; المسلمون بلا حقوق في حضارة المجتمع الغربي | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون بلا حقوق في حضارة المجتمع الغربي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1988

مشاهدات 63

نشر في العدد 867

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 24-مايو-1988

يؤدون الصلاة رغم العوائق والعقبات.

بعض أطفال المسلمين في الغرب في فصل دراسي.

 

عندما يعلم المرء أن 15 مليون مسلم يعيشون في أوروبا الغربية يتساءل: كيف يعيش هؤلاء وسط حضارة أوروبا الحديثة؟

وما هي الحقوق التي يتمتعون بها وسط المجتمع الأوروبي، وهم يقدمون له الخدمات من أعلى مستويات التكنيك الحديث إلى أدنى مستوى الخدمات الشعبية؟

بل كيف تتعامل حضارة الغرب الأوروبية مع الكيانات الإسلامية التي يشكل كل كيان منها عددًا لا يستهان به من الملايين في كل من فرنسا وألمانيا الغربية وغيرها؟

ثم هل تتفق حياة الجاليات الإسلامية في المجتمع الأوروبي مع الصورة التي يطرحها العلمانيون عن حياة المسلمين هناك؟

ثم هل تتكافأ الحقوق التي نالوها في مجتمع تلك الحضارة مع التضحيات الكثيرة التي يقدمها المسلمون لأوروبا؟

دأب العلمانيون في بلادنا الإسلامية في سياق حملتهم لرفض ما أسموه بالدولة «الدينية» على الاستشهاد بالنموذج الغربي، على أساس أنه النموذج المثالي الذي يحافظ على حقوق جميع الأقليات الدينية في أوروبا.. ومرادهم من ذلك– طبعًا– أن عملية المحافظة على حقوق الأقليات الدينية يصعب تحقيقها في ظل الدولة «الدينية» التي– حسب تصورهم– تثير الصراعات والفتن الطائفية، وتهضم حقوق الأقليات الأخرى... ولسنا بصدد الرد على هذه الدعاوى وتفنيدها، ولكن هذه المقالة محاولة سريعة وموجزة لنبين للقارئ حقيقة تعامل الحضارة الغربية مع الأقليات المسلمة، ومدى ما جناه المسلمون في أوروبا من مكاسب الحضارة الغربية، والتي انبهر بعض أبناء جلدتنا بها، فأرادوا نقلها– بخيرها وشرها– إلى بلادنا.

 

ردة فعل أوروبية:

 

هناك إحصائيات عديدة حول نسب الأقليات الإسلامية في أوروبا– خصوصًا– ودول العالم الأخرى– عمومًا– بعضها يتحرى الدقة، والآخر لا يلتزم بها لأسباب مختلفة، ويصل عدد المسلمين في أوروبا إلى 15 مليونًا تقريبًا، منهم حوالي 4 مليون في فرنسا، و2 مليون في بريطانيا، وقد تأثرت بعض المجتمعات الأوروبية منذ بداية هجرة الجاليات الإسلامية إليها حيث دخل الإسلام عدد لا يستهان به من الأوروبيين، وعلى سبيل المثال فقد اعتنق الدين الإسلامي خلال السنوات العشرين الأخيرة «مليون» مواطن فرنسي، الأمر الذي لفت أنظار الأوروبيين ومعهم يهود أوروبا إلى هذا العدد الهائل، مما أوجد ردة فعل أوروبية تمثلت بـ:

1.     إيقاف تجنيس المسلمين القدامى لفصلهم عن المجتمع الأوروبي في الوقت الذي استمر فيه الأوروبيون بتجنيس الآسيويين البوذيين والهنود الهندوس وغيرهم.

2.     اضطهاد المسلمين- ولا سيما العرب والأتراك- وحرمانهم من حقوق أساسية في الحياة الدينية والاجتماعية.

3.     ممارسة حملات إعلامية مكثفة لتشويه صورة المسلمين وعقائدهم.

4.     التضييق الشديد على الوافدين الجدد في مجالات العمل والتعليم...

5.     محاصرة التجمعات والجمعيات الإسلامية، ومراقبة أنشطتها، وكبح حريتها رغم نيلها لرخص قديمة.

 

العوائق الرئيسية

سنحاول– باختصار– تحديد أهم العوائق والمشكلات الرئيسية التي يواجهها المسلمون في البلاد الأوروبية، وهي مشاكل تحتاج إلى دراسات متأنية، لإيجاد حلول قريبة أو بعيدة المدى، تساهم في تحسين أحوال المسلمين هناك والرقي بهم.

