العنوان المسلمون في بلغاريا- الحزب الشيوعي... وتجديد مأساة المسلمين في بلغاريا
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1996
مشاهدات 74
نشر في العدد 1183
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 09-يناير-1996
يبدو أن الحزب الاشتراكي الحاكم- الحزب الشيوعي سابقًا- يرى أن تأكيد انتمائه للحقبة الشيوعية البائدة، ولجذوره اللينينية - الماركسية الحاقدة يكمن في تجديد مأساة المسلمين في بلغاريا.. وكبتهم والتضييق عليهم ما أمكنه ذلك وسمحت الفرص والظروف بذلك، ولعل فوزه في الانتخابات البلدية الأخير29/١٠و١١/١١، وتحقيق الفوز في قرابة ١٩٤ بلدية ومحافظة محكمًا بذلك قبضته كليًا على البلاد قد فتح شهيته القديمة وأعاد الحياة في تاريخه الدموي.. وإن كانت مأساة المسلمين في بلغاريا ليست وليدة اليوم.. فهي وكما تقول «أسيمة جانو» في كتابها «مأساة المسلمين في بلغاريا» بدأت منذ هزمت القوات الروسية الجيش العثماني عام ۱۸۷۸م على الأرض البلغارية ووقع حينها الطرفان معاهدة برلين التي تحفظ حقوق الأقلية التركية في بلغاريا، لكنها كانت حبرًا على ورق، لتتوالي الهجمات عليهم قتلًا وتشريدًا وتضييقًا وتأميمًا للأملاك وتغييرًا للأسماء ومنعًا للشعائر الدينية والعادات الإسلامية، عرف منها العالم مأساة أعوام ١٩٨٤م-١٩٨٦م وآخرها ۱۹۸۹م.. كما لم يسلم من هذه الهجمات حتى المسلمين ذوي الأصول البلغارية والذين يسمون بـ: «البوماك» أي الأنصار.
واليوم أصبح المسلمون في بلغاريا، هم الورقة المراهن عليها في صراع تصفية الحسابات الداخلية بين الأحزاب والخارجية بين الدول وقد بدأ صبرهم ينفد بهذه الضربات المتوالية، واعتقادهم يترسخ أن ما يدور ليس حوادث منفصلة الحلقات بل حربًا خفية منظمة، ظهرت بعض ملامحها في تدخل الحكومة السافر في شئونهم الدينية، بدءً من تنصيب مفتي الحقبة الشيوعية المرفوض« نديم غينتشيف» ... وتدخل مدعى عامي المناطق والشرطة هناك في تثبيت أعوان «غينتشيف»، بالقوة في دور الإفتاء وأوقاف المسلمين «الغنية»، طاردين منها أتباع المفتي المنتخب فكري صالح حسن، وانتهاء بالحرب المعلنة على المدارس الإسلامية من قبل وزير التربية في الحقبة الشيوعية والذي أعادته الحكومة لمنصبه. ليتوج أعماله بالتشديد على المدارس وطرد ما يقارب من أحد عشر مدرسًا، كما يجري الآن تدارس إمكانية منع حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد، ومحاولة منع البث التركي عن المناطق المجاورة للحدود وإزالة الشواهد التي أقيمت بعد سقوط الشيوعية للذين قتلوا على أيديها من المسلمين الأتراك ناهيك عن الوضع المزري الذي تعيشه قرى المسلمين لإهمال الحكومات المتتابعة لهم، لتأتي أحداث «كرجلي» الأخيرة في غمرة هذا الاحتكاك دفعًا للأوضاع نحو الانفجار.
منطقة كرجلي
مدينة كرجلي، أو «كرج علي» أي مدينة علي تقع في الجزء الجنوبي من الدولة البلغارية قريبة من الحدود التركية واليونانية القرى المحيطة بها أغلبها مسلمة ١٠٠٪ لكن المدينة وضواحيها خليط من البلغار النصارى، والأتراك والغجر المسلمين.
وتتمتع هذه المدينة بأهمية بارزة داخل نظم الدولة «السياسي - العسكري. الاقتصادي» لموقعها الجغرافي الحدودي مع دولتين لهما مكانهما في تاريخ الدولة البلغارية الماضي «اليونان وتركيا».
وتعتبر هذه المنطقة من أكبر التجمعات التركية في بلغاريا، لهذا كان لها نصيب الأسد في محنة الأتراك عامي ١٩٨٤م. ١٩٨٦م، لتظهر على المسرح السياسي فيما بعد عند تحول النظام الشيوعي وتحديدًا في خريف ۱۹۹۰ م حيث تجمع عشرات الآلاف هناك للمطالبة بإعادة أسمائهم الإسلامية وحقوقهم الشرعية، ولتصبح بعد ذلك معقل حركة الحقوق والحريات وشريانها القومي النابض إضافة لكونها تحتكر دخل الدولة القومي من زراعة وإنتاج التبغ المرغوب عالميا.
أحداث كرجلي الأخيرة
مع أن بلدية هذه المدينة لتركيبتها السكانية محسومة لصالح حركة الحقوق والحريات منذ خمسة أعوام تقريبًا، إلا أن الحزب الاشتراكي لعدة اعتبارات كما يراها المحللون أصر هذه المرة متحالفًا مع ثلاثين حزبًا آخر في أكبر تحالف من نوعه في التاريخ البلغاري حاشدة كل قوتها في جبهة واحدة خلف مرشح واحد هو «عورغي غورغيف» لمجابهة الحركة وممثلها «راسم موسى» ونزع هذه البلدية الوحيدة من بين أنيابها، وقد دعم هذه الحملة الانتخابية كل من رئيس الوزراء.. «ج. فيدانوف»، ورئيس البرلمان «ب. سندوف» مدعومين من كل الوسائل الإعلامية في مخالفة صريحة المواد دستور الانتخابات داعين البلغار للتوحد والمشاركة الفعالة حتى أفرزت هذه الحملة شعارات تقول «كرجلي للبلغار». قابلتها حملة مضادة.. خطت على جدران المدينة «فلتعش تركيا» وبقي الجو مشحونًا هكذا حتى جاءت نتائج الدور الأول في 29/١٠تعلن تقدم ممثل الحركة «موسى» على منافسه غورغيف، دون تحقيق الفوز التام لعدم بلوغه النسبة المفروضة (٥١٪) لتبدأ الاستعدادات من جديد للدور الثاني ليعود الحزب الاشتراكي ليؤكد عزمه على حسم المعركة في «ستالين غراد الحركة» على حد قوله، ولم يترك رؤساء هذه الأحزاب مقهى أو مرقص (كما صرح أحدهم للصحافة مدللًا على أهمية الحدث) إلا دخلوه حاثين البلغار فيها بالوقوف خلف مرشحها «غورغيف»، وبزيارة قام بها قنصل السفارة التركية لتلك المنطقة لسبب أو لآخر. استغلتها الصحف في التحريض والاتهام لتتحول المعركة بين حكومتين لا بين حزبين ولتغطي المدينة سحابة من الغارات القومية والطائفية المنتنة، ومع ظهور نتائج الدور الثاني وإعلان فوز ممثل الحركة «راسم موسى» بفارق (٦٣٧) صوتً تقريبًا أسقط في أيدي الأحزاب مجتمعة، وهوت الربح بالحزب الاشتراكي في مكان سحيق الذي أذهلته الصدمة ليتقدم بعرائض الشكوى والاحتجاج متهمًا الحركة بالتزوير تارة واستخدامها المال والعصي تارة أخرى لجمع الأصوات، لكن لجنة الانتخابات المركزية خيبت أمله أيضًا هذه المرة لتؤكد فوز ممثل الحركة، ومع ذلك لم يذعن الحزب الاشتراكي للأمر ولم يستسلم رافعًا دعوى للمحكمة ليستأنف حكم اللجنة مهددًا بإلغاء نتيجة الانتخابات وبتحويلها للدور الثالث.
الصحف كعادتها زادت النار اشتعالًا وأثارت كوامن الفتنة بالكتابة حينًا عما ينتظر البلغار في تلك المنطقة، وحينًا آخر بتسليط الضوء على اهتمام تركيا بالمنطقة.. ليكمل الدور برنامج مراقب الذي يعرض على القناة الأولى في التليفزيون البلغاري بما قدمه في 16/١١/١٩٩٥م من مادة إعلامية من موقع الحدث لكن بأسلوب قومي تحريضي مسموم، ليترك المشاهد تلقائيًا يخرج بتصور أن الحركة فازت في الانتخابات هناك لاستخدامها طرق ملتوية وأن هذا الفوز بداية انفصال المدينة عن الجسد الأم...لكن يبدو أن هناك أيد تعمل في الخفاء وتسعى بجد وخبث ودهاء لتعقيد الحدث... الأسباب داخلية أو المصالح خارجية.. وما يؤكد ذلك خروج الصحف بتاريخ 26/١١ بخبر اكتشاف السلطات البلغارية شاحنات «بصيغة الجمع» مليئة بالأسلحة المهربة قادمة من تركيا يقف وراءها مهاجر بلغاري كرجلي من أصل تركي، ثم يختفي الخبر من على صفحات الجرائد في الأيام التالية لتعود الصحف في ٢ و ٣ و٤/١٢ لتسلط الضوء على هجرة عائلات تركية من عدة مناطق في بلغارية باتجاه منطقة كرجلي وتحديدًا للقرى التي هجرها أهلها إلى تركيا في ٨٤م ٨٦م - ٨٩م. وعزم الحركة فصل منطقة كرجلي اقتصاديًا عن الدولة باستثمار أموال تركية خارجية وداخلية فيها والاشتراك في عملية الخصخصة الجاري الإعداد لها لشراء أهم مصانع الدولة هناك تلك الخاصة بتصنيع التبغ، أو الآلات أو منتجات الألبان أو سواها .. ليتم طرد البلغار من أعمالهم ودفعهم لهجر مدنهم وقراهم ليحل محلهم الأتراك من مناطق أخرى. القارئ لهذا التتابع والترابط المحكم بين الموضوعات بلاشك سيعتقد جزمًا أن مخططًا تم إعداده خفية يقضي بتجميع الأتراك هناك وضمان اكتفائهم الذاتي للمطالبة بالانفصال.
إذن الأحداث أصبحت تأخذ أبعادًا خطيرة وهذا الذي دفع زعامة الحركة وحركة الحقوق والحريات في 6/١٢ إلى دعوة سفراء الست عشرة دولة التي تمثل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو لاطلاعهم على حيثيات الأحداث الأخيرة وأسباب تصعيدها بصراحة، وإلى ماذا سيؤدي استمرار الاحتكاك والتصعيد من طرف الحكومة التي إلى الآن لم تصادق رسميًا على انتخاب المحافظ الجديد «راسم موسى» ليتمكن من البدء في أداء مهامه رغم مرور شهر على الانتخابات مما يؤكد نوايا الحكومة الاستفزازية، ويدعم الاحتمال الاصطدامي بين الطرفين قطعا.