; المسلمون في العالم ماذا يراد بالمسلمين في يوغسلافيا؟! | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في العالم ماذا يراد بالمسلمين في يوغسلافيا؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأربعاء 04-مايو-1983

مشاهدات 55

نشر في العدد 620

نشر في الصفحة 30

الأربعاء 04-مايو-1983

·       في مدينة بلغراد وحدها كان هناك ۲۷۰ مسجدًا، أزيلت كلها عدا مسجد واحد فقط يزين النظام وجهه ويدير به رؤوس الزوار، ويجعله شاهدًا على حرية الأديان!

·       الاستئصال الأخطر هو الاستئصال الثقافي والذي بواسطته يمكن انتزاع أجيال كاملة من أبناء المسلمين من شخصيتهم الإسلامية ومقوماتهم العقدية.

تسربت الأنباء من وراء السدود الحديدية اليوغسلافية عن اعتقالات في أوساط المسلمين هناك، وكالعادة دائمًا في البلدان الشيوعية لا يستطيع أحد أن يقدر عدد المعتقلين ولا أسباب اعتقالهم، وهل ستقام لهم محاكمات... إلى غير ذلك من التساؤلات.. فالحق أن القمع في تلك المناطق والتسلط الذي يطبع أولي الأمر فيها لا يجعل لمثل هذه الأسئلة مكاناً أو أهمية، لاسيما إن اتصل الأمر بالمسلمين.

لماذا؟

شيوعيو يوغسلافيا يعلمون تمام العلم من هي العناصر المسلمة هناك والتي أثبتت صعودًا وجدارة قتالية عالية إبان الأزمات التي مرت بها يوغسلافيا، وقد علموا يقينًا أن ذلك الصمود وتلك الجرأة نابعان من التكوين العقائدي للمسلم والذي يدفعه نحو الاستبسال غير المحدود إذا ما أحس بخطر يتهدد كيانه وينذره وخيم العاقبة خاصة إذا اتصل هذا الأمر بدينه وما يمت إليه.

ثم إن الإسلام الذي صاغ شخصية المسلمين هناك وأسهم في تكوينها بدرجات كبيرة، يعلم عنه الشيوعيون أنه عدوهم الأكبر، فإنه إذا كانت المسيحية تشكل خطرًا تقليديًا للشيوعية بمضادتها للإلحاد، فإن الإسلام يرد على ذلك بمنهجه ونظامه الذي يقف متحديًا لأية نظرية وكل مقولة، وبقدر ما يحاول الشيوعيون هناك تطبيق ما يسمى بفصل الدين عن الدولة إلا أنهم يجدون أن الأمر في غاية الصعوبة بل في درجة الاستحالة إذا ما اتصل بالإسلام.

ومن هنا..

ومن هنا كانت الشيوعية اليوغسلافية أكثر تطرفًا ومغالاةً في اضطهاد المسلمين هناك، ولابُدَّ من وقفة نجلي بها أبعاد هذا الاضطهاد ومسبباته، فإنه بعد التفكك الذي اعترى الدولة العثمانية والتحلل الذي بدأ السريان فيها منذ القرن الثامن عشر الميلادي كانت مناطق البلقان وما جاورها من العوامل المعجلة بالقضاء على تلك الدولة أو تفتيت قوتها وتبديد طاقاتها، ونتيجة لهذه العوامل التي أحسنت الدول الصليبية استغلالها في ذلك الوقت أضطر العثمانيون في سنة ١٨٧٩م للتنازل عن ولاية صربيا للإمبراطورية النمساوية المجرية، ومنذ ذلك التاريخ توالى الاضطهاد والتقتيل في صفوف المسلمين فاضطرت أعداد كبيرة منهم للهجرة في أنحاء الوطن الإسلامي المتاخم لهم، وبقيت جماعات أخرى تقاوم ذلك الاضطهاد وتسعى لتحقيق كينونتها ووجودها، وقد بلغ الاضطهاد قمته في الفترة التي تخللت الحرب العالمية الثانية وهي الفترة التي شهدت بزوغ نجم تيتو ومثوله على الساحة السياسية كقائد ليوغسلافيا.