الاعتراف الرسمي:

يواجه المسلمون مشكلة الاعتراف الرسمي بالدين الإسلامي من معظم الحكومات الأوروبية، باستثناء حكومتي النمسا وبلجيكا، ورغم أن الدين الإسلامي يمثل الديانة الثانية في أوروبا، فإن مشكلة الاعتراف به لا تزال قائمة.. وقد يقول قائل: ما الحاجة إلى الاعتراف الرسمي ما دام المسلمون يمارسون شعائرهم بحرية؟! والجواب على ذلك هو: أن إشكالات كثيرة تنتج عن عدم الاعتراف الرسمي، أبرزها وأهمها:

•       يواجه المسلم مشكلة الطعام الحلال؛ حيث تمتنع السلطات في بعض البلاد الأوروبية عن إقامة «مجازر» يذبح فيها اللحم الحلال، بحجة «قسوة» عملية الذبح على الحيوان!

•       الأحوال الشخصية مشكلة أخرى تواجه المسلم، إذ تمتنع المحاكم عن تنفيذ عمليات «الطلاق» التي تحدث، لعدم اقتناعها بأسباب الطلاق.

•       تتعامل السلطات الأوروبية مع الزوجة الثانية والتي يتزوجها المسلم على اعتبار أنها «عشيقة»، وبالتالي فهي لا تتمتع بحقوق وواجبات الزوجة.

•       تعارض أوقات الصلاة مع العمل أو الدراسة، فلا يسمح للمسلمين– في كثير من الأحيان– بأداء الصلاة أثناء العمل أو الدراسة.

•       مشكلة تعليم أطفال المسلمين الذين نشؤوا في أوروبا، حيث لا يعرفون شيئًا تقريبًا عن دينهم، والاعتراف الحكومي بهم يعني أن الدين الإسلامي سيصبح مادة رئيسية يتم تدريسها، وتقوم الحكومة بتوفير نفقات تدريسها.

ثانيًا- التمييز العنصري:

يواجه المسلمون– أحيانًا– اعتداءات مختلفة من بعض المنظمات ذات الطابع العنصري والفاشي، وهذه الاعتداءات غالبًا ما تكون على المساجد والمراكز الإسلامية.. ومع أن الموقف الرسمي يكون– عادة– الاستنكار والشجب، فإن بعض الحكومات تعمل وبصورة غير مباشرة– طبعًا– على تسعير موجات الإرهاب ضد المسلمين والإسلام.

ولم يقتصر الأمر على الاعتداءات المتكررة، بل إن هناك دعوات صريحة من بعض المنظمات– وخاصة في فرنسا وألمانيا– إلى طرد المسلمين، والتعامل معهم على أساس أنهم طبقة ثانية في المجتمع، رغم حصولهم على جنسية المواطنة! ولا سيما القدماء، وقد شهدت الأوساط الإسلامية ومراكزها تدخلات من قبل بعض السلطات الأوروبية، وقد برز ذلك في فرنسا جليًا بسبب دخول شخصيات فرنسية كبيرة ذات مراكز فكرية في الإسلام من أمثال «رجاء جارودي» وغيره، والذي يغيظ الحكومات الأوروبية أن هذه الشخصيات تفضح الحضارة الغربية بصوت مسموع في كل أنحاء أوروبا.

ثالثًا: الحرب الإعلامية:

ومع وجود الحرية عند وسائل الإعلام المختلفة في أوروبا؛ فإن المسلمين يعانون هناك من عدم إفساح وسائل الإعلام المجال لهم، لكي يعبروا عن معتقداتهم وآرائهم وأفكارهم، بل إن وسائل الإعلام تتسابق في إظهار المسلم في صورة «كاريكاتورية» تسيء إلى الإسلام كدين.

وفي السنوات الأخيرة، ومع تنامي الصحوة الإسلامية في البلاد العربية، أخذت الصحافة تنشر دراسات مختلفة فيها استعداء واضح على الإسلام والحركات الإسلامية.

ومن الملاحظ أن الإعلام الفرنسي استغل موجة العداء نحو العمال المسلمين للنيل من الدين الإسلامي، فصحيفة لوموند والإكسبريس وباري ماتش تفرد صفحات عديدة للتحدث عن العمال المسلمين في فرنسا، وتقول لوموند: «إن المسلمين هنا يتوزعون بين 12 تيارًا إسلاميًا مختلفًا، أكثرها أهمية الإسلام المغربي الذي يمنح الأب حق تزويج ابنته دون مشورتها وبالرغم من إرادتها».

