العنوان لاعتقادهم بأن الغرب كان « يتفرج » على إبادتهم على مدى ٤ سنوات -المسلمون في البوسنة وكوسوفا.. وأزمة الثقة في الغرب
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 04-يونيو-2005
مشاهدات 71
نشر في العدد 1654
نشر في الصفحة 42
السبت 04-يونيو-2005
الإعلام الغربي لا يزال يعزف على وتر الانفصال والتهوين من الحكومات المركزية.
عرفت منطقة البلقان منذ القرن التاسع الميلادي حروبًا دموية وتوترات شديدة بسبب الهجرات السلافية للمنطقة، ومنذ هذا التاريخ والصراعات العرقية والأيديولوجية لم تهدأ، ومن بينها حروب البلقان (۱۹۱۲ / ۱۹۱۳) والحرب العالمية الأولى التي اندلعت شرارتها في سراييفو عام (١٩١٤ / ١٩١٩م) وحرب استقلال الجمهوريات اليوغسلافية التي ضمت قسرًا في أعقاب الحرب العالمية الثانية ١٩٣٨ / ١٩٤٥م.
بعد مرور ١٠ سنوات أو ما يزيد بقليل على الحرب الأخيرة فإن التوترات لا تزال قائمة في هذه المنطقة من العالم وتحديدًا في البوسنة وكوسوفا، مما يطرح أسئلة عن أسباب بقاء التوتر في هاتين المنطقتين دون سواهما، فالحرب في كرواتيا لم تستمر بشكل دموي كما حدث في البوسنة أو حتى كوسوفا، وصربيا لم تشهد حربًا بالمعنى التقليدي رغم تعرضها لقصف جزئي من قبل حلف شمال الأطلسي سنة ۱۹۹۹ لكنه لم يحدث مثل ما حدث في البوسنة وكوسوفا أو حتى ما حدث في الجانب الألباني أثناء الثورة الألبانية من أجل حق المواطنة في مقدونيا، أما الجبل الأسود فقد بقيت بمنأى عن الصراعات بشكل مباشر في حين لم يستمر التوتر في سلوفينيا سوى بضعة أيام وانتهى.
التوتر مستمر: بعد انتهاء الحرب في البوسنة لا يزال التوتر سائدًا في البلاد وكذلك في كوسوفا، ففي البوسنة يواصل الصرب عرقلة مسيرة الإصلاح، ويهددون بالانفصال عن البوسنة احتجاجًا على توحيد الشرطة وهي شروط يمليها الاتحاد الأوروبي على سراييفو «إذا ما أرادت أن تكون عضوا في الاتحاد الأوروبي». وفي أثناء استعراض تشكيلة صربية يفترض أن تصبح جزءًا من الجيش البوسني الموحد ثم تسريب قسم غير قانوني لعنابر الجنود قبل تلاوتهم القسم رسميًا والذي يدعوهم «لحماية البوسنة والدفاع عنها» ولكن الجنود الذين أشربوا قسمًا آخر أعلنوا أنهم «سيحمون الحكم الذاتي ويدافعون عنه»، ولم يتم اتخاذ أي إجراءات عقابية بحق الصرب تجاه هذا الأمر وإن كان المبعوث الدولي «بادي أشداون» قد هدد بذلك مؤكدًا أن «الحكم الذاتي جزء من البوسنة وليس دولة» ورغم أن الدول الأوروبية ممثلة في الاتحاد الأوروبي تؤمن على وقوفها إلى جانب بوسنة موحدة بحكومة مركزية قبل أن تصبح البوسنة عضوًا في الاتحاد الأوروبي، إلا أن الإعلام الغربي لا يزال يعزف على وتر الانفصال والتهوين من الحكومة المركزية التي يصفها بالضعيفة أو الواهية، وهو ما يشجع الصرب على الاستمرار في تعنتهم ورفض الإصلاحات، ومن السذاجة الفصل بين المواقف الأوروبية الرسمية والإعلام الأوروبي لا سيما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، فماذا يراد بالبوسنة يا ترى؟
الهيمنة والتحرر
في كوسوفا لا يزال الموقف الدولي يراوح مكانه ولم يتم حتى الآن اتخاذ قرار فاصل في القضية التي لا تقبل الانتظار، وهو ما بدأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يدركانه، لكن التلكؤ الغربي في منح كوسوفا حق الاستقلال عن صربيا بعد قرون من الهيمنة والاضطهاد والعبودية يشجع المسؤولين الصرب على الاستمرار في المطالبة ببقاء كوسوفا جزءًا لا يتجزأ من صربيا. فقد أعلن رئيس الوزراء الصربي «فويسلاف کوشتونيتسا» استعداد بلاده لإجراء مفاوضات مع كوسوفا ولكن بدون شروط مسبقة وقال إن «الشروط التي وضعها رئيس وزراء كوسوفا بيرم قسومي لبدء المحادثات -وهي اعتباره رئيس وزراء دولة مجاورة - لا تشجع على إجراء لقاء بين الطرفين على أعلى مستوى.. ويجب إجراء محادثات بدون شروط مسبقة، ونحن ننتظر من قسومي القبول بالحوار دون إملاءات»، وإن «دعوة بلجراد للحوار لا تزال مفتوحة.. وبإمكان رئيس وزراء كوسوفا تحديد موعد الاستجابة».
أقوال وأفعال
في الوقت نفسه نظم مركز Woodrow Wilson في واشنطن ندوة تحت عنوان «استقرار البلقان وقضية كوسوفا بعد ١٠ سنوات من توقيع اتفاقية دايتون حول البوسنة» وتحدث في الندوة «نيكولاس بيرنس» مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون السياسية وقال: «دايتون قدمت مساعدة كبيرة للشعب في البوسنة وقدمت ضمانات بقائها وإمكانية تطوير الاتفاق وهذا ما لا شك فيه». وقال إن «واشنطن تدعم العمل الكبير الذي تقوم به القاضية كارلا ديل بونتي لجلب المتهمين بارتكاب جرائم حرب إلى محكمة لاهاي وعلى رأسهم «كراجيتش وملاديتش»، مضيفًا أنه «من العار أن يمر ١٠ سنوات على مذبحة «سريبرينتسا» ولا يزال «كراجيتش وملاديتش» مطلقى السراح متهمًا بلجراد بمساعدة ملاديتش ولا سيما الجيش كما اتهم صرب البوسنة بمساعدة كراجيتش على الفرار.
وأكد «بيرنس» أن الحرب لن تعود مجددًا للبلقان وطالب بلجراد وصرب البوسنة بتسليم ما وصفه بكبار مجرمي الحرب.. كما أعلن عن جولة له في الأيام القادمة في كل من البوسنة وكوسوفا وصربيا والجبل الأسود لتحريك ما وصفه بمياه الإصلاح الراكدة، ورغم التصريحات الأوروبية والأمريكية إلا أن الأفعال لا تنم على وجود رغبة حقيقية في إحداث إصلاحات جذرية في كل من البوسنة تدعم المركزية وتوزيع الحقوق والواجبات بشكل متساو بين
جميع مكونات الشعب البوسني الطائفية، ومنح ٩٥ ٪ من شعب كوسوفا حق الاستقلال، فبدون ذلك ستبقى تصريحات القادة الأوروبيين والأمريكيين كما يقولون حبرًا على ورق، والعبرة - كما يقولون هم أيضًا - بالأفعال لا بالأقوال!.
وجهان لعملة واحدة!
توجد أغلبية مسلمة في كل من البوسنة (أكثر من ٥٠٪) وكوسوفا (أكثر من ٩٠٪) وهناك من يقدر عدد سكان كوسوفا حاليًا بأكثر من ٥,٢ مليون نسمة إذ إنه لم تجر عمليات إحصاء للسكان منذ ٢٠ سنة، ووجود هذا العدد الكبير من المسلمين في البلدين يريك صناع القرار في الغرب، فهم من ناحية يخشون استمرار التوترات داخل أوروبا الساعية للتوحد. ومن ناحية ثانية يخشون التوغل الأرثوذكسي، ومن وجود أوضاع مريحة للمسلمين في المنطقة وهم من عمل على إبادتهم وطردهم خارج بلادهم على مدى القرون الماضية، لا سيما أن هناك وعيًا بين الشباب المسلم على المستوى السياسي والتاريخي والثقافي لما يراد بهم ويحاك ضدهم، وهو أمر لا يوجد له نظير مثلًا في ألبانيا، فرغم أنها دولة إسلامية من حيث الأغلبية المسلمة إلا أن القرار بيد الأقليات الأخرى ومن يوجد من المسلمين في السلطة لا تهمه قضايا شعبه الإسلامية والثقافية بما في ذلك التنصير والفقر وقطع صلتهم بالإسلام والمسلمين.
إن المسلمين في البوسنة وكوسوفا يمكنهم أن يضربوا مئات الشواهد على الأسباب التي تجعلهم لا يثقون بالغرب، «فسريبرينتسا» التي أعلنها الغرب آمنة لم تكن كذلك عندما وضع ذلك الإعلان على المحك فقتل أكثر من ۱۰ آلاف من الأبرياء، وهم لا يملكون الضمانات التي تجعلهم يثقون بالغرب مرة أخرى، وهم ليسوا مثل أولئك الذين يعتقدون بأن الغرب والولايات المتحدة أنقذتهم من الإبادة، بل يعتقدون أن الغرب كان يتفرج على إبادتهم على مدى ٤ سنوات، ويعتقدون أنه تدخل لوقف الحرب لأنهم أخذوا زمام المبادرة وبدأوا بتحرير أراضيهم، وعندما وقفوا على مشارف «بنيالوكا» قال لهم الغرب قفوا (ستوب) وهددوا بضربات جوية، وعلى وقع ذلك التهديد تم توقيع اتفاقية دايتون، وهم اليوم يتساءلون لماذا انتهت كل التوترات في البلقان أو كادت أو في طريقها للحل بالآليات الديمقراطية ما عدا البوسنة وكوسوفا؟.