العنوان المسلمون في فرنسا: بعد تجميد ملفاتهم بقرار سياسي طالبو اللجوء السياسي من الإسلاميين يتعرضون للإرهاب الفرنسي
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1996
مشاهدات 62
نشر في العدد 1195
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 09-أبريل-1996
• عينات لمعاناة أسر هاجرت من أرضها من أجل دينها حرمت من حقها القانوني ومازالت طلباتها في حق اللجوء السياسي مجمدة
في الوقت الذي شاركت فيه فرنسا في المؤتمر المخصص للقضايا المتعلقة بـ «الإرهاب»، تعيش العديد من الأسر المسلمة التي قدم أصحابها طلبًا للجوء السياسي في هذا البلد أوضاعًا اجتماعية ونفسية قاسية بعد امتناع الإدارة الفرنسية عن منحهم هذا الحق بقرار سياسي غير معلن، والسبب هو الانتماءات الإسلامية لأرباب هذه الأسر، فقد بقيت ملفات هؤلاء معلقة دون رد إيجابي أو سلبي، في حين أنه ليس هناك أي طعن في صفتهم لاجئين باعتراف منظمة العفو الدولية ومنظمات إنسانية وحقوقية عديدة.
ومعلوم أن بعض الأنظمة في منطقة شمال إفريقيا (خاصة الجزائر وتونس ومصر) اعتمدت سياسة الحل الأمني في معالجتها الملف الإسلامي، فاضطر العديد من أبناء الحركات الإسلامية المضطهدين في هذه البلدان إلى الاختفاء أو الفرار بدينهم، وفيما يتعلق بمنطقة المغرب العربي بالتحديد، تعرضت حركة النهضة التونسية - الاتجاه الإسلامي سابقًا - في عهد بورقيبة منذ بداية الثمانينيات إلى الاضطهاد، فهاجر بعض رموزها وقياداتها إلى الخارج، وحصل كثير منهم على حق اللجوء السياسي في فرنسا.
وبعد التغيير السياسي عام ۱۹۸۷ م في تونس حصلت هدنة قصيرة بين النظام والإسلاميين، لكن سرعان ما توترت العلاقات من جديد بعد الانتخابات التشريعية عام ۱۹۸۹م، وخلال ذلك عرفت الجزائر أحداثًا دامية عام ۱۹۸۸م، كان من نتائجها إرساء حياة ديمقراطية وتعددية سياسية بعد الأحادية التي كان معمولًا بها منذ الاستقلال عام ١٩٦٢م.
وأمام هذا الوضع، وجد أبناء حركة النهضة التونسية متنفسًا في الجزائر مع بداية سياسة الحل الأمني في عهد بن علي وتمكن عدد منهم من الحصول على الإقامة في الجزائر أو في فرنسا وغيرها بصفتهم لاجئين سياسيين، لكن الأوضاع في الجزائر تردت على المستوى الأمني يعد انقلاب الجيش الذي وضع حدا للتجربة الديمقراطية في هذا البلد، كما أن الأوضاع الدولية تغيرت كثيرا بإرساء ما يسمى بالنظام الدولي الجديد الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية، وبروز سياسة جديدة تستهدف الصحوة الإسلامية بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة والقطبية الثنائية بين الأمريكان والروس.
وقامت الحكومة الفرنسية الاشتراكية في عهد ميتران بتعديلات في قانون اللجوء السياسي، تم بمقتضاه تحديد مدة انتظار الحصول على بطاقة لاجئ إلى حوالي ٦ أشهر، وبعد انقضاء هذه المدة، يعتبر الملف مرفوضًا لكن في المقابل يمنع مدة الانتظار القيام بأي عمل، وكان هدف الحكومة آنئذ التقليص من حالات اللجوء الاقتصادي باسم اللجوء السياسي، خاصة بعد سقوط جدار برلين وهجرة عدد من سكان أوروبا الشرقية إلى أوروبا الغربية.
وتجدر الإشارة إلى أن أغلب الإسلاميين الذين طلبوا اللجوء في هذه الفترة في فرنسا، وحصلوا على هذا الحق حتى وصول اليمين إلى الحكم في الانتخابات الرئاسية، فتغيرت المعطيات، ومنذ ذلك الوقت تم تعطيل ملفات عدد كبير من الإسلاميين من الجزائر ومن تونس على وجه الخصوص.