وتصور الإكسبريس أن الإسلام الذي يدين به العمال المسلمون في فرنسا هو إسلام الفقراء، وتدعي أن هناك إسلامًا خاصًا بالأغنياء، وتقوم لوموند بعملية تحريض مكشوفة حيث تقول: «إن التخوف المتصاعد اليوم من الإسلام ليس جديدًا، إنه راسخ في الذاكرة الأوروبية منذ ما قبل العصر الاستعماري حين كانت أوروبا تتعرض للغزوات الإسلامية، واليوم يأتي إلينا الهجوم العدواني الإسلامي بشكلين: الأول اقتصادي بفضل الثروة النفطية، والثاني: عقائدي عن طريق المناضلين من المسلمين المتعصبين.

 

مشكلة التعليم الديني

إن أبناء المسلمين في أوروبا- عدا بعض المناطق الرئيسية التي وجدت فيها مدارس إسلامية- هم الآن واحدة من أبرز ضحايا الحضارة الغربية التي تأخذ ولا تعطي، والطالب في المدرسة الأوروبية الحكومية يدرس سبع ساعات يوميًا، ولا يجوز له أن يتعلم معارف الديانة الإسلامية، وإنما يجبر على تعلم الدين المسيحي، والنتيجة أن يشب الأطفال وهم يعرفون عن النصرانية أكثر مما يعرفون عن الإسلام.

وتستغل المؤسسات التنصيرية أوضاع أبناء المسلمين في أوروبا؛ فتمارس معهم أشكالًا عدة للتأثير على عقائدهم، وأبرز أشكالها هي المجالات التي يسمونها «خيرية»؛ حيث يدفعون فقراء الجاليات المسلمة للتعامل معها.

على أن الحضارة الأوروبية تقذف في وجه أبناء المسلمين من يعلمهم مبادئ البوذية، وغيرها من العقائد الضالة مثل «ديانة القمر» التي يروجها في بريطانيا من يسمون أنفسهم بأبناء القمر، حيث يلقى هؤلاء تشجيعًا من المؤسسات الرسمية للنشاط والعمل وسط أبناء المسلمين لإفساد عقيدتهم.

 

التاريخ الإسلامي المشوه

وفي مناهج التعليم الأوروبية للتاريخ العالمي توجد حصة لتاريخ المسلمين، وإذا رجعنا إلى بعض الكتب المقررة على طلبة المدارس البريطانية مثل:

1.     أديان العالم- تأليف زيرمان وميد.

2.     محمد والإمبراطورية العربية- تأليف جون دكورث.

نجد أن الطالب الأوروبي والمسلم وغيرهما في المدارس يتعلم كثيرًا من الأخطاء التاريخية التي تشوه صورة المسلمين، ففي الكتاب الأول مثلًا 40 خطأ جوهريًا، فيها أن ولادة الرسول- صلى الله عليه وسلم- كانت عام «510» م، وأن القدس هي المكان الذي اعتزم فيه إبراهيم أن يضحي بولده إسحاق، وأن الكعبة هي حجر جلبه إبراهيم- عليه السلام- إلى مكة!!

والمتتبع أخطاء الكتب التاريخية التي تعلم تاريخ الإسلام يلاحظ ما يلي:

•       تعمد الخطأ في الوقائع التاريخية الثابتة، مثل ما قرره هيرود في كتابه الذي يدرسه الطلبة من أن معارضي محمد طلبوا منه معجزة فعجز عن ذلك، وقال: معجزتي القرآن، ثم اضطهد اليهود والمسيحيين لعدم قبولهم دينه.

•       إيراد المفتريات على أنها حقائق ثابتة كتصوير كتاب أديان العالم محمد- صلى الله عليه وسلم- أنه كان في حالة عذاب عقلي يسمع أجراسًا في رأسه.

•       التلاعب بالمصطلحات، وابتداع أسماء مغلوطة كتسمية النبي- صلى الله عليه وسلم- «بقوطان» على أنه اسمه قبل البعثة.

•       تشجيع الانحراف العقيدي والفكري يدعو التجديد والتحديث كالدعوة للبحث عن طرق أخرى للصلاة.

 

محاربة المساجد

عندما تصاعدت حركة بناء المساجد في أوروبا وقفت منها معظم السلطات الأوروبية موقفًا عدائيًا.. ومعروف أنه يوجد الآن على سبيل المثال في هولندا 200 مسجد، وفي فرنسا 415 مسجدًا، لكن حضارة الغرب العلمانية- التي تتبجح بالديمقراطية وبحرية المعتقد وإقامة الشعائر الدينية- تمتعض عندما يتعلق الأمر بتطبيق الشعائر الإسلامية، ومعروف أن مسجد لندن لم يتحقق وجوده إلا بعد 34 سنة من طرح فكرة بنائه، في حين أن قطعة الأرض كانت جاهزة منذ عام 1944، وإلى جانب هذا هناك حملة ضد المساجد؛ حيث تعرضت مساجد هادي ويكمبس وولتماستو وديوزبري ولوتن وفنسي بارك في بريطانيا إلى اعتداءات منذ عامي 1979- 1980، وقد أخذت أشكال الاعتداء رمي قطع لحم الخنزير داخل هذه المساجد، بل إن بعض المساجد حوصرت وتم تكسير أبوابها ونوافذها، والملاحظ أن الشرطة عندما تتسلم بلاغات من القائمين على المساجد لحمايتها فإنها تتباطأ، ثم تسجل هذه الأحداث ضد مجهولين!!

على أن بعض المسؤولين في أوروبا أعلنوا حربهم على المساجد، ففي عام 1984 ندد جاستون ديفير- وهو وزير الداخلية الفرنسي آنذاك- بدور المساجد في زيادة ما أسماه بالتطرف في فرنسا، وقال: «إن المتطرفين يرسخون أقدامهم في المساجد بالتدريج، وقد أصبحوا هم المسؤولين عنها في بلدنا، وهم يقومون بالتبشير والدعاية»، ودعا بعد ذلك إلى إيجاد الحلول للحد من خطورة المسجد.

 

العنف ضد المسلمين

لم تشأ حضارة الغرب أن ترحم إنسانية الإنسان المسلم في أوروبا، فقد وصلت النوازع العنصرية في بعض الحالات- ولا سيما في «فرنسا وألمانيا»- إلى ممارسة العنف والقتل ضد أبناء الجاليات المسلمة، وتذكر الإحصاءات أنه خلال عام واحد هو عام «1982» الذي برزت فيه موجة العنف ضد المسلمين سقط برصاص الفرنسيين العنصريين قرابة عشرين طفلًا من أبناء المهاجرين المسلمين، كما أنه في نفس الفترة تم قتل ثلاثة أطفال جزائريين وهم يحتفلون بعيد الفطر، وذلك برصاص التمييز العنصري.

والعجيب أن حملة العنف العنصرية أخذت شكلًا معلنًا على ألسنة مرشحي الانتخابات، وقد وصلت الحملة إلى حد البذاءة على لسان بعض أولئك المرشحين الذي قال عن المسلمين في فرنسا: أنه «سيمنع تحويل مدينته إلى سلة مهملات»... وما زالت الجاليات المسلمة تذكر في فرنسا قاتل الطفل «توفيق أدانيس» في شهر رمضان، وهو ابن 10 سنوات، عندما اغتالته رصاصة فسقط وهو مضرج بدمائه... كما أن المسلمين في ألمانيا ما زالوا يذكرون قصة مصرع العشرات من أبناء المسلمين، ومنهم «كمال ألتوت» التركي الأصل الذي وجد مضرجًا بدمائه قرب حائط المبنى الذي تعلم فيه، وقد دأبت محاكم ألمانيا وفرنسا بالذات على تقييد حوادث الإرهاب العنصري الموجه باتجاه المسلمين ضد مجهول.

 

فتش عن اليهود

لا يترك اليهود فرصة للتضييق على المسلمين في أوروبا إلا ويستغلونها، بل إن أصابع الموساد تلعب في الخفاء وراء كواليس الكنيسة لتطويعها، وتأليبها ضد المسلمين، وبخاصة مراكز الدعوة، ومع ذلك فإن اليهود في أوروبا لا يتصادمون مباشرة مع المسلمين، وإنما يستغلون «إضافة إلى الكنيسة» الصحافة وأجهزة الإعلام التي يسيطرون عليها لإذلال المسلمين وسط مجتمع الغرب الأوروبي، بل إن الإعلام اليهودي يناصر كافة الاتجاهات العنصرية الأوروبية ضد المسلمين، ويلح اليهود في الفترة الأخيرة على تصوير المسلم بأنه «إرهابي»، وقد نجح اليهود نسبيًا في هذه الحملة.

 

وماذا بعد؟

ويبقى أن نوجه الكلمة إلى المسلمين حكومات وشعوبًا، بضرورة الاهتمام بالأقليات الإسلامية في أوروبا وغيرها، والعمل على دعمها لتحقيق أهدافها، فالكيان اليهودي في فلسطين يعتبر أنه مسؤول عن اليهود في جميع أنحاء العالم، وإيران تعتبر نفسها مسؤولة عن الشيعة في كل مكان، فماذا عن أهل السنة؟ من هو المسؤول عنهم؟!!

 

الرابط المختصر :