; المشاركة الإسلامية ضرورة حتمية في مؤتمر بكين | مجلة المجتمع

العنوان المشاركة الإسلامية ضرورة حتمية في مؤتمر بكين

الكاتب د. حسين نصر

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1995

مشاهدات 49

نشر في العدد 1164

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 29-أغسطس-1995

يجب على المسلمين ألا يكتفوا بالشجب والإدانة... وإنما عليهم القيام بدور أساسي ومؤثر في هذه المؤتمرات

بعيدًا عن الشعارات العاطفية التي يطرحها البعض، وهو يناقش قضية المرأة عشية انعقاد المؤتمر العالمي الرابع للمرأة في العاصمة الصينية بكين في مطلع سبتمبر القادم، فإن المنطق السليم يفرض على المسلمين ضرورة وحتمية المشاركة في هذا المؤتمر بصرف النظر عما تحويه وثيقته الأساسية من أفكار وآراء يتعارض بعضها مع ما قرره الشرع الحنيف من مكان ومكانة للمرأة داخل المجتمع الإسلامي.

فمنذ عقود طويلة ظل المسلمون ينظرون إلى الطرح الغربي لقضية المرأة أيًا كان توجهه على أنه طرح مخالف بدرجة مائة في المائة للطرح الإسلامي، واستنادًا إلى هذا التصور الذي تغذيه نظرية المؤامرة والأفكار المسبقة التي ترى في كل اقتراب دولي من هذه القضية اعتداءً على الإسلام وعلى حقوق المرأة المسلمة عزف المسلمون عن المشاركة في المؤتمرات الدولية التي خصصت لبحث هذه القضية مكتفيين ببيانات الإدانة والشجب العاطفية، وهو الأمر الذي لم يخدم الإسلام ولا المسلمين، وزاد من غموض موقف الإسلام من المرأة، وبالتالي من تحامل الغرب على الطرفين، فقد كان لغياب الصوت الإسلامي في الملتقيات والمؤتمرات الدولية التي عقدته المنظمة الدولية وغيرها من المنظمات الشعبية وغير الحكومية انعكاسات سلبية على فهم الغرب لوضع المرأة في الدول الإسلامية، وحقيقة المشاكل التي تواجهها، وأدى هذا الغياب إلى أن تصاغ القرارات الدولية في هذا المجال بطريقة لا تضع في اعتبارها خصوصية وضع المرأة في الإسلام.

والإيجابي في حالة مؤتمر بكين هو تزايد الاهتمام الإسلامي بالمشاركة الفاعلة فيه، هذا الاهتمام الذي بدأ في مؤتمر السكان بالقاهرة العام الماضي، وكان من ثمرته أن صدرت التوصيات التي رأى فيها المسلمون تعارضًا مع الشريعة بصورة اختيارية وغير ملزمة إلى جانب إيصال الرؤية الإسلامية للأسرة والمجتمع والمرأة إلى العالم أجمع عبر هذا المؤتمر، الذي وفر العديد من النوافذ الإعلامية العالمية التي خرجت عبرها الرؤى الإسلامية إلى خارج الأقطار الإسلامية، فطوال العام الحالي عقدت منظمات إسلامية عديدة مؤتمرات خاصة للإعداد لورقة عمل إسلامية يتم طرحها في مؤتمر بكين لتكون معبرة عن الرؤية الإسلامية، حتى لا يترك المجال خاليًا أمام الرؤى الغربية والعلمانية وحدها، وقد تخلصت هذه المؤتمرات من سلبيات المناقشة العاطفية، واستخدمت أساليب البحث العلمي في بلورة أفكارها وتوجهاتها، وكان من أبرز هذه المؤتمرات المؤتمر العالمي للمرأة المسلمة المهاجرة الذي عقد بمدينة الشارقة بالإمارات العربية المتحدة في شهر نوفمبر الماضي نفسه، بالإضافة إلى مؤتمرات أخرى شهدتها تونس والقاهرة وأكثر من عاصمة عربية أخرى، كما كان للحضور النسوي الإسلامي في المؤتمر التحضيري الذي عقد بنيويورك في مارس الماضي للتحضير لمؤتمر بكين آثاره الإيجابية في تعديل بعض الصياغات الغربية في الوثيقة المقدمة للمؤتمر.

وثيقة الأزهر

وعلى المستوى الرسمي فكما كان للمؤسسات الدينية الكبرى مثل الأزهر الشريف دورًا مهمًا في السيطرة على الخطر الذي جاء به مؤتمر السكان، فإنه بادر إلى تشكيل لجنة علمية لدراسة وثيقة مؤتمر بكين، لكشف ما بها من أخطاء، وإظهار الوجه المشرق للإسلام في قضية المرأة، وحماية الدين والقيم والعقيدة، وسيحملها معه الوفد المصري الرسمي إلى المؤتمر، وربما وفود عربية وإسلامية أخرى، كما شكل المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة لجنة من الشخصيات النسائية للمشاركة في المؤتمر تحمل معها دراسات علمية أعدتها لجان متخصصة قامت بدراسة أوراق ووثائق المؤتمر، ومن المتوقع أن تتبنى الوفود الإسلامية مشروع ميثاق حقوق المرأة والطفل الصادر عن الأزهر الشريف في هذا الصدد.

لقد أصبح من الصعب في عالم «القرية الصغيرة» أن يتجاهل المسلمون حقائق تردي أوضاع المرأة في جميع أنحاء العالم، هذا التردي الذي يحتاج إصلاحه تقديم العلاج الإسلامي له، وليس فقط الوقوف عند حد اتهام الغرب بمحاولة فرض قيمه على العالم فالحقيقة أن القيم الإسلامية لا يمكن أن تتأثر بما يطرحه الغرب من رؤى مخالفة لها، ولكن قيم الغرب هي الأكثر عرضة للتغير إذا ما عرض المسلمون الرؤى الإسلامية دون تشنج وعصبية، وحاولوا الالتقاء مع أصحاب الرؤى القريبة مثل الفاتيكان وبعض الكنائس المسيحية المحافظة.

لقد كانت الضجة التي ثارت قبل وأثناء مؤتمر السكان ترجع أساسًا إلى أن غالبية من عارض المؤتمر وندد به لم يكن قد قرأ أوراقه ووثائقه أو قرأها وانتقى منها نقاط التعارض وهاجمها دون أن يصرف جزءً من جهده في تقديم البديل الإسلامي لها، وأعتقد أننا لسنا في حاجة إلى تكرار مثل هذا الخطأ.

أفكار أمريكية.. وردود إسلامية

إن الولايات المتحدة التي تأخذ على عاتقها مهمة إنجاح مؤتمر بكين وتشارك فيه بوفد على أعلى مستوى على رأسه هيلاري كلينتون- قرينة الرئيس الأمريكي ومادلين إلبرايت- المندوبة الأمريكية الدائمة في مجلس الأمن، تطرح العديد من الأفكار والرؤى التي يمكن للمسلمين أن يؤكدوا تميز الطرح الإسلامي فيها بدلًا من الهجوم عليها، فإنهاء العنف الذي يمارس ضد المرأة، وتحسين ظروفها التعليمية والصحية، وتأكيد مسؤوليات الرجل في الأسرة، وإمكانية استقلال ماليتها عن مالية الرجل، وتأكيد حقوقها السياسية هي أمور لا يعارضها الإسلام، وينظمها بطرق أكثر إنسانية واحترامًا، وتستأهل اهتمام إسلامي بإبرازها أمام المؤتمر.

تحديات حقيقية

إن وضع المرأة في العالم يواجه بتحديات حقيقية لا يجب أن نتجاهلها بدعوى أن الغرب يريد من خلال إثارتها فرض حلول قيمية لها على العالم الإسلامي، بل يجب أن نواجهها مع العالم من منطلق التكافؤ، إن النساء يشكلن نحو ٦٠٪ من إجمالي بليون فقير في العالم، وفي أمريكا وحدها يعيش 23٪ من النساء تحت خط الفقر، كما يشكلن ٦٥٪ من إجمالي ٩٠٥ ملايين أمي و٤٠ من مرضى الإيدز وفي الولايات المتحدة تتعرض امرأة للضرب كل ١٨ دقيقة، وفي الهند تقتل خمس سيدات في اليوم الواحد، كما أن ٨٠٪ من إجمالي اللاجئين في العالم من النساء، هذه كلها حقائق لا تمس وضع المرأة في العالم الإسلامي، وتمنح الفرصة للمشاركين من المسلمين للمقارنة بين الثقافة التي يقدمها الإسلام والثقافة التي يعتدى فيها على المرأة كل ١٨ دقيقة.

صحيح أن الوثيقة تحتوي على بعض العبارات التي يتعارض محتواها مع الرؤية الإسلامية، ولكن هذا لا يعني أن نصور الأمر على أنه شر كله، حتى نجد مبررّا للتقاعس عن المشاركة، وهو تقاعس سيحاسب الداعون إليه أمام الله، كما أنه لا يعني أن المرأة المسلمة لا تتعرض هي الأخرى لانتهاك العديد من حقوقها داخل الدول الإسلامية التي ابتعدت عن تعاليم الإسلام، وتستند في معظم تعاملها مع المرأة على أعراف وتقاليد لا يتفق معظمها مع الإسلام ولعل هذا ما عبر عنه مؤخرًا وبصدق السيد كامل الشريف- أمين عام المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة- عندما قال: «على المرأة المسلمة أن تنفض عنها غبار السلبية، وأن تستوعب دورها في تنمية المجتمعات الإسلامية وإحاطة الأمة بسياج من الفضائل التي حث عليها الدين الحنيف، فالمرأة لا تزال تتعرض لقيود تحد من نشاطها، وتتجاوب مع التقاليد والأعراف التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية التي كفلت كرامة الإنسان ذكرًا أو أنثى وضمنت تطوره المادي والروحي».

الرابط المختصر :