العنوان مسجد باريس ومحاولات فرنسا لاستيعاب التيار الإسلامي
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الأحد 23-فبراير-1992
مشاهدات 68
نشر في العدد 990
نشر في الصفحة 24
الأحد 23-فبراير-1992
من القضايا المهمة التي تشغل اهتمام
السلطات الفرنسية مسألة تنامي الوعي في أوساط الجالية الإسلامية وخاصة ما يسمى
بالجيل الثاني وما يترتب عنه من المطالبة بالحقوق الأساسية وعلى رأسها حقها في
اختيار ممثلين حقيقيين عنها الشيء الذي يطرح العديد من الإشكاليات على هذه السلطات
لخوفها من انفلات زمام الأمر من يديها.
وقد رأت هذه الأخيرة في الفراغ الذي أحدثه
التحاق عميد مسجد باريس التيجاني هدام بالمجلس الأعلى للدولة الجزائرية الفرصة
الذهبية لحل هذا الإشكال ويتمثل هذا الحل في تصورها في تنصيب مسلم من أصل فرنسي
على عمادة المسجد، وبذلك يمكن تحقيق عدة أهداف استراتيجية متزامنة فيما يتعلق
بالوضع القانوني للإسلام في فرنسا.
كوريف
ومعلوم أن الوزير الفرنسي للداخلية السابق
بيار جوكس (وزير الدفاع حاليًّا) قد عين مجلسًا للتفكير في شؤون الإسلام عام 1990،
يعرف بالـ«كوريف» يتكون من خمسة عشر عضوًا من بينهم التيجاني هدام وعبدالله بن
منصور الكاتب العام لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، وكانت الغاية من وراء
تأسيس هذه الهيئة تداول وجهات النظر والاستشارة حول القضايا التي تطرح على الجالية
الإسلامية ومساعدة السلطات الفرنسية على أخذ القرار المناسب.
إلا أن الهدف البعيد لوزير الداخلية في
ذلك الوقت هو تحويل هذه الهيئة تدريجيًّا من مجلس استشاري إلى هيكل يمثل الجالية
الإسلامية بالشكل الذي يرضي الدوائر الرسمية أي بالسير في خط تحييدي للإسلام عن
القضايا السياسية أو ما يعبر عنه بفصل الدين عن الدولة والعلمانية.
سلطة الجزائر على مسجد باريس
من ناحية أخرى فإن فرنسا قلقة من سيطرة
الجزائر على مقاليد المؤسسة الأم التي تمثل الرمز الأساسي للإسلام في فرنسا ألا
وهي مسجد باريس الكبير، والمتتبع لتاريخ هذه المؤسسة على مدى سبعين سنة منذ
إنشائها عام 1922 إكرامًا للمسلمين المغاربة والأفارقة الذين سقطوا في الحرب من
أجل فرنسا يلاحظ استمرار الخلافات السياسية والقانونية حول تسيير شؤون المسجد،
وكثرة الانتقادات حول جمعية «الأحباس» التي تتولى عملية الإشراف؛ لهذا ارتفعت
الأصوات داخل «الكوريف» وفي الأوساط الرسمية بعدم تطابق مهام التيجاني هدام كمسؤول
في المجلس الأعلى واحتفاظه في نفس الوقت بعمادة المسجد وهو من قبيل خلط الدين
بالسياسة.
وأمام الحرج الذي وجدت السلطات الجزائرية
نفسها فيه قدم هدام إلى باريس وأعلن عن تفرغه لعمادة المسجد الأعلى.. ودفع هذا
التردد أعضاء مجلس التفكير في شؤون الإسلام بفرنسا إلى تعيين أحد المرشحين لخلافة
هدام ألا وهو «يعقوب روتي» وهو فرنسي مسلم على الطريقة الصوفية فهو بعيد كل البعد
عن الطرح الإسلامي الشمولي بما في ذلك البعد السياسي بما يتماشى والموقف الرسمي
وهذا ما عبر عنه روتي بعد مقابلة مع وزير الداخلية مارشان حيث صرح بقوله هذه أمنية
الجالية الإسلامية في فرنسا وهو أيضًا موقف الطبقة السياسية في مجموعها «أغلبية ومعارضة».
تحييد الاتحاد
بيد أن الحكومة الفرنسية لم تكتفِ بانتزاع
هذه المؤسسة التاريخية من يد الجزائر فحسب وإنما سعت بكل جهودها إلى سد الطريق
والتخويف من الطرف القوي المتمثل في اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، ورغم أن
هذا الأخير قد عبّر بكل وضوح في العديد من المناسبات عبْر ممثليه في الـ«كوريف» عن
عدم رغبته وعدم طموحه إلى افتكاك عمادة مسجد باريس، بل دعا إلى رفع هالة القداسة
عن هذه المؤسسة فقد أبدت الدوائر الرسمية تخوفات كبيرة من احتلال الاتحاد لهذا
الموقع الحساس معتمدة على معطيات بمثابة مؤشرات على اكتساح هذه المنظمة الساحة
الإسلامية، كما يؤكد ذلك المؤتمر السنوي للاتحاد، الذي يحضره آلاف المسلمين من
مختلف أنحاء فرنسا ووجود العديد من الجمعيات العاملة والمتعاطفة معه وأخيرًا تأسيس
والإشراف على الكلية الإسلامية للدراسات الإنسانية؛ الشيء الذي أثار حملة مسعورة
في الصحافة الفرنسية التي تحدثت عن خطر أصولي يهدد البلاد بتمويل أجنبي في حين أن
كل ما في الأمر هو تكوين مؤسسة تعليمية قانونية لتخريج الأئمة والدعاة على مستوى
أوروبا.
أسلوب ميكافيلي
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الأسلوب
الميكافيلي في التعامل مع الملف الإسلامي سوف لن يحل أشكال تمثيل المسلمين كما
تتصور السلطات الفرنسية فالمشكل أعمق وأكثر تعقيدًا من ذلك.. والجالية واعية
بالطبع بنسب مختلفة بهذا السيناريو الذي يدار خلف ظهرها حيث لم يتم استشارتها ولا
تشريكها في أي قرار ولا يمكن لمجلس مُنصَّب أن يحل مشاكلها ثم إن مسجد باريس لم
يعد المحور الذي تدور حوله الجالية نظرًا لانتشار المساجد والجمعيات والهيئات التي
لا تخضع لسلطة هذه المؤسسة.