; المسجد الأقصى في ذكرى إحراقه | مجلة المجتمع

العنوان المسجد الأقصى في ذكرى إحراقه

الكاتب أبو خالد

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أغسطس-1984

مشاهدات 68

نشر في العدد 681

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 28-أغسطس-1984

 تصادف يوم الأربعاء الماضي 21/ 8/ 1984 مرور خمسة عشر عامًا على حرق اليهود للمسجد الأقصى بالقدس، وقد مرت هذه الذكرى على المسلمين مرور «الكرام» اللهم إلا من بعض النداءات والبيانات التي صدرت عن بعض الهيئات الإسلامية التي تطالب شعوب وحكومات المسلمين بالتكاتف والوحدة والصحوة والحذر والتحرك السريع ومواجهة التحديات ومناشدة المجتمع الدولي للوقوف في وجه الاعتداءات الصهيونية المستمرة.

الوضع المتردي

ولولا الوضع المتردي للعالم العربي والإسلامي لما جرؤ اليهود على حرق المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله بل لما جرؤ اليهود على أن يقيموا لهم في قلب العالم الإسلامي كيانًا قائمًا على الاغتصاب والتوسع والعدوان. 

إن هذا التردِّي القائم في العالم العربي والإسلامي ليس نتيجة لقيام الكيان اليهودي في فلسطين ولكنه سبب له، إذ لولا هذا التردِّي لما قام الكيان اليهودي أصلًا ولما استطاع البقاء والاستمرار إلى يومنا هذا.

ولكن اليهود ومن وراءهم من الصليبيين والملحدين عملوا على حرق العقيدة في نفوس المسلمين قبل أن يحرقوا المسجد الأقصى المبارك في القدس الشريف، دفعوا بثقافتهم الهابطة وأفكارهم الخبيثة المدمرة لتندس في نفوس المسلمين فتفسدها وتفتنها في دينها قبل أن يتسللوا إلى فلسطين ليقيموا لهم فيها موطئ قدم لم يلبث أن أصبح قاعدة من قواعد الغرب الحاقد على كل ما هو إسلامي، ووجد اليهود لهم في ديار العرب والمسلمين أنصارًا «مستغربين» أو «مستشرقين» سيان، انفصلوا عن ذواتهم وخرجوا من جلودهم ورددوا من بله أو ضلالة ما أراده لهم أعداء الإسلام باسم التحلل الذي يسمونه حرية، وباسم العصبية الجاهلية التي يسمونها قومية، وباسم القهر والظلم الذي يسمونه اشتراكية، وباسم الخنوع لقلة نصرانية أو يهودية وهو ما يسمونه الوحدة الوطنية، ووجد المسلم نفسه في مواجهة المسلم يقاتله أو يقتله بعد أن فسدت العقيدة فأصاب الأمة تدهور لم تشهده في عهد الصليبين أو التتار.

تدمير النفوس أولًا

كان تدمير النفوس توطئة لتدمير المقدسات، وحتى لا تستيقظ نفوس المسلمين مرة أخرى مثلما حصل أيام صلاح الدين والظاهر بيبرس كان لا بد من حرق المسجد الأقصى على مراحل لاكتشاف ردود الفعل وكسر «الحاجز النفسي» بالتدريج وتطبيع النفوس بعد تدميرها، حرقوا المسجد الأقصى وقالوا إن السبب هو تماس كهربائي، ثم أعلنوا أن يهوديًّا مجنونًا من أصل أسترالي يسمى «مايكل دنس» قام بعملية الحرق وأنهم ألقوا القبض عليه، وما دام مجنونًا فلا تجوز محاكمته بل علاجه أي مكافأته على «بطولته».

بعد أن هدأت غضبة المسلمين التي لم تخرج عن كونها «زوبعة في فنجان» كان لا بد من خطوة أخرى فاقتحم اليهود المسجد الأقصى في أبريل عام ١٩٨٢ وتنادى المسلمون الغيارَى في الأرض المحتلة فقط للدفاع عن مسرى الرسول بصدورهم العارية إلا من الإيمان وبأيديهم العزلاء إلا من المصحف الشريف فانهال عليهم الرصاص وسقط منهم الشهداء والجرحى وهم يهتفون «الله أكبر» أما المسلمون من خارج فلسطين المحتلة فقد نسوا الله فأنساهم أنفسهم -إلا من رحم ربك- وانشغلوا بأنفسهم عن عدوهم، وظنوا أنهم بمنجى من العقاب والدمار واستنفرت قواهم لكبح جماح القلة المؤمنة التواقَّة إلى الجهاد في سبيل الله وإنقاذ مقدسات المسلمين من دنس اليهود. 

وبدلًا من أن يتنادى المسلمون في كافة أرجاء الأرض لاقتلاع الشجرة اليهودية الخبيثة من فلسطين قبل أن تضرب جذورها في الأرض المقدسة وتخيم بظلالها الكئيبة على من حولها من ديار المسلمين تنادي العرب للسلام مع دولة الغصب والعدوان وعلقت أمهم الكبرى «مصر» الجرس ومضت في الشوط وحدها بعيدًا وثارت زوبعة مفتعلة على سلوكها ثم لم يلبث الصغار أن ساروا على الطريق «طريق السلام القائم على العدل» أي سلام هذا الذي ينشدون مع يهود؟ وأي عدل هذا الذي يطلبون مع الإقرار والاعتراف بدولة الغصب والعدوان؟

وتمادى اليهود في غيهم ووجدوها فرصة سانحة لاستمرار العدوان على المقدسات، فزعموا أن الجدار العربي للمسجد الأقصى المسمى «البراق» ملك لهم فهدموا البيوت المحيطة به وأبعدوا السكان المسلمين وأخذوا يحفرون أسفل المسجد الأقصى بحجة البحث عن «هيكل سليمان» تمهيدًا لهدم المسجد وإقامة الهيكل بدلًا منه، وصرخ المسلمون صرخات خافتة ثم سكتوا وأصبح هدم المسجد الأقصى مسألة وقت...!!

والمسجد الإبراهيمي أيضًا

وانتقل اليهود إلى المسجد الإبراهيمي في الخليل فاقتحموه واستولوا على الجزء الأكبر منه وحولوه إلى كنيس يهودي وتصايح المسلمون ثم سكتوا.. ثم فجر اليهود القنابل في الجزء الباقي من المسجد ثم هاجموا الجامعة الإسلامية في الخليل وأطلقوا النار على طلبتها المسلمين فأصابوا عددًا منهم «وقيد الحادث ضد مجهول»! واعتدوا على مسجد حسن بك في يافا وحاولوا تدميره ورفضوا ترميمه وإصلاحه، وتنادى المسلمون في الأرض المحتلة لإنقاذه وإصلاحه، وحول اليهود بعض المساجد في يافا إلى أماكن لفسقهم وفجورهم إمعانًا في الاستعانة بمشاعر المسلمين. 

وحين عادت جذوة الإسلام تسري في نفوس بعض الشباب الجامعي المؤمن في غزة وبيت ساحور ونابلس هرع الصليبيون والشيوعيون والعلمانيون معًا في محاولة لإخماد هذه الجذوة، تحركهم أفكار صنعها أعداء الإسلام خصيصًا لتناسب مقاسهم وهي تحمل في ثناياها السم الزعاف.

أصوات منكرة

وتخرج أصوات من هنا وهناك تقول إن قضية فلسطين ليست قضية إسلامية بل هي قضية تحرر وطني تضم اليهود والنصارى والمسلمين كذا...!! ولست أدري ما هي الحكمة من طرح هذا القول بعد كل هذه التجارب المريرة؟ إن هذا الطرح ليس إلا تجسيدًا لواقع أيديولوجي ومنهجي فاسد وفاشل، وسواء أكان القصد منه إرضاء الصليبية الحاقدة أو الشيوعية الملحدة أو القلة المندسة في صفوف «المناضلين» أو الفئة المتخوفة من اليهود على مستقبل الكيان اليهودي في فلسطين، أم كان القصد منه التنصل من تبعة الجهاد لتحرير كامل التراب الفلسطيني أو حتى مجرد المشاركة في هذا الجهاد من قبل أولئك المصلين الصائمين، فمما لا شك فيه أن مثل هذا القول الذي كان همسًا خافتًا فأصبح صوتًا مسموعًا يدل على مدى التدهوُر الذي وصل إليه المسلمون في وقتنا الحاضر.

ولكن الله سبحانه وتعالى المطلع على بواطن الأمور وعلى ما تخفي الصدور قادر على تبديل هذا الحال بأحسن منه، ومثلما أخرج من جلباب هذه الأمة وهي في أقصى مراحل التدهور من لم شملها على كلمة التوحيد وقادها إلى النصر بإذنه وظهر أرضها من الصليبيين ثم صد التتار وهزمهم في عقيدتهم الفاسدة، قادر أيضًا على أن ينقذ أمة محمد من الهوان الذي هي فيه بعد أن يتبين لها أن لا منجى لها إلا في حبله المتين، وأن لا عزة لها إلا به وأن لا نهوج لها إلا على أصول العقيدة الصحيحة التي أنزلها رب العالمين لتكون هدى للناس ورحمة ونورًا مبينًا يهديهم إلى الصراط المستقيم. 

يقول المثل الصيني: «إن رحلة ألف ميل تبدأ بخطوة واحدة» وإن الاستمرار في درب الانحراف لا يولد إلا مزيدًا من الانحراف، وإن المسلمين الذين ينظرون إلى الخطر اليهودي المقيم في عقر دارهم والقادم إلى بقية ديارهم، إن المسلمين الذين ينظرون إلى هذا الخطر من بعيد وكأنه لا يعنيهم هم مخطئون، وأن المسلمين الذين يعتقدون في إمكان التعايش مع اليهود مع الإقرار بسيادتهم على فلسطين هم مخطئون، وأن المسلمين الذين ابتغوا العزة عند غير الله ذلوا وخابوا، ومن اعتقد منهم في إمكانية اتقاء شر اليهود بصد الذين يتهيؤون للقاء أعداء الله هم مخطئون. 

قال صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ، إن الله سيفتح بكم بلاد الشام من بعدي.. رجالهم ونساؤهم مرابطون فيها إلى يوم القيامة...»، كتب على أهل الشام أن يكونوا كذلك وليس لهم والله إلا الصبر حتى يأذن الله بالفرج يوم ترفع راية الجهاد، جهاد النفس الأمارة بالسوء والمنصاعة لوساوس الشيطان في الخروج عن منهج الله وابتغاء العزة من أعداء الله ويوم ينتصر الإنسان المسلم على نفسه يصبح مهيأ للنصر على عدوه بالقتال وليس غير القتال لغة يفهمها اليهود ومن يساندهم، لقد سبق لليهود أن عاثوا في فلسطين فسادًا فأرسل الله لهم عبادًا له أولي بأس شديد فأخرجوهم منها وها هم اليوم يعيثون فيها فسادًا وسوف ﴿يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (سورة المائدة: 54) يفتح الله عليهم ويفتح الله بهم فلسطين فليتبارى المسلمون ليكونوا هؤلاء الصفوة الأبرار.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

498

الثلاثاء 31-مارس-1970

الطَريق إلى خيَبر

نشر في العدد 236

267

الثلاثاء 11-فبراير-1975

واإسلاماه