فبالنسبة لأبناء حركة النهضة التونسية، هناك ما لا يقل عن ۱۲۰ حالة أصحابها ملفاتهم معلقة، فلم يصلهم رد إيجابي ولا سلبي، وهذه الحالات تتوزع على النحو التالي: 50% بمفردهم، و 35% من اللاجئين بقيت أسرهم في تونس، و 15% من اللاجئين بصحبة عائلاتهم، علما بأن نسبة كبيرة من هذه الأسر متعددة الأفراد، ولم تتنازل الإدارة الفرنسية عن هذه السياسة (تعليق الملفات) عدا بعض الحالات النادرة التي وجدت نفسها أمام حرج قانوني كبير، أما أغلب الحالات الأخرى فقد بقي أصحابها بدون عمل (حسب ما ينص عليه القانون) بالإضافة إلى محدودية المساعدات الاجتماعية من حيث الكم والمدة؛ إذ إن الإجراءات المعمول بها إلى الآن تسمح لكل فرد بالحصول على منحة شهرية تقدر بـ 1340 فرنكًا فرنسيًّا (حوالي 268 دولارا) بالإضافة إلى تغطية صحية بنسبة 70% فقط، لكن هذه المساعدات صالحة لمدة سنة فقط، ويحرم الأطفال من المنحة الشهرية، وتعتبر هذه المساعدات المحدودة في حد ذاتها ضئيلة مقارنة بتكاليف العيش المرتفعة في بلد مثل فرنسا، خاصة لمن له أطفال، فبعد سنة تتوقف كل المساعدات، ومنذ ذلك الوقت يبدأ جحيم المشاكل في انعدام حق الشغل وحق السكن وحق التداوي.
مصالح سياسية
أمام هذا الحصار الاقتصادي وفي ظل هذه الظروف الاجتماعية القاسية، كوَّن الإسلاميون اللاجئون لجنة قامت بتحركات لدى العديد من المنظمات الإنسانية والقانونية، وراسلت الجهات الرسمية وشرحت الوضع المتردي لطالبي اللجوء. والتمست التدخل لدفع الملفات المعلقة، وذلك بعد أن انقضت مدة الانتظار القانونية (ما بين 4 و 6 أشهر) ومن بين الجهات التي تم الاتصال بها وزارة الخارجية، ووزارة الداخلية والمنظمة الفرنسية للاجئين والإغاثة المسيحية، والصليب الأحمر، وفرع الأمم المتحدة، وجمعية أرض اللجوء، والمركز الاجتماعي لمساعدة الأجانب. وهي الجهات الرئيسية التي تجتمع دوريًّا، وتحدد الخطوط الكبرى لسياسة اللجوء، وبالرغم من كل التحركات فقد كان التجاوب في الغالب ضعيفًا كما يرى أبو هارون أحد المتضررين من هذه الوضعية المعلقة والمتابعين لملف لجوء الإسلاميين من أصل تونسي، فالمنظمات قد وعدت بتحريك الملف وبالتدخل لإيجاد حلول وقتية ومريحة على المستوى الاجتماعي، لكي تبين فيما بعد أن المسألة تتجاوزها، وقد أشار بل صرح بذلك بعض العاملين الذين تم الاتصال بهم في هذه المنظمات، وهذا يعني أن القرار سياسي من الأساس، وأن تجميد ملفات هؤلاء الإسلاميين يدخل في إطار منطق الدولة الفرنسية في علاقاتها مع النظام التونسي الذي ترى فيه درعًا أمام الصحوة الإسلامية داخل تونس، وفي نفس الوقت حاجزًا أو سدًّا أمام امتداد التوتر الأمني القائم في الجزائر إلى شرق المنطقة المغاربية.
تعقيدات اجتماعية ونفسية
وبدون شك خلفت هذه السياسة النفعية والمصلحية انعكاسات سلبية على الأوضاع الاجتماعية والنفسية للأسر المهاجرة بدينها إلى بلاد يفترض فيها نظريًّا أن ترعى حقوق الإنسان وحق اللجوء السياسي للمضطهدين في بلدانهم. ومن بين العينات التي تعتبر أكثر الحالات دقةً وضعية أسرة أبي هارون (٤ أطفال ثلاثة منهم في المدرسة) وقد حكم على رب العائلة بالسجن غيابيًّا في محاكمات عديدة تصل في مجموعها إلى 30 سنةً سجنًا بتهم بعضها اتهم بها وهو طالب لجوء في فرنسا منذ أغسطس ۱۹۹۲ م، وتمر هذه الأسرة بصعوبات جمة منذ انتهاء المساعدات المحددة بعد سنة منذ تقديم ملف اللجوء، واضطر أبو هارون - الذي كان يشتغل في تونس في القطاع الطبي إلى البحث عن مورد رزق لسد الحاجة، لكن القانون يمنع عليه العمل، فلجأ إلى البلدية للحصول على مساعدات استعجالية دون جدوى، فلجأ إلى مؤسسة «مطاعم القلب»، وهي عبارة عن مؤسسة خيرية تقدم الحاجيات الضرورية للأكل، ويقف في طابور طويل ينتظر دوره مع المحرومين من المأوى وضعاف الحال والمهمشين، ويتكرر هذا الوضع مرتين أو أكثر في الأسبوع، في حين كان في بلاده معززًا مكرمًا ومن النقابيين الإسلاميين المشهورين.
ويقول أبو هارون: «إن أكثر ما يحز في نفسي ما يشعر به الأطفال وهم واعون بالوضع الذي نعيشه، وأخشى أن تتعقد نفسيتهم؛ لأنهم يعيشون الخصاصة والحرمان، ولأن نموهم النفسي والمادي يحدث في ظروف غير عادية، يضاف إلى ذلك المحاصرة والاضطهاد الذي يعيشه الأقارب في البلد الأصل، ويشير في هذا الصدد إلى سياسة القبضة الحديدية التي تشتد على الأهل في تونس؛ حيث منعوهم من الاتصال الهاتفي، بل حتى المراسلات بين الأطفال وأندادهم من الأقارب قد انقطعت بسبب ضغوط النظام التونسي، والنتيجة أن أسرة أبي هارون تشعر بأنها مقطوعة تمامًا عن جذورها ومعزولة عن البلاد الأم.
ومما زاد وضع هذه الأسرة تعقيدًا أن أم هارون حالتها الصحية دقيقة بسبب الانهيار العصبي الذي أصابها منذ أن كانت في تونس.
ويقول زوجها: إن السبب في ذلك هو المداهمات الليلية العديدة التي قامت بها قوات الشرطة والأمن في بيته بتونس خلال الثمانينيات بحثًا عنه عندما كان في حالة اختفاء، ومن رواسب هذه الحالة العصبية أن ولادة الأطفال الأربعة تمت بعمليات قيصرية، والآن تخضع الأم لنظام أكل خاص يتطلب الإمكانيات المادية إلى جانب الفحوصات الطبية لدى طبيب نفسي، يضاف إلى ذلك أنه أجريت لها عملية في الكبد والمرارة. وقد أرسل أبو هارون إلى الجهات المختصة للنظر إلى ملف زوجته نظرة إنسانية بقطع النظر عن صفتها لاجئة ومازال ينتظر الجواب.
ضاقت بنا الأرض بما رحبت
أما الحالة الدقيقة الثانية فتتعلق بأسرة أحد أعضاء حركة النهضة كان قد حكم عليه بـ ٨ أشهر سجنًا، وله ٤ أطفال، اضطر هو وأسرته إلى السفر إلى الجزائر بعد أن تعرضت زوجته وكذلك أطفاله إلى مضايقات عديدة وإهانات كبرى بعد اختفائه، فابنته الكبرى (۱۰ سنوات) نجت من محاولة اختطاف، كما أن أثاث البيت ألقي في الشارع، بالإضافة إلى اعتقال الأم كل يوم وإهانتها، منظمة العفو الدولية تحدثت طويلًا وفي عدة مناسبات عن حالتها، يقول زوجها: لقد ضاقت بنا الأرض بما رحبت، وأمام ضغوط النظام وفي ظل غياب ممول العائلة والخوف من اختطاف البنت فضلنا الهروب من الجحيم إلى مصير آخر لعله أحسن، وفي الجزائر تمكنوا من الحصول على وضع لاجئ من طرف الهيئة العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، وبعد تطور الأوضاع في الجزائر اخترنا بكل وعي فرنسا على أساس أنه بلد حقوق الإنسان، وكل مظلوم يجد فيه حقه، وكان أملنا كبيرًا أن أهلها ينصفوننا، لكن الواقع لم يكن كذلك!!
وعاشت هذه الأسرة مأساة منذ وصولها إلى المطار، فقد دخل الأب إلى فرنسا يوم 3/11/1992م، ولحقت به زوجته وأطفاله يوم 28/12/1992م، لكن الأم وأطفالها الثلاثة في ذلك الوقت تم إيقافهم لمدة 10 أيام، ولم يتم الاعتراف بترخيص الهيئة العليا للاجئين للدخول إلى فرنسا وتقديم طلب للجوء السياسي، وبقيت الأم والأطفال تحت الرقابة المستمرة؛ إذ يقضون كامل اليوم جالسين في المطار، وفي المساء (يتم نقلهم إلى فندق قريب من المطار، وحكمت المحكمة الابتدائية بالطرد والعودة إلى الجزائر)، وبعد الاستئناف وتدخلات منظمات إنسانية وحقوقية، حكمت المحكمة بحق دخولهم إلى التراب الفرنسي، فقدموا بذلك مطلبًا للجوء السياسي، ومنذ الجلسة التي أُجريت معهم يوم 9/2/1993م مع المنظمة الفرنسية المختصة في اللجوء لم يصلهم أي رد سلبي ولا إيجابي، وخلال السنوات الثلاث الأخيرة مرت هذه الأسرة بصعوبات ومحن عديدة، من ذلك أن الإعانة الاجتماعية من طرف إدارة الطفولة (3 آلاف فرنك فرنسي : حوالي ٦٠٠ دولار) قد توقفت، وعلى مستوى السكن لم يجد أفراد هذه الأسرة مأوى يناسبهم، فاضطروا إلى السكن في غرفة واحدة (۲۰ مترًا مربعًا) فالأب ليس له الحق في العمل بحكم قانون اللجوء لمن لم يحصل بعد على ترخيص، والأم تعاني من جراء الأضرار البدنية الناجمة عن اعتقالها في تونس، بالإضافة إلى التعقيدات التي عاشتها خلال عملية الولادة في الفترة الأخيرة، مع انعدام الضمانات الاجتماعية لتغطية كل المصاريف الطبية، ولا يخفى تأثير مثل هذه الظروف على نمو الأطفال واندماجهم ودراستهم.
يقول الأب: «خاطبنا رجال السياسة» (رئيس الجمهورية - العديد من الوزراء ورجال الاجتماع والدين (Abbe Pierre) ومنظمات حقوق الإنسان والطفولة والصحافة (باعتباره كاتبًا في صحيفة إسلامية في تونس سابقًا) وطرقنا كل الأبواب من أجل تحسين أوضاعنا، لكن الملف بقي إلى اليوم مجمدًا بقرار سياسي، وتساءل إلى متى يتواصل هذا الألم، ألم الانتظار في ظل ظروف اجتماعية ونفسية قاسية وبإقامة مؤقتة (3 أشهر) قابلة للتمديد، حتى أن الأم اضطرت إلى الذهاب بعد ولادتها لتمديد إقامتها.
ومن الحالات الدقيقة أيضًا حالة أسرة بها أطفال، وقد اضطر الوالدان إلى البقاء في فرنسا مع ابنتهما الصغرى لأسباب سياسية، في حين يعيش الأطفال الستة الآخرون في تونس، ولم تسلم الجدة التي تحتضن الأطفال الستة من المضايقات، فأصابها المرض وهم الآن عند عمتهم، أما الأب الممول الوحيد للعائلة فليس له الحق في العمل في انتظار الحصول على بطاقة اللجوء السياسي في فرنسا، ومما زاد وضعه تعقيدًا أنه أصيب بمرض أجريت له على إثره عملية جراحية.
حالات إنسانية
هذه عينات لمعاناة أسر هاجرت من أرضها وبلادها من أجل دينها، وبقيت ملفاتها المتعلقة بطلب اللجوء السياسي في فرنسا مجمدة، ومنعت من حقها القانوني؛ لأن مصالح فرنسا تصب في نفس مصالح الأنظمة في منطقة المغرب العربي التي تعتمد أسلوب الحل الأمني مع الإسلاميين.
وتجدر الإشارة أن فرنسا هي البلد الأوروبي الوحيد الذي يتعامل بهذه الطريقة مع طالبي اللجوء السياسي ذوي الانتماءات الإسلامية، ولم يسبق أن تعاملت بهذه الطريقة مع لاجئين سياسيين ينتمون إلى أيديولوجيات أو مناطق جغرافية أخرى، ففي ألمانيا على سبيل المثال تتكلف الإدارة بتغطية المصاريف الأساسية لطالبي اللجوء في انتظار النظر في ملفاتهم من باب الإنسانية، كما يلاحظ أنه في الوقت الذي تمنع فيه أسر طالبي اللجوء في فرنسا من المساعدات الاجتماعية، يسمح لأطفالهم بالدراسة، فكيف يسمح لهم بحق التعلم ويتم محاصرة أوليائهم اقتصاديًّا؟ أليس في ذلك تركيز على البعد الثقافي أي تشريب هؤلاء الأطفال الثقافة الفرنسية على حساب الجانب الاجتماعي؟
ثم ما هو مصير العديد من الشباب العزاب الذين يجدون أنفسهم بلا مساعدات مادية وبلا سند اجتماعي في وسط ثقافي مغاير لبيئتهم التي تربوا وترعرعوا فيها، فالسقوط في الفتن الأخلاقية يهددهم، فمن ينظر إلى هذه الحالات الإنسانية بعين الرحمة؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل