 1877 و 1878 تم وضع البوسنة والهرسك تحت إشراف الإمبراطورية النمساوية المجرية، خلال أعوام 1892 و 1903 أيد بنجامين كالي الحاكم اليهودي للبوسنة والهرسك والذي عرف بذكائه الشديد رغبات ومطامح البوسنيين من أجل إقامة «إجماع بوسني» يكون قادرًا على صد الأطماع الصربية الرامية إلى السيطرة على البوسنة، وقام بنجامين كالي ببناء شبكة من الطرق والخدمات العامة ونظام بيروقراطي خال من الفساد، وساد حكم القانون وازدهرت التجارة والصناعة في عهده، وفي عام 1908 تم ضم البوسنة والهرسك رسميًا إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية.
السبب الحقيقي للمشاكل في البلقان
وعلى النقيض من المفهوم الخاطئ والذي تم ترويجه من خلال التقارير الصحفية المغرضة والمضللة حول مشاكل البلقان الحالية فإنه ليس صحيحًا القول بإن الأطراف المختلفة حاليًا تتقاتل فيما بينها، وفي استعراض راق لما تناولته الكتب والمقالات عن «مأساة البلقان» يشير مايكا إيجناتيف إلى أن التاريخ يشير بوضوح إلى «كيف أن الأطراف المختلفة قد عزلت بعيدة عن بعضها البعض في الماضي في إمبراطوريات وممالك مختلفة»، وأن القتل بين هذه الأطراف قد بدأ فقط في عام 1928 مع قيام الصرب باغتيال السياسيين الكروات داخل البرلمان في بلغراد، وقد أدى ذلك إلى إشعال الصراعات العرقية أثناء الحرب العالمية الثانية، وبالنسبة للمذابح الأخيرة فقد بدأ القوميون الصرب في إقناع جيرانهم وأصدقائهم الذين يعيشون في سلام مع بعضهم البعض بأنهم في واقع الأمر كانوا يقومون بتصفية بعضهم البعض منذ زمن طويل، حتى الإبادة الجماعية لم تكن أمرًا محليًا مألوفًا، ولكنها قدمت إليهم من الإرث الأوروبي الغربي الكبير.
إن نظام انتي بافيلشيك في كرواتيا أثناء الحرب العالمية الثانية والذي اعتبره الصرب خطأ الوجه الحقيقي للقومية الكرواتية لم يكن ليصمد في السلطة يومًا واحدًا لولا الدعم العسكري الذي لقيه من السلطة الفاشية في ألمانيا، وهكذا فإن تقاليد أوروبا الغربية في الوحشية ضد الشعوب الصغيرة قد تجلت بوضوح في القرن العشرين باستمرار فاشية موسوليني ونازية هتلر بصورة شرسة ضد مسلمي البوسنة والهرسك، حيث إن المسلمين قد وصفوا بأنهم «العنصر الأقل» والذي يجب أن يباد أو يطرد من أجل الحفاظ على النقاء العنصري للمعتدين.
دعم الغرب للصرب
إن أكثر الظواهر المثيرة للدهشة والاستغراب في المأساة الحالية للبوسنيين هو غياب الإجراء القوي والحازم من قبل قادة أوروبا والولايات المتحدة، ولقد أعربت هذه الدول مرارًا عن عدم رضائها عن المذابح الجماعية ضد المدنيين الأبرياء، واستمرت في إصدار القرارات الدولية التي لا أسنان لها وليس لها تأثير أو قوة في إيقاف العدوان الصربي، وبدرجة أقل العدوان الكرواتي، ولم تحقق تلك القرارات أي شيء يذكر لصالح المسلمين، وكل ما نراه في نهاية كل يوم هو تعرض المزيد من الأبرياء للقتل والاغتصاب أو أن يصبحوا لاجئين، ونرى الآن خطة مثيرة للسخرية يتم تنفيذها من أجل حشر مسلمي البوسنة في جيوب أرضية أخذة في التقلص وتقوم قوات الأمم المتحدة وحدها فقط بحماية تلك الجيوب، وهذه الخطة تعطي الصرب حرية أكبر لإحكام سيطرتهم وحصارهم على مسلمي البوسنة واستمرارهم في القصف المدفعي للمدنيين البوسنيين الأبرياء من فوق رؤوس قوات الأمم المتحدة السلبية والعاجزة، وكان آخر حادث من هذا النوع هو مقتل 15 من الأولاد الصغار والرجال الذين كانوا يلعبون كرة القدم في سراييفو في يوم كان يصادف ذكرى مناسبة دينية هامة ومقدسة بالنسبة لليهود والمسيحيين والمسلمين على السواء.
يبدو أن اختيار أكثر الوسائل الحضارية لاسترضاء الصرب قد أصبح الآن السياسة المفضلة لدى القادة الغربيين، وتقول باربرا توشمان في آخر كتاب لها بعنوان: «زحف الغبي» (March of Folly: from troy to Vietnam) عن قادة ينتهجون سياسات خاطئة: «إن الإصرار على الخطأ هو لب المشكلة»، والذين يمارسون السياسات الحكومية يواصلون سيرهم في الطريق الخطأ وكأنهم في رحلة صيد، والحكام سوف يبررون قرار سيئ أو خاطئ، كما قال مؤرخ وسياسي من قبل عن جون كينيدي إنه: «لم يكن أمامه خيار آخر ولا يهم إن كان هناك بديلان متساويان، إن هناك دائمًا حرية الاختيار لتغيير موقف ما أو التوقف عن السير في اتجاه ما وذلك إذا كان صانع القرار السياسي يملك الشجاعة الكافية لممارسة ذلك الحق».
ويبدو أن معظم زعماء العالم خاصة زعماء أوروبا وروسيا والولايات المتحدة قد اتفقوا جميعًا على أن يكونوا ضمن الفئة التي وصفها الجنرال إيزنهاور في يومياته، ففي معرض الحديث والنقاش حول حاجة القادة إلى خلق ولايات متحدة أوروبية لضمان أمنها، ينفي ايزنهاور إمكانية حدوث ذلك نهائيًا لأن كل واحد منهم حذر للغاية، وكسول للغاية، وطموح للغاية «شخصيًا».
كيف حدث لمثل هذا الغياب الجماعي للشجاعة الأخلاقية، وهذا الإدمان للسياسة اللا أخلاقية أن ينجح في تلويث إرادة الكثيرين من كبار المثقفين والعقلاء من قادة العالم الأول؟ لقد وصفت باربارا توشمان تلك العدوى الأخلاقية على أنها سعي غير مبرر «لخطأ يعقبه خطأ بصورة ثابتة»، وتحليلها لكيف يحدث ذلك هو أن المنطق تتغلب عليه العواطف الإنسانية الجارفة وغير المنطقية، مثل «الطموح، والقلق، والبحث عن السلطة والشهرة، وحفظ ماء الوجه، والأوهام، والادعاءات الكاذبة، والأحقاد العمياء» والخصلة الأخيرة في تقديري هي أهمها لتفسير سعينا المضني لتغيير سياسة بلا أسنان لاحتواء العنف في البوسنة، وهي السياسة التي تم تفنيدها تمامًا بحقائق التاريخ والتي تثبت أن المعتدين لا يوقفون اعتداءاتهم إلا عندما يجبرون على ذلك أو عندما يحققون أهدافهم.
إن هذا التحليل والتشخيص من قبل مؤرخ يستثنى عاملًا رئيسيًا له أثره الكبير على تلك المشاعر الإنسانية، بل ويستفيد منها استفادة كاملة، وهذا العامل هو الوعي بالذات ودور الوازع الأخلاقي للزعماء الذين ينجحون في التأثير على العواطف الإنسانية، من رجال مثل ميلوسوفيتش وكراديتش وسيسيلج من الصرب ومآتي بوبان من كرواتيا، إن أولئك الرجال مثل هتلر، أذكياء ودهاة ولا أخلاقيين، إنهم مصرون على تدمير الشخصية المميزة للبوسنة والهرسك.. وهم لا يريدون قيام ونجاح دولة شعبها من أصل سلافي، ولكن من دين مختلف، مثلًا اكتسب اليهود والمسيحيون والمسلمون القدرة على التعايش في سلام مع بعضهم البعض، حقيقة أن الأغلبية 44 % منهم مسلمون هي أيضًا حقيقة رئيسية أخرى، وتدمير سراييفو بهذه الطريقة الهمجية والخالية من الرحمة يصبح أمرًا لا معنى له عندما ننظر إليها على أساس أنها أهم رمز للسلام وأنها تمثل معلمًا فريدًا من معالم التعايش السلمي، لذلك فإن المنطق كله يقول إن علينا أن لا نسمح لهذا الهدف الصربي اللا أخلاقي أن يحقق النجاح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل