; المسلمون في الهند: مأساة أندلس جديدة | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في الهند: مأساة أندلس جديدة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1988

مشاهدات 80

نشر في العدد 860

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 29-مارس-1988

حكم المسلمون إسبانيا منذ عام 712 م لغاية عام 1492 م؛ أي لمدة (780) عامًا. لكن لا يوجد اليوم أي مسلم في ربوع تلك البلاد، على الرغم من أن كل جانب من جوانب الحياة الإسبانية تحمل مسحة إسلامية عليها، تحفل اللغة الإسبانية بعدد كبير من الكلمات العربية، كما أن الموسيقى الإسبانية تتميز بالطابع العربي، بل الحضارة الإسبانية بصورة عامة لها صبغة عربية أكثر من أي حضارة في البلاد الأوروبية.

وبعد عام 1492 م حين سقط آخر معقل للمسلمين في غرناطة بدأ تدهور ظروفهم، والذي بلغ أوجه خلال (120) سنة من ذلك التاريخ المشؤوم؛ حين غادرت آخر جموع المسلمين إسبانيا عام 1612 م. واختفى المسلمون بعد ذلك من آفاق تلك البلاد، والنقطة الهامة التي تدعو إلى التفكير بصفة خاصة هي أن العالم المتحضر بأجمعه في تلك الفترة كان يحكمه المسلمون، كان الأتراك العثمانيون قد فتحوا القسطنطينية عام 1553 م، وكانوا قد بسطوا حكمهم على البلقان، وكانت مصر تخضع لحكم المماليك، وكانت فارس تخضع للحكم العباسي، والهند كان يحكمها المغول، ومع ذلك اختفى الإسلام من إسبانيا، ولم تتحرك الجيوش الإسلامية في هذه البلاد لحماية المسلمين في تلك البلاد.

ولم يزل موضوع كيفية اقتلاع جذور الإسلام من إسبانيا موضع دراسة جادة من قبل الهندوس النازيين في شبه القارة الهندية منذ الثلاثينيات والأربعينيات من هذا القرن، إنهم قاموا بدراسة هذا الجانب ليمكن تطبيقه في الهند، كما أن زعماء المسلمين أيضًا درسوا هذا التاريخ ليمكن منع هذه المحاولة المشؤومة؛ حيث إن المسلمين أكبر أقلية في الهند، وتبلغ نسبتهم وفقًا للإحصاء السكاني عام 1981 إلى (11.35%) من إجمالي السكان، وبذلك يشكلون أكبر مشكلة سياسية حسب اعتقادهم للهندوس من إحدى الطبقات العليا، والذين يتحكمون في شؤون الهند في الوقت الراهن، لكن المسلمين في هذه الأيام يجهلون تمامًا تاريخ تدهورهم وانحطاطهم في إسبانيا والملابسات المحيطة به.

لذا نود أن نلقي ضوءًا على هذا الموضوع ليمكن للطائفة القادرة على التفكير منهم، وللذين يتعاطفون بقضيتهم أن يتناولوا الموضوع بمزيد من البحث والمعالجة، كان المسلمون في إسبانيا يتكونون من ثلاث فئات كما هو الحال في الهند، وهذه الفئات هي:

1.     الطائفة المنحدرة من سلالة عربية.

2.     الطائفة التي تنحدر من آباء عرب وأمهات إسبانيات.

3.     الطائفة التي اعتنقت الإسلام من المسيحيين هناك.

