العنوان عبد الله العقيل الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي لشؤون المساجد: المساجد في مناطق الأقليات الإسلامية في أزمة!
الكاتب محمد عبد الهادي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1990
مشاهدات 88
نشر في العدد 963
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 17-أبريل-1990
• بعض
المساجد في أنحاء العالم الإسلامي أصبحت سوقًا رائجة للنفاق ومدح الحاكم الظالم.
• المجلس
الأعلى العالمي للمساجد يقيم المجالس القارية والمجالس المحلية التي يتم تشكيلها
من الأئمة والعلماء.
• الدعوة
إلى الله عز وجل يجب أن توجه إلى كافة الناس سواء داخل المسجد أو خارجه.
• رسالة
المسجد في معظم الأقطار الإسلامية قصرت عن أداء رسالتها.
الأستاذ عبدالله العقيل الأمين العام
المساعد لرابطة العالم الإسلامي، من الشخصيات الإسلامية التي لها دورها ومكانتها
وجهادها في سبيل الإسلام والمسلمين لإعلاء كلمة الله -نحسبها كذلك والله حسيبه،
ولا نزكي على الله أحدًا- قد عرفته الساحة الإسلامية عاملًا في سيبل الله منذ أمد
طويل في أماكن كثيرة منذ تخرج ف جامعة الأزهر وفي حركة دائبة وعمل مستمر من أجل
الإسلام والمسلمين.
ومن المواقع التي حظيت بجهده وجهاده
وزارة الأوقاف بالكويت؛ حيث كان مستشارًا للدعوة الإسلامية فيها.. وهو الآن في
موقعه برابطة العالم الإسلامي بالمجلس الأعلى العالمي لشؤون المساجد يواصل أداء
الأمانة التي حملها.. وقد انتهزت المجتمع فرصة التقائها به فأجرت معه هذا اللقاء
الذي يكشف للقراء الدور المهم الذي يضطلع به المجلس الأعلى العالمي لشؤون المساجد.
مهام المجلس الأعلى للمساجد
المجتمع: ما هي المهام التي يقوم
بها المجلس الأعلى للمساجد؟
المستشار العقيل: يضطلع المجلس
الأعلى العالمي للمساجد بمهام كثيرة يأتي في مقدمتها العناية بأمور المساجد في
أنحاء العالم الإسلامي وفي مقدمتها المسجد الأقصى في القدس الشريف وسائر المساجد
في فلسطين المحتلة، والمساجد في مناطق الأقليات الإسلامية في العالم، وقد بذل في
هذا السبيل قصارى الجهد وقدم الكثير من العون، واتخذ الكثير من القرارات التي من
شأنها رفع شأن هذه المساجد ودعمها وعمارتها والحفاظ عليها وصيانتها ورعايتها، بل
إنه خصص ميزانية للمسجد الأقصى والمساجد في فلسطين المحتلة، كما أنه يساهم في
إنشاء الكثير من المساجد في أنحاء العالم الإسلامي، وقدم المعونات اللازمة لها على
مدى سنين طويلة منذ إنشائه عام ١٣٩٥هـ وحتى الآن، وذلك فضل من الله ونعمه.
ومن مهام المجلس الأعلى العالمي
للمساجد أيضًا إقامة المجالس القارية والمجالس المحلية التي يتم تشكيلها من الأئمة
والعلماء والقائمين على تلك المساجد في المناطق المختلفة، فهناك المجلس القاري
لمساجد أوربا، وهناك المجلس القاري لمساجد أمريكا الشمالية وكندا، وهناك المجلس
القاري لمساجد جنوب شرق آسيا، بالإضافة إلى المساجد المحلية لمعظم أنحاء العالم،
والأمانة العامة للمجلس الأعلى العالمي بمكة المكرمة تحاول أن تمد يد العون لهذه
المجالس كي تقوم بدورها في تحقيق دور رسالة المسجد.