ما بعد تيتو

وقد قام تيتو وجماعته بإلغاء الملكية في يوغسلافيا، وأعلنوا ميلاد جمهورية شعبية في ١٩٤٦م؛ وذلك تحت عين الشيوعية السوفيتية، غير أن تيتو نحا منحى استقلاليا يبعده عن الفلك السوفياتي وذلك في يونيو ١٩٤٨م، ولكن منطلقاته الماركسية ظلت كما كانت.

وقد اقتضت منطلقات الدولة اليوغسلافية -الشيوعية- أن توجه اضطهادا خاصا للمجموعات الإسلامية الموجودة بيوغسلافيا، ولم يقف ذلك الاضطهاد عند حد فقد شمل كل ما يمت إلى الإسلام فشمل أهله ومؤسساته ومفاهيمه وكل حقيقة متصلة به، ويكفي أن تعلم أنه كانت في ولاية البوسنة والهرسك قبل الحرب العالمية الثانية آلاف المساجد، وفي العاصمة سراجيفو وحدها أكثر من ثمانمائة مسجد، وفي مدينة بلغراد -العاصمة اليوغسلافية- كان هناك مائتان وسبعون مسجدًا، أزیلت جميعها باستثناء مسجد واحد یزین به وجه النظام الحاكم هناك ويدار به رؤوس الزوار كشاهد على حرية الأديان!

فترة الخمسينيات

وفي مستهل الخمسينيات تراجعت موجات الاضطهاد قليلًا، وهب المسلمون من جديد لتنظيم أنفسهم وفرض وجودهم، وقد استطاعوا نتيجة لذلك السعي أن يستعيدوا شيئا من حقوقهم الدينية، فتأسست إدارة مركزية لجميع المسلمين مقرها مدينة سراجيفو عاصمة جمهورية البوسنة والهرسك ويرأس هذا المجلس رئيس العلماء المسلمين والذي هو مفتي المسلمين ويعاونه بقية أعضاء المجلس، وبالطبع فإن سلطات ذلك المجلس لا تتعدى شؤون المساجد والأوقاف وبعض المدارس الدينية التابعة لهم.

ولا تنسى السلطات اليوغسلافية أن تركز الأضواء على علماء السوء الذين يأكلون دينهم بدنياهم فتستميلهم بأساليبها الخاصة حتى تكون أمور المسلمين كلها وفقا لإرادتها ومشيئتها.

مفارقات دستورية

إن دولة يوغسلافيا دولة فيدرالية يقوم بناؤها على الاعتراف بالاستقلال الداخلي للجمهوريات التي تتكون منها، وتلك الجمهوريات تأسست على الأساس القومي والدساتير اليوغسلافية وآخرها دستور ١٩٧٤م اعتبر المسلمين قومية من بين القوميات اليوغسلافية ولكنه عنى بذلك جمهورية البوسنة والهرسك، ومع أن مسألة اعتبار التقسيم القومي هذه قائمة على اعتبارات الأغلبية القاطنة في كل إقليم إلا أن هذا لا يطبق على المسلمين. 

وحسب إحصائيات ۱۹۷۱م، فإن الألبان الذين يشكل المسلمون ٩٠% منهم والبالغ عددهم وفقًا لذلك الإحصاء أكثر من مليون من الأنفس اعتبروا من الأقليات القومية، وتناقض الدستور في ذلك أيما تناقض فهو يعرف الأقليات بأنها تلك التي يقل تعدادها عن مائة ألف، ولكن هذا الحساب فيما يبدو خاص بغير المسلمين فقط وإن تجاوز عدد المسلمين مليونًا فهم أقلية طالما لم تقنع السلطات الشيوعية بأنهم أكثر من مائة ألف!