فقد حصل فور سقوط غرناطة أن الكثير من المنحدرين من السلالة العربية قد لجأوا إلى الدول العربية المجاورة من تونس والمغرب نجاة بحياتهم، وليس بممتلكاتهم؛ حيث لم يكن من المسموح أن يغادروا بما يملكون من المال، وأما بقية العرب الأصليين الذين آثروا البقاء في تلك البلاد فقد أُلقيت عليهم تهمة مدمري إسبانيا واعتبروا أجانب هناك، وأما غيرهم من الطائفتين المؤخر ذكرهما فقد اختاروا البقاء في إسبانيا، واثقين في وعود الملك فرديناند أن الحرية الدينية التامة مكفولة لهم (كما نقول في الهند إن المسلمين يتمتعون بحرية دينية كاملة وبحقوق الأقليات) وأما محاولات الهجوم من قبل المسيحيين على أرواح وممتلكات أولئك المسلمين فقد صرف عنها النظر بحجة أنها ظاهرة مؤقتة.

وينبغي أن نقارن الآن التطورات التي ظهرت في الهند بعد استقلال البلاد من الاستعمار عام 1947، فإننا نرى أن الهجوم على أرواح وممتلكات المسلمين في إسبانيا لم يهدأ، بل استمر حوالي خمسين عامًا بفترات متقطعة كما هو الحال اليوم في الهند، فقد حصل في البداية أن المسلمين في الهند قاوموا الاضطهاد والهجوم عليهم، وجرت اشتباكات بسيطة في الشوارع، لكن انكشف تدريجيًا أنه لم يبق إلا هجوم من جهة واحدة، والمسلمون هم الذين يتكبدون الخسائر دائمًا كما حصل مؤخرًا أن الشرطة التي تغلب عليها العناصر الهندوسية أُطلق سراحها.

ونرى أنه حين كان المسيحيون في إسبانيا يرتكبون أبشع المجازر كانت حكومة فرديناند قد اتخذت سياسة لحرمان المسلمين من الوظائف، وقامت إلى جانب ذلك بإجراءات تالية: وكان أن أصبح المسلمون في إسبانيا موضع سخرية وتفنيد وهجوم دائم، وكانت أعمال إحراق بيوتهم ومحلاتهم التجارية تنال التشجيع من السلطات لأجل القضاء على اقتصادهم، وكانت تعقد حفلات لتنصير المسلمين والاستهزاء بدينهم.

إن البذور التي كانت قد بذرت في النصف الأول من القرن في إسبانيا بدأت تؤتي ثمارها في النصف الثاني منه؛ حيث لم يبق للمسلمين قيادة سياسية أو منظمة أو حركة تسعى لحمايتهم، أما علماء الدين الذين لم تكن لديهم إلا علوم دينية فبذلوا جهودهم لإنقاذ الوضع، لكن الدعاية المكثفة من قبل الجهات الحكومية، والإغراءات للتنصير، وجهل العامة من الناس بالقيم الإسلامية، ومركب النقص في أذهان المسلمين - كانت فوق أن يتلافاها علماء الدين؛ لأن الوضع كان يتطلب ظهور قيادة سياسية مخلصة، أو تنظيم يبعث على الكفاح، لكن لم يحدث شيء من هذا القبيل، أما الذين فكروا في الاستغاثة بالقوات الإسلامية في تركيا ومصر فحصل تخويفهم، وكُشفت أسرارهم لدى السلطات؛ وذلك من قبل المسلمين أنفسهم، ولم تستطع القوات الإسلامية الأخرى أن تساعدهم لأجل فقدان المقاتلين الذين يتطوعون لخدمة القضية، وذلك إلى جانب أن الذين لجئوا إلى ديار تركيا ومصر نصحوا ولاة الأمور هناك بالإحجام عن اتخاذ أي خطوة من هذا النوع؛ مخافة أن ذلك يزيد متاعب واضطهاد المسلمين هناك.

وكان الوضع يتطلب ظهور بطل إسلامي مغامر مثل أحمد شاه إبدالي الذي أنقذ الوضع في أواخر العهد المغولي في الهند، لكن ما قدر الله ذلك، وأخيرًا انجرف عامة المسلمين في التيار، وغادرت تدريجيًا بقية أهل دينهم البلاد، وأن آخر مجموعة غادرت البلاد كانت منهم وذلك عام 1612.

وقد أصبحت السيادة السياسية للمسلمين في الهند في هذه الأيام من أذناب الأحزاب الهندوسية التي تتزعمها الطبقات العليا من الهندوس، ولم يسع من علماء الدين إلا الشيخ أبو الحسن علي الندوي للحفاظ على الهوية المتميزة للمسلمين الهنود.

التجربة الإسبانية وتكرارها في الهند

تعاد هذه «التجربة الإسبانية» بقوة وفعالية في الهند، فإن اللغة الأردية التي هي لغة الدين في الهند، كما كانت العربية في إسبانيا تجري المحاولات للتخلص منها والقضاء عليها، وأما المدارس الإسلامية فيقوم المسلمون برعاية شؤونها بأنفسهم، ويحاول المسلمون المثقفون ثقافة علمانية أن يبقوا على منأى من عامة المسلمين، وقد لاحظنا ذلك في بعض المؤتمرات الدولية لجماعة التبليغ في بنغالور.

وكلما تحرك المسلمون لتنظيم أنفسهم لحماية أرواحهم وممتلكاتهم تسمى هذه الطبقة أنشطتهم بأنها طائفية.

فلا يعرف الجيل الناشئ من هو السلطان تيبو المجاهد المسلم، بينما يردد أبناء (تانتيا توبيه) الذي لم يقاتل الإنجليز لأجل استغلال الهند، بل إنما للحصول على معاش التقاعد، كما ويرددون اسم الأميرة (لكشمي باي من جهانسي) التي إنما قاتلت لأجل خلافة ابنها في الحكومة، وبلغت العصبية إلى غاية أن أي مسلم كان كفؤًا لا تُمنح له جوائز خاصة بالإسهام في العلوم، وخاصة الطب أو غير ذلك، وحتى أن الذين حاربوا الإنجليز تحت لواء حزب المؤتمر الوطني أمثال أبو الكلام آزاد، وقدوائي، وسيد محمود، وهمايون كبير، لا يوجد الآن من يذكر مآثرهم، وهكذا نرى التاريخ يعاد كتابته، بل الأولى أن نقول إن التاريخ يجري تزييفه وتشويهه.

وتؤكد دراسة سياسات الحزب الحاكم أن هناك شبهًا كبيرًا بينها وبين السياسات التي اتخذها فرديناندو - إيزابيلا في إسبانيا - والفارق الوحيد هو أن الهندوس في هذه الأيام أشطر في خطواتهم، ويعملون بحذر لأجل بعض القيود المفروضة من قبل المجتمع الدولي وعلى رأسه الأمم المتحدة، إلى جانب تخوفهم من الرأي العام العالمي.

وما ينبغي الانتباه إليه أن الهند تخطط منذ فترة من الزمن، وتسعى جادة بأن تظهر كقوة هندوسية عالمية تنافس القوى الكبرى، وتكون أكبر قوة في المنطقة، ومن هذا المنطلق قد زادت مضايقتها للدول المجاورة من بنغلاديش، وباكستان، وسريلانكا، بل وتجاوزت المضايقة إلى تدخل في شؤونها الداخلية.

وإذا بقيت منهم مجموعة فتكون محدودة، ولا يكون لها نفوذ سياسي إطلاقًا، ثم تستهدف الخطة في المرحلة الثانية بسط نفوذ سياسي هندوسي خارج حدود البلاد؛ الأمر الذي يلحق الضرر بمصالح جميع المسلمين في المنطقة.

ولمنع تكرار التجربة الإسبانية في الهند، فلا ينبغي أن يغيب عن البال أن المسلمين في الهند جزء لا يتجزأ من الأمة الإسلامية بأجمعها، وهم مصدر قوة وتعزيز لها على المستوى الدولي.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 9

217

الثلاثاء 12-مايو-1970

حول العالم - العدد 9