رسالة المسجد
المجتمع: ما أهم الجوانب التي
تشتمل عليها رسالة المسجد منذ أسسه النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة؟
المستشار العقيل: إن أول عمل قام به
الرسول صلى الله عليه وسلم هو بناء المسجد باعتباره الركيزة الأولى والمنطلق
الأساسي لبناء الأمة وتربيتها على منهج الإسلام، حيث كانت رسالة المسجد في العهد
النبوي تنتظم كل الأمور وتشمل جميع النواحي من التعليم والتدريس والإفتاء والقضاء
والذكر والدعاء وتلاوة القرآن الكريم وتعلم السنة المطهرة وتفسير القرآن وعلومه
والشورى بين المسلمين وتجهيز الجيوش وانطلاقها إلى الغزو في سبيل الله، وكان عمار
المساجد وروادها من المسلمين يشغلون أوقاتهم في المسجد بكل ما من شأنه مصلحة
الإسلام والمسلمين، ومن هنا تربى الجيل الإسلامي الأول من الصحابة الكرام في
المسجد وتخرجوا منه ليفتحوا الدنيا وينشروا الإسلام في كل مكان، فكانوا نماذج
صادقة عن الإسلام يتخلقون بأخلاق القرآن ويقتدون بالمصطفى صلى الله عليه وسلم في
كل ما يأخذون ويدعون من أمور، وبهذا تميز هذا الجيل المثالي من الصحابة بميزة
الجيل القرآني الفريد الذي استقى معينه من القرآن الكريم، ونهل من مورد السنة
المطهرة وتربى في مدرسة النبوة المحمدية وقدم للإنسانية أروع النماذج وأصدق
الأمثلة.
مهمة المسجد الآن
المجتمع: بماذا تتميز رسالة
المسجد في عصرنا هذا عما كانت عليه في العصور الأولى؟
المستشار العقيل: من المؤلم أن نقول
بأن رسالة المسجد في معظم الأقطار قد قصرت عن أداء رسالتها على الوجه المطلوب، حيث
أصبح الكثير من المساجد في بلدان المسلمين يفتح أوقات الصلاة ثم يغلق عقبها مباشرة،
ولا يستفاد منها الاستفادة الكاملة.. وهذا في الأعم الأغلب، إلا أنه بفضل الله عز
وجل مازالت بعض المساجد في بلاد المسلمين تؤدي دورها في تربية الأمة وتعليمها
وإعدادها الإعداد الصحيح لتحمل مسؤوليتها في خضم الحياة، والمؤمل -إن شاء الله
تعالى- أن تتضاعف الجهود ويكثر الاهتمام بدور المسجد وأداء رسالته في ظل هذه
الصحوة الإسلامية المباركة التي عم خيرها العالم كله، ودفعت بالآلاف من الشباب
المسلم إلى حظيرة الإسلام وحضانة المسجد ومأدبة القرآن ورياض السنة المطهرة،
فأصبحنا نرى المهندس والطبيب والمعلم والمدرس وعالم الكيمياء والفيزياء والفلك
والفضاء وغيرهم يعمرون المساجد وينهضون بتبعة الدعوة ويتحملون مسئولياتها مع
إخوانهم العلماء والدعاة والأئمة والخطباء والوعاظ والمرشدين وغيرهم من المتطوعين
والمحتسبين الذين شمروا عن ساعد الجد وانطلقوا يبلغون رسالة الإسلام في كل مكان
ويقدمون الدروس في المساجد وغيرها، وهذا مما تميزت به رسالة المسجد في عصرنا
الحاضر عما كانت عليه في العصور السابقة.
ونسأل الله تبارك وتعالى أن يكثر
سواد العاملين للإسلام وعمار المساجد وروادها ليعيدوا للمسجد دوره ويتحمل مسئوليته
ويؤدي رسالته.
الدعوة خارج المسجد
المجتمع: معظم الدعاة يمارسون
دعوتهم خارج جدران المسجد.. فهل يؤثر ذلك على روحانية المدعوين؟
المستشار العقيل: لا شكَّ أن الدعوة
إلى الله عز وجل يجب أن توجه إلى كافة الناس وأن ينتقل الدعاة إلى المدعوين في كل
مكان سواء في أماكن عملهم أو تجمعاتهم أو مساكنهم؛ لأن المطلوب من الداعية المسلم
أن يبشر بدعوة الله في كل مكان ولكل الناس، بل إن الجماهير خارج المسجد هي الأولى
بالدعوة؛ لأن رسالة الداعية هي هداية الضال وإرشاد التائه وتعليم الجاهل وتبصير
الحائر وإقالة العاثر والأخذ بيد المتردد إلى طريق الحق وجادة الصواب، وهؤلاء
جميعًا حين يشرح الله صدورهم ويهديهم سيتوجهون إلى المسجد ليتفيؤوا ظلال الروحانية
فيه؛ لأن المساجد هي بيوت الله في الأرض، والمصلون فيها هم عمارها وزوارها، وكان
حقًّا على المزور أن يكرم زائره.
