; المسلمون في ميانمار... وأصحاب الأخدود | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في ميانمار... وأصحاب الأخدود

الكاتب مصطفى يوسف اللداوي

تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2013

مشاهدات 65

نشر في العدد 2048

نشر في الصفحة 14

السبت 13-أبريل-2013

* لا يقتلون في بلادهم وحسب بل يطردون منها بمئات الآلاف إلى دول الجوار

* إدانات دولية للعنف واتهام للحكومة برعايتها للإبادة الجماعية

* لا يتمتعون بأي حقوق.. والسجن والقتل مصير أغلب أبنائهم

إنها قصة أصحاب الأخدود تتكرر من جديد، بقسوتها وضراوتها وشدتها ومرارتها، يسعر أوارها بحقد الكفار ولؤم المشركين، وعناد المستكبرين وتأمر الحاقدين، والعالم كله يقف أمام هولها متفرجا ساكتا، لا يعترض ولا يستنكر، ولا يشجب ولا يرفض، ولا يحاول الصد أو الرد أو المنع.

ليس في التاريخ الحديث جريمة تطهير عرقي وديني كما يحدث اليوم في ميانمار فقد شقت فيها الخدود بعلم الدولة، وأضرمت فيها النار بمسؤولية الحكومة، وحرقت البيوت أمام وسائل الإعلام، وقتل المسلمون أمام أنظار الكون كله، وحرق الأطفال والتلاميذ المسلمون في مدارسهم، وشرد أهلهم من مناطقهم وأخليت المدن والتجمعات منهم، وقد اتخذ البوذيون قرارهم بتصفية المسلمين والتخلص منهم، وكأن المسلمين ليسوا شركاءهم في الأرض لهم حقوق.

المسلمون في ميانمار لا يقتلون في بلادهم وحسب، بل يطردون منها بمئات الآلاف إلى دول الجوار، وتنتزع عنهم جنسية بلادهم. ويحرمون من امتيازاتها، ويتهمون في أوطانهم بأنهم غرباء أجانب ليسوا من أهل البلاد ولا من سكانها الأصليين، وإنما هم وافدون غرباء، ومهاجرون أجانب، لا حق لهم بالإقامة أو التملك فيها، فلا أرض يشترونها، ولا عقارات يمتلكونها، ومن حاول التملك يعاقب وتصادر أملاكه، ويمتلكها غيره.

كما تمارس السلطات البورمية في حقهم قوانين قاسية لتنظيم النسل، وتحديد عدد الأطفال، فلا تتزوج المرأة قبل أن تبلغ الخامسة والعشرين من عمرها، بينما يعاقب الرجل إذا تزوج قبل بلوغه الثلاثين، وقد يحقن بما يفقده الخصوبة ويصيبه بالعقم أو تحقن المرأة فلا تعود قادرة على الإنجاب كما فرضت الحكومة قوانين خاصة تمنع على المسلمين التزاوج لمدة زمنية معينة، مما يشجع على الفاحشة، وينشر الفساد والزنا بين المسلمين، ومن يتجاوز القوانين، أو يتزوج دون حصوله على إذن رسمي بالزواج، فإنه يسجن لأكثر من عشر سنوات.

أما المرأة المسلمة الحامل فيجب أن تخضع حملها للمراقبة الشهرية لا أمام طبيب نسائي ليراقب الحمل، ويتابع صحة وسلامة الجنين، بل بقصد التضييق على المرأة المسلمة، وإجبارها على نزع ثيابها، وكشف بطنها، وتعريضه لأشعة ضارة بحجة التصوير الملون لضبط حالات الولادة، والتدقيق على إحصاء المواليد وتعداد السكان، وتجبر المرأة الحامل على دفع رسوم عالية لإجراء الفحوصات الدورية الإلزامية، وقد تتعرض الأعمال اغتصاب وتحرش وانتهاك للعرض وهو ما أكدته اللجان الدولية العديدة. المسلمون في ميانمار ضعفاء محرومون وفقراء معدمون ومساكين مشردون، ومهمشون تائهون، لا يجوز لهم ممارسة التجارة والأعمال الحرة، إنما يسمح لهم بالعمل كعبيد أجراء يقومون بالأعمال الوضيعة.

انتهاك لحرمة الدين

ولا ينبغي أن يكون للمسلمين في ميانمار مساجد يصلون فيها، ولا دور عبادة تميزهم رغم أن مساجدهم قديمة فلا يسمح بترميمها ولا ببناء الجديد منها، ولا يسمح لهم بمقابر خاصة يدفن فيها موتاهم أو شواهد إسلامية تدل عليهم، ولا تراث إسلامي يختصون به، ولا يسمح لهم بتلاوة القرآن، ولا حق لهم في مدارس دينية ولا في تعليم خاص، بل إن الحكومة تتعمد تغيير المدرسين المسلمين بآخرين بوذيين متشددين ولا يسمح لطلابهم بالدراسة خارج البلاد، أو تلقي العلوم على أيدي مدرسين أجانب في الوقت الذي يحرمونهم فيه من مواصلة تعليمهم الجامعي في الجامعات البورمية وتمنعهم من طباعة أو إصدار أي كتب خاصة بهم.

مسؤولية السلطة

أما قرى وبلدات المسلمين فيجب أن تطعم وتهجن بمواطنين بوذيين، فتعمد الحكومة إلى بناء قرى نموذجية، ومساكن حكومية للمواطنين البوذيين في قلب الأحياء الإسلامية، وتزودها بكل التسهيلات اللازمة لتكون مميزة عن مساكن المسلمين الذين لا يجدون إلا أن يعملوا خدما وعمالا في المستوطنات الجديدة ولا يسمح للمسلمين باستضافة أحد في بيوتهم، ولو كانوا أشقاء أو أقارب إلا بإذن مسبق، أما المبيت فيمنع منعًا باتًا، ويعتبر جريمة كبرى ربما يعاقب عليها فاعلها بهدم منزله أو اعتقاله أو طرده من البلاد هو وأسرته.

السلطة الحاكمة في ميانمار تتحمل المسؤولية الكاملة إزاء ما يتعرض له المسلمون في بلادهم، إذ إن الذي يحرق البيوت والمتاجر ويطرد السكان ويقتل المواطنين، أو يجبرهم على التخلي عن دينهم، والتحول إلى البوذية وهي دين الدولة الرسمي، إنما هم جنود نظاميون وعناصر شرطة بلباسهم الرسمي، وأسلحتهم النظامية، حيث يرتكبون هذه الجرائم المنظمة وفق تعليمات واضحة، وتوجيهات مباشرة من قيادتهم العليا، والذي يجبرهم على العمل بالسخرة في الثكنات العسكرية، وفي بناء الجسور وحفر الأنفاق إنما هو جيش الدولة والسلطة الحاكمة.

نصرة واجبة

المسلمون مطالبون قبل غيرهم بالأصالة عن أنفسهم، بالوقوف إلى جانب إخوانهم المسلمين ونصرتهم، وتأمين حياتهم، والعمل على رفع الظلم عنهم، وإعادة الحقوق إليهم، وتحريك المجتمع الدولي كله لنصرتهم وإغاثتهم، إذ إنهم لا حول لهم ولا قوة، ولا عندهم بأس ولا منعة.

كما يجب على المسلمين أن يرفعوا الصوت عاليًا ضد بكين، التي تدعم الحكومة البورمية وتقدم لها السلاح، وتدعم سياستها العنصرية أمام المحافل الدولية، فالمسلمون في بورما يقتلون بإرادة صينية، ويعدمون بمظلة بوذية تنمو وتترعرع عندهم، والعلاقات العربية والإسلامية مع الصين كبيرة جدا، فينبغي استغلالها للضغط على حكومتهم لترفع الغطاء عن الحكومة في ميانمار التي تمارس القتل، وتسكت عنه.

كما يجب على حكومة بنجلاديش بالتعاون مع منظمة المؤتمر الإسلامي كونها الدولة الأكثر استضافة للاجئين المسلمين من بورما والأكثر معاناة من تدفقهم، أن تضغط على حكومة بلادهم لإعادتهم، وتحسين شروط عيشهم، وضمان مستقبلهم في بلادهم وعلى أرضهم، فهذا هو حقهم الطبيعي، الذي لا ينبغي أن يحرمهم منه أحد.

المسلمون في ميانمار يحتضرون ويفتتنون ويضطهدون ويعذبون، وتشق لهم الأرض أخاديد كبيرة، ويشعلون لهم فيها نارًا ذات وقود، إنهم على خطر عظيم، ويتعرضون لشر مستطير ويواجهون مصيرا مجهولا ومستقبلا غامضا، ولكنهم مستمسكون بدين ربهم كالقابضين على الجمر.

إدانة دولية جديدة للعنف في ميانمار

أعرب وفد من أربعة أعضاء في البرلمان الأوروبي زاروا ميانمار أخيرًا عن قلقهم إزاء تواصل انتهاك حقوق الإنسان في هذا البلد.

وحذرت النائبة باربارا لوشبيلر، التي ترأست الوفد في بيان، من أن انتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا يزال متواصلا في ميانمار، مشيرة إلى أن هناك نقصًا في التنمية الاقتصادية لأغلبية الشعب البورمي.

وحثت الحكومة البورمية على الإفراج عن المعتقلين السياسيين، واتخاذ كافة التدابير الحماية كل الأقليات دون استثناء، بمن في ذلك أقلية الروهينجيا المسلمة، وسن سياسات اقتصادية تعود بالنفع على أغلبية الشعب وليس على دوائر ضيقة.

ودعا أعضاء البرلمان الأوروبي إلى إشراك المجتمع المدني في التنمية، وأعربوا عن تأييدهم للانتقال الديمقراطي وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان في ميانمار.

كما أعرب الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، عن قلقه إزاء تجدد العنف الطائفي مؤخرًا في ميانمار، وذلك خلال زيارته الحالية للبلاد.

وقد أخبر كارتر الرئيس الميانماري تين سين أن المجتمع الديمقراطي لن يقوم إلا على أسس من الاحترام المتبادل والتسامح والتراحم وتقبل الآخر، وأكد كارتر انزعاجه بما تم تداوله من تقارير عن استخدام لغة عدائية من قبل بعض الرموز والمشاهير ورجال الدين في ميانمار.

الرابط المختصر :