وفرّق تسُد

ثم إن السلطات اليوغسلافية لا تسد على المسلمين السبيل بذلك فقط ولكنها لا تعترف بإسلام المسلمين الذين لا يوجدون في إقليم البوسنة والهرسك وإن لم يكن ذلك منصوصًا عليه إلا أنه يمارس عمليًا ضد المسلمين المنتشرين في أنحاء الجمهوريات اليوغسلافية، ويتمثل ذلك أكثر ما يتمثل في حرمان المسلمين الذين ينطبق عليهم تعريف الأقليات (الدستوري) بحرمانهم من التمثيل في المجلس الإسلامي الأعلى وينطبق ذلك حتى على المجموعة الألبانية التي يتجاوز عددها المليون من الناس!

وليس بعد ذلك التطبيق من تفريق أكثر فاعلية في أوساط المسلمين، وذلك يعني فيما يعنيه خضوعهم في المناطق التي يقطنون فيها لكل ما يتصادم وثقافتهم ومكوناتهم، وعلى المدى الطويل لا تبقى إلا الأسماء، بل ربما عرا هذه أيضًا الاندثار ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والاستئصال الفكري والثقافي

لا حاجة للتذكير بالمبادئ الشيوعية التي يقوم عليها بناء الدولة اليوغسلافية والتي تعتبر الدين والإسلام منه على وجه الخصوص العقبة الكأداء دون بلوغها لما تريد، ومن هنا فقد لجأت الدولة اليوغسلافية إلى خطتين اثنتين: الأولى القهر الآني بالمجازر الجماعية للمسلمين وذاكرة المسلمين هناك مليئة بالشواهد على هذا. والثانية عملية استئصال من الجذور والمعتقدات وذلك عبر المدارس والمؤسسات التعليمية التربوية والتي تبدأ في تلقين أبناء المسلمين الإلحاد منذ نعومة الأظفار، ومع وجود المدارس الدينية ودروس العطلة الأسبوعية في المساجد إلا أن ذلك يبقى دون مجهودات الاستئصال المتبني من جانب الدولة بكثير إلا أن يتغمد الله الناس برحمته.

كما أن الانصهار الاجتماعي الملزم للمسلمين بالذوبان في كيان الدولة اليوغسلافية يوقعهم في كثير من الحرج والمأزق، وقد بدأت ظاهرة زواج المسلمات (ميلادًا) من غير المسلمين وليس في إمكان المسلمين مقاومة مثل هذه الظاهرة، فالدولة لا تعترف بغير الشيوعية دينًا ونظامًا. ولعل هذه القضايا وأمثالها تفوق في خطرها آلاف الاضطهادات والمجازر فهذه مسألة استئصال للإسلام كما تری.

الحال الآن

بعد وفاة تيتو خلفه مجلس الثمانية على الحكم، والمراقبون ليوغسلافيا يعلمون أن عناصر الفرقة الكامنة في بنائها القائم تشكل نذرًا متجددة، ويأتي الوجود الإسلامي على رأس الأخطار المسجلة هناك، فرياح البعث الإسلامي شملت المسلمين هناك وإن كانت درجاتها غير مسجلة بدقة ولكنها موجودة على كل حال.

ثم إن المسلمين في مجموعهم يشكلون قرابة ربع السكان، ومن الملاحظات التي تسجل لهم أو عليهم -ربما- التنامي الملحوظ في السكان.

وذلك لتماسك الأسرة المسلمة بحكم مفاهيمها الاجتماعية التي زودها بها الإسلام، كما أن حركة الإسلام في بقية المناطق الأوربية المتاخمة ليوغسلافيا ينبه المسلمين -ولو على المدى الطويل- إلى وجوب تحققهم به وبصورة كاملة.

ولعل وعي السلطات اليوغسلافية بهذه الحقائق وخبرتها بصلابة العناصر الإسلامية ومقدرتها على الصمود في التاريخ اليوغسلافي القريب والبعيد، جعلها تبادر بحملة الاعتقالات الأخيرة التي ترامت إلينا أنباؤها، ولكن وعد الذكر الحكيم غير المستثنى يقول: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف:8).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

189

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 14

122

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مفهومات خاطئة 4