والأجواء الإيمانية التي يستشعرها
المسلم في المسجد من خلال الصلاة والدعاء والذكر وتلاوة القرآن والتفكر والتدبر،
تكون خير زاد للمسلم في هذه الحياة الصاخبة الهائجة المائجة بشتى الأفكار والمذاهب
التي صرفت الإنسان عن طبيعته وفطرته وسارت به نحو التيه والضياع في شرق الأرض
وغربها.
اختلاف الطرح
المجتمع: يختلف خطباء الجمعة في
تناول المواضيع الإسلامية، فبعضهم يفضل الطرح الروحي وبعضهم الطرح السياسي وبعضهم
يعالج الرذائل، فكيف يمكن أن تكون مهمة الخطباء حتى تؤدي الرسالة المطلوبة؟
المستشار العقيل: إن تفاوت خطباء
المساجد في تناول الموضوعات وترتيب أولوياتها حسب الظرف والزمان
والحاجة والمخاطبين أمر مسلم به ولا غبار عليه، ومن هنا فإن دور خطيب الجمعة
أن يعرض حقائق الإسلام كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن
يتناول قضايا المجتمع ومشكلات الناس ويقدم الحلول الناجحة لها على ضوء التصور
الإسلامي الصحيح ووفق المنهج الإسلامي الذي يتناول كل شئون الحياة سياسية
واجتماعية وتربوية واقتصادية وتشريعية وسلوكية وعبادة وعقيدة وجهادًا ودعوة وفكرة
وثقافة وغيرها.
ولابد أن يكون تناول الخطيب لهذه
القضايا وعرضها معززًا بالدليل من الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة وما تقضي
به المصلحة وتندفع به المفسدة، وأن يلتزم أسلوب الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة
الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن وأن يبتعد عن السباب والشتائم والغمز واللمز
للأشخاص والجماعات والهيئات، وأن يسلك مسلك التلميح بدل التصريح، فهو أبلغ وأوقع،
وأن يتخذ أسلوب النصيحة دون الفضيحة، والإرشاد دون التوبيخ، والتذكير بدل التشهير،
والدعاء بالهداية بدل اللعن، وغير ذلك من الأساليب التي كان المصطفى صلى الله عليه
وسلم وصحابته الكرام والتابعون لهم بإحسان يتبعونها في خطبهم ومواعظهم وتوجيهاتهم.
المجتمع: هل تعتقد أن المسجد تبوأ
مكانته المطلوبة في عالمنا الإسلامي المعاصر؟ ولماذا؟
المستشار العقيل: إن المسجد في
عالمنا الإسلامي اليوم لما يصل بعد للاضطلاع بمسئوليته والقيام بواجباته، وثمة
تقصير واضح لأسباب عديدة بعضها من المسؤولين عن المساجد، والبعض الآخر من رواد
المسجد، والبعض الآخر من تسلط بعض الأنظمة والحكومات للحد من دور المسجد وتقييد
حريته وسلب اختصاصاته ومراقبة أنشطته والتضييق على القائمين عليه والعاملين فيه من
الأئمة والوعاظ والدعاة والمرشدين والمؤذنين والعاملين وغمط حقوقهم والنيل من
كرامتهم حتى وصل الحال ببعض وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمشاهدة أن يتخذ
نماذج العاملين في المساجد من الأئمة والخطباء والدعاة والوعاظ والمرشدين مادة
للسخرية والاستهزاء والتجريح بالكلمة البذيئة والصورة الكاريكاتيرية الساخرة
والنكتة اللاذعة، إلى غير ذلك من الأساليب التي تقلل من مكانة العاملين في المساجد
وتحقر مهنتهم ورسالتهم وأشخاصهم حتى تجرأ العوام وتطاول السوقة على مكانتهم
وكرامتهم.
المجتمع: ما اللوازم التي يجب أن
تكتمل للمسجد حتى يكون مماثلًا لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم؟
المستشار العقيل: إن الأمور التي يجب
توفيرها للمسجد حتى ينهض بدوره ويؤدي رسالته كما كانت في العهد النبوي ترتبط
بجوانب شتى؛ حيث إن الأمر ليس متعلقًا بالخطيب ونوعيته، ولا بالإمام وكفاءته، ولا
بالعاملين في المسجد ومستواهم، بل إنه يتجاوز هؤلاء إلى السلطة التي تتحكم في
المسجد وتريد منه أن يخدم أهدافها ويحقق أغراضها وفق المبادئ التي تؤمن بها
والمذاهب التي تلتزمها، حتى صارت بعض المساجد في أنحاء العالم الإسلامي سوقًا
رائجة للنفاق ومدح الحاكم الظالم والإشادة بالدكتاتور المتسلط والدعوة للعلمانية
والجاهلية والعنصرية الحزبية، بل بلغ السفه والطيش ببعض المرتزقة من أزلام النظام
وسدنه الدكتاتور أن يهتفوا باسمه ويصفقوا له في المسجد حين دخوله وخروجه محاطًا
بكوكبة المنافقين من أشباه الرجال وسقط المتاع.
لذا لابد من توافر الحماية للمسجد من
أي متسلط يصرفه عن غايته ورسالته، فإن المساجد لله وحده: ﴿وَأَنَّ
الْمَسَاجِدَ لله فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ (الجن: ١٨) ولا
يصح البتة أن يتولى أمرها إلا من هم أهل لها كالعلماء الأتقياء والفقهاء الحكماء
والدعاة التقاة والمرشدين الهداة.
بهذا وحده يكون للمسجد دوره الذي
يماثل دور المسجد في العهد النبوي وينهض بمهامه على أحسن وجه.
التضييق على المساجد
المجتمع: مازالت بعض الأنظمة في
العالم الإسلامي تضيق على المساجد وأئمتها.. ويبرز ذلك جليًّا في الدول التي
تحكمها أنظمة عسكرية أو ديكتاتورية، فما السبيل لعلاج هذه المشكلة الني تحرم
الملايين من التربية المسجدية؟
المستشار العقيل: نعم، وهذا حاصل
وواقع ومعروف ومشاهد في أكثر من قطر إسلامي، وبالذات في الدول التي تحكمها الأنظمة
العسكرية الفردية الدكتاتورية؛ حيث لا يطيق المتسلطون العساكر أي نقد ولو كان
هادفًا وبناء، ولا يريدون أن يتربى المسلمون في المساجد على منهج الإسلام؛ لأن
معنى هذا هو رفض الجماهير المسلمة لهم ولأنظمتهم الدكتاتورية وقوانينهم الوضعية
وأفكارهم العلمانية التي تصطدم مع عقيده التوحيد ودين الإسلام ومشاعر المسلمين.
ومن هنا فهم يمنعون من الخطابة كل
خطيب متمكن أو داعية متبصر أو مرشد حكيم، ويستبدلونه بالمتآكلين بالدين المتهافتين
على فتات موائد الظالمين، والذين لا يجاوز القرآن حناجرهم ولا يخالط الإيمان شغاف
قلوبهم، همهم الجري خلف ركاب السلاطين وتقبيل أيدي الطغاة والهتاف مع الناعقين حيث
يصدق فيهم وصف الإمعات التي تساير أهواء الناس وإساءاتهم.
الدور الإعلامي للمسجد
المجتمع: إذا اعتبرنا أن للمسجد
دورًا أو رسالة إعلامية، فكيف يمكن للمسجد والعاملين فيه أن يؤدوا هذه الرسالة؟
المستشار العقيل: إذا سلمنا بدور
المسجد ورسالته ورفعنا كل القيود التي تحد من انطلاقه ونشاطه الإعلامي والدعوى
وأفسحنا المجال للعاملين فيه ليقولوا كلمة الحق معززة بالدليل مقيدة بضوابط الشرع
وأدب الحوار ومنهج الاختلاف، فإن النتيجة الطبيعية لذلك هي تكوين جيل مؤمن واع
ملتزم بالإسلام منهجًا وشريعة ونظام حياة وعقيدة وعبادة وسلوكًا وخلقًا.. ومن
الفرد المسلم تتكون الأسرة المسلمة ثم المجتمع المسلم، فالحكومة المسلمة التي
تستمد تشريعاتها وأنظمتها وقوانينها ومناهجها ودساتيرها من كتاب الله وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم وتسعى إلى تحرير أوطان المسلمين والوقوف إلى جانب الأقليات
الإسلامية المضطهدة في أنحاء العالم وتنشر رسالة الإسلام في العالم كله لتحرر
العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار رب السموات والأرض ومن فيهن.
المجتمع: يشعر كثير من أئمة
المساجد بالظلم من حيث قلة المكافآت المعاشية قياسًا لغيرهم من موظفي الدولة، فكيف
بمكن تعديل هذا الوضع؟ وهل يؤدي ذلك إلى رفع المستوى الدعوي في المسجد؟
المستشار العقيل: نعم.. إن هذا حق،
فأئمة المساجد والعاملون فيها هم من أشد الفئات المظلومة بالنسبة لغيرهم من موظفي
الدولة في جميع أنحاء العالم الإسلامي وللأسف الشديد، فلابد من رفع الحيف والظلم
عنهم ومساواتهم بإخوانهم الآخرين في القطاعات الأخرى، بل إن العاملين في المساجد
هم أولى الناس بالرعاية وتحسين أحواهم لما يقومون به من خدمة بيوت الله، وما
ينهضون به من واجبات الدعوة والتوجيه والوعظ والإرشاد والتعليم والتربية والإصلاح والتقويم،
فإذا لم يحصل هؤلاء على حقوقهم ويأمنوا على أرزاقهم وضرورات حياتهم، فكيف يتسنى
لهم القيام بواجباتهم وأداء مهماتهم وهم محرومون من حق الحياة الكريمة والعيشة
الهانئة، فالرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته، ولابد من إعطاء الأجير أجره قبل أن يجف
عرقه.
المجتمع: يعتقد بعض الدعاة أن
اعتماد المساجد على أموال وزارات الأوقاف لن يفي بأغراض رسالة المسجد.. فهل هناك
فكرة لإيجاد مصادر تمويلية أخرى؟
المستشار العقيل: إن وزارات الأوقاف
تتباين في مستويات إمكاناتها المالية من بلد إلى آخر، كما أن حجم الأوقاف الموقوفة
على المساجد والعاملين فيها تتفاوت أيضًا، ومن هنا نجد أن الأثر ينسحب سلبًا أو
إيجابًا حسب الإمكانات، وهذا أمر طبيعي، فضلًا عن أن بعض الدول تولي وزارات
الأوقاف اهتمامها وتوفر لها الإمكانات اللازمة، في الوقت الذي تكون فيه دول أخرى
تجعل أمر الأوقاف في آخر اهتماماتها وهكذا، بل إن ثمة أوقافًا كثيرة وقفها
المسلمون للإنفاق من ريعها على المساجد صادرتها الأنظمة الظالمة والحكام
المتسلطون، كما ضاعت الملايين من الأوقاف الإسلامية على المساجد في إقامة التماثيل
والنصب التذكارية والأصنام والمتاحف والإنفاق على الملذات والملاهي التي ترضي
الشهوات.
المجلس الأعلى ومساجد الأقليات
المجتمع: تعاني مساجد الأوقاف
المسلمة في بعض البلدان، كأوروبا الشرقية والهند وغيرها من مواقف حكومية مضادة..
فكيف يمكن لمجلسكم أن يرفع مظلمة المساجد في تلك البلدان؟
المستشار العقيل: إن المساجد في
مناطق الأقليات الإسلامية وعلى الأخص في الهند ودول أوربا الشرقية والاتحاد
السوفيتي والصين تعاني من أزمات شديدة وظروف صعبة، وبخاصة أن مئات بل ألوف المساجد
قد أغلقت في تلك البلاد وحولت عن أهدافها التي أنشئت من أجلها، وهذا يتطلب من
المجلس الأعلى العالمي للمساجد أن يؤدي دوره في رفع الظلم عن هذه المساجد وعودتها
لأداء رسالتها. ولقد أسهم المجلس الأعلى العالمي للمساجد بأكثر من دور؛ وإن كان
إسهامًا لا يحقق الطموحات ولكنه جاء بالثمار الطيبة؛ حيث تدخل لإيقاف التعدي على
مسجد بابري في الهند، كما بذل المساعي ولا زال يبذلها لدى الحكومة التركية بشأن
مسجد طوكيو، وأسهم في بناء وترميم الكثير من المساجد في الهند وتايلاند ونيبال
وأوروبا وأمريكا وكندا وأمريكا اللاتينية وأستراليا ومعظم الدول الإفريقية، وبخاصة
التي يشكل فيها المسلمون أقلية، وقد وجدنا الاستجابة لدى البعض من تلك الحكومات،
كما وجدنا التلكؤ والمماطلة من البعض الآخر والسكوت وعدم الرد من البعض الثالث.
ومع هذا فالمجلس الأعلى العالمي
للمساجد ماض في خطته وسياسته لرفع الظلم عن المساجد بكل وسيلة مستطاعة، والوقوف
إلى جانب الأقليات الإسلامية في كل مكان لتمارس أداء شعائرها الدينية في المساجد،
وقد أوضح التقرير السنوي لهذا العام الإسهامات التي قدمها صندوق المجلس الأعلى
العالمي للمساجد في دعم المساجد والمبالغ التي أنفقت عليها بصورة دقيقة جلية.
مواجهة الدعوات الهدامة في الغرب
المجتمع: هناك مراكز لأصحاب
الدعوات الهدامة في أوروبا وأمريكا.. هل لكم أن تعطونا فكرة عنها، ثم كيف تواجهون
الفكر الهدام الذي يطرحونه؟
المستشار العقيل: لا شك أن ثمة
كثيرًا من المراكز لأصحاب الدعوات الهدامة والتي تحمل شعارات إسلامية مثل:
القاديانية والأحمدية والبهائية وغيرها، فتتخذ من اسم الإسلام طريقًا لخداع
المسلمين وغير المسلمين حيث تعرض صورًا مشوهة عن الإسلام؛ بل عقائد مناقضة لعقيدة الإسلام،
محاولة بذلك صرف المسلمين عن الإسلام الصحيح والصد عن الإسلام الحقيقي لمن يقبل
على الدخول في الإسلام، موهمة إياه أن هذا الذي تعرضه هو الإسلام.
ولا شك أن هذه المراكز تحظى بالدعم
السخي والمساعدات الكبيرة من أعداء الإسلام، دولًا وجماعات وأحزابًا ومنظمات، حتى إن
تلك المراكز تنهال عليها الأموال من كل جهة وتبنى لها العمارات الفخمة وتتخذ لها
مواقع في عواصم الدول وكبريات مدنها.
ولقد أمكن المجلس الأعلى العالمي
للمساجد من خلال القرارات والتوصيات التي أصدرها والفتاوى التي أصدرتها المجامع
الفقهية الإسلامية بتكفير أصحاب هذه الملل والنحل الهدامة، بالإضافة للبرامج
والدورات والكتب والنشرات التي تكشف زيف هذه الدعوات الباطلة وتفند مقولاتها وتبطل
شبهاتها؛ حيث بانت على حقيقتها وهتك سترها وظهر زيفها، وأخذ المسلمون وغيرهم حذرهم
منها.
ونحن بفضل الله ماضون في الوقوف أمام
الأعداء نرصد حركاتهم ونبطل مكائدهم ونتصدى لانحرافاتهم، مستعينين بمنهج الإسلام
الفضيل وكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
تشجيع الشباب
المجتمع: تنتشر مجموعات من الشباب
في بعض المساجد يتدارسون كتاب الله، ماذا تقدمون لهؤلاء الشباب؟
المستشار العقيل: إننا نبارك هذا
التوجه من الشباب المسلم الذي يجتمع على كتاب الله في المساجد يتدارسونه فيما
بينهم ويحسنون تلاوته ويتقون حفظه ويتفقهون في فهم معانيه وتفسيره وعلومه، وهي
ظاهرة طيبة وصحوة إسلامية مباركة، حيث تكثر حلقات العلم من الشباب المسلم في
المساجد بجميع أنحاء العالم.
وهذا الشباب يحظى بالعناية والرعاية
من المجلس الأعلى العالمي للمساجد والمجالس القارية والمجالس المنبثقة عنه؛ حيث
تتيسر لهم المصاحف الشريفة ويهيأ لهم المدرسون من خلال إدارة القرآن الكريم
التابعة له التي لها أعداد كبيرة من مراكز ومدارس تحفيظ القرآن الكريم في المساجد،
بالإضافة إلى تزويدها بتفاسير القرآن الكريم وتراجم معانيه وتقديم المكافآت
التشجيعية لذلك. متعاونة في ذلك مع كل الجهات والمؤسسات والمراكز والمدارس
والخلاوي والمحاضر التي تعنى بتعليم وتحفيظ كتاب الله عز وجل حتى صار الإقبال من
الشباب والشابات ظاهرة ملموسة مشاهدة في معظم المساجد والمراكز الإسلامية في أنحاء
العالم.
ترشيد الصحوة
المجتمع: الصحوة الإسلامية
العارمة بحاجة إلى ترشيد فكيف يمكن للمسجد أن يساهم في ذلك؟
المستشار العقيل: إن الصحوة
الإسلامية المباركة التي تنتظم العالم الإسلامي كله هي في الصميم من اهتمامات
الدعاة والعلماء والوعاظ والمرشدين والهيئات والمؤسسات الإسلامية والمجلس الأعلى
العالمي للمساجد يوليها جل عنايته ويبذل في تيسير أمورها وترشيد مسارها كل طاقته من خلال
الدورات التدريبية ومعاهد إعداد الأئمة والدعاة والمؤتمرات والندوات والمحاضرات
التي يلقيها على مدار العام وفي معظم أنحاء العالم والتي أتت ثمارها الطيبة بحمد
الله تعالى.
ونحن نعلق الآمال الكبار على شباب
الصحوة الإسلامية الذي فقه إسلامه الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم وعرف طريقه إلى الدعوة لإبلاغ رسالة الإسلام وفق منهج الرسول بالحكمة
والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وأتقن فن الجهاد لأعداء الله من اليهود
والشيوعية والملاحدة وأعداء الدين وصاولهم في ميادين فلسطين وأفغانستان وأرتيريا
والفلبين وغيرها من بلاد المسلمين.
ونسأل الله أن يبارك في هذه الصحوة
وأن يسدد على طريق الخير مسارها، وأن يأخذ بنواصي قادتها إلى ما فيه مصلحة الإسلام
والمسلمين ورفع كلمة التوحيد وإعلاء راية الدين والتمكين للمسلمين في الأرض حتى
تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
نرحب بالنقد البناء لا المغرض
المجتمع: بعض الإعلاميين دائبون
على مهاجمة أئمة المساجد، كيف يمكن معالجة ذلك؟
المستشار العقيل: إن الهجوم على أئمة
المساجد والدعاة إلى الله من قبل بعض الإعلاميين له بواعث وأسباب كثيرة؛ بعضها
يرجع لنفس الشخص المهاجم بأن يكون جاهلًا بحقيقة الإسلام، أو عدوًّا له، أو كارهًا
لدعاته، أو ضائقًا بأحكامه، متفلتًا من أخلاقياته، وبعض الأسباب ترجع إلى بعض
الأئمة الذين لا يحسنون أداء رسالتهم على الوجه الأكمل، فيعرضون الإسلام عرضًا
ناقصًا أو مبتورًا أو بأسلوب غير حكيم أو بتشنج وانفعال وإثارة دونما عرض البديل
ومناشدة جمهور المسلمين ماذا يفعلون لدينهم وعدم الاهتمام بمقتضيات الحال ومعرفة
الزمان والمناسبة والمستوى لطرح هذا الموضوع أو ذاك.
ونحن لا نضيق بالنقد الهادف البناء
الذي يستهدف التقويم والإصلاح وزيادة الخير، ولكن الهجوم والاستعداء دونما وجه
وبأسلوب خارج عن أدب الحوار الجاد وأدب الخلاف، فهذا نرفضه ونتصدى له ونرده على
قائله لأن أئمة المساجد والدعاة إلى الله هم النماذج الحية والصورة المشرقة لهذا
الإسلام، وإذا كان ثمة أفراد منهم قد قصروا عن أداء رسالتهم أو بدت منهم هفوات أو
سقطات، فلا يصح التشهير بهم أو مهاجمتهم والسخرية منهم؛ بل إن النصيحة والكلمة
الطيبة هي الأسلوب الحكيم للعلاج، وشأنهم شأن أي فرد آخر من أصحاب المهن والوظائف
الأخرى التي لا تخلو من آحاد يشذون عن القاعدة ولا يكونون على مستوى المسئولية،
فإن علاجهم لا يكون بالتشهير والتجريح والغمز واللمز، بل بالنصيحة والتنبيه
والعلاج والتقويم والدعوة بالإسلام الحكيم.