العنوان المشروع الإسلامي للنهضة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2008
مشاهدات 53
نشر في العدد 1789
نشر في الصفحة 39
السبت 16-فبراير-2008
المشروع الإسلامي للنهضة مشروع إنساني بكل المقاييس لأن الإنسان هو المناط به التكليف، ومن أجله وجدت الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (البقرة: ٢٩ )، وهو الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه فقال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (الحجر: 29)، وشرفه وأسجد له ملائكته: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ﴾ (البقرة: ٣٤)، وعلمه الأسماء كلها: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة:31)، وكرمه وفضله:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (الإسراء: 70). واصطفى من سلالته رسله وأنزل عليهم كتبه هداية للناس، وفضلًا من الله ونعمة لعباده.
فلهذا كانت سعادة الإنسان وتكريمه هدف كل تنمية وتقدم في الشريعة الإسلامية، وكان الإيمان هو منبع الرقي الإنساني ووسيلة إلى تحقيق كل سمو وارتفاع، حيث يزكو بالنفس الإنسانية ويرتفع بخصائصها التي يتميز بها عن غيره من المخلوقات. ولما كان الإيمان بأركانه وقواعده، والأخلاق بمكارمها ومحاسنها أسمى ما يميز المسلم، فإن مشروع الإسلام مبني على عقيدة راسخة إذ إنها تحيي الضمائر فتمنع المنكر والحرام. وتحض على المعروف والحلال ولا تكتفي بأداء الواجبات بل تدفع إلى الإتقان والإحسان والتضحية في سبيل الخير.
هذا، وقد أعلى الإسلام مكانة الفرد. وجعله مناط المسؤولية ومحور التكليف وحمل الأمانة وجعل الأعمال الطيبة مقياس الفضل والإكرام في الدنيا والآخرة.
وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: «ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، كيف أجود على من يبخل بطاعتي؟!». وعن شهر بن حوشب أنه قال: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وخذلان. وعن رابعة العدوية أنها أنشدت:
ترجــــــو النجـــــــاة ولم تسلك مســــــالكهــــــــــا
إن الســـــــفـــــينـــــة لا تجـــــــــــري على اليــــــبـــــــــس
وقال اليافعي:
ويا عـــــجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبــــــًا ندري بنار وجنة
وليس لذي نـــــشتــــــــــــــــاق أو تلك نحــــــــــــــــذر
إذا لم يكن خوف وشوق ولا حيـــــــا
فمـــــــاذا بقي فيــــــــــــــــــــنا من الخـــــــــــــــــــير يذكـــــر
تبيع خـــــــــــــطيرًا بالحقــــــــــــــير عمــــــــــــــــــاية
ولــــــــــــــــــيس لنــــــــــــا عقــــــــــــــــــل وقـــــــــلب منــــــــــــور
والحقيقة التي لم يعد هناك مفر منها أنه لا بد أن يتقدم الكتاب والمفكرون في الأمة الإسلامية بتصوراتهم للمشروع الحضاري الإسلامي الذي أصبح اليوم ضرورة ملحة بعد أن مر المسلمون والعرب خلال السنوات الأخيرة بتحديات خطيرة واجهتهم، وأخطار جسيمة حاصرتهم، مما يتطلب وضع تصور أصيل مستمد من الإسلام ليكون بديلاً عن المشروع الحضاري الغربي الوافد الذي ثبت عجزه وكان وسيلة استعمار واستغلال للأمة والنظام الإسلامي في الحقيقة هو المنطلق الحقيقي لبناء مشروع حضاري متميز يحفظ الفرد ويوحد الجماعة. ويصون إنسانية الإنسان بقواعد ثابتة وأسس راسخة منها: حفظ الضرورات الخمس للإنسان وهي حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل وحفظ الأعراض، وحفظ الأموال.
ثم يؤسس المنطلقات، وهي: الشورى، العدالة، الحدود والضوابط، المنظومة الأخلاقية.
وهذه القيم الإسلامية مع ما يحيط بها من تعاليم قويمة هي منطلقات المشروع الحضاري، ومن هذه التعاليم:
۱- شحذ طاقات الفرد الروحية بترسيخ العقيدة السليمة بالله الواحد الأحد في عقله ووجدانه، وتعميق تصوره للكون والحياة: ليدرك الفرد مغزى وجوده وحقيقة مسؤوليته في هذه الحياة.
2- تقوية الدافع الإيماني في نفس الفرد والارتقاء بأخلاقه، وتزكية نوازع الخير والصلاح المركوزة في فطرته حتى تنشط في وجدانه إرادة فعل الخير، ويدفع امتهان الإنسان والظلم الذي يقع عليه، محاولًا محقه وتدميره: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ (الشورى: 39).
3- غرس روح الجماعة لدى الفرد وتربيته على الشورى، وتفتيق المراكز النفسية للتكافل الاجتماعي في وجدانه، وإثارة نوازع الرحمة وإشاعة روح المحبة وتنمية خلق الإنسان بإثارة روح المحبة وتنمية خلق الإحسان والإيثار ومحاربة النزعة الفردية والعنصرية.
4- إيجاد المناخ الملائم لإطلاق طاقات الفرد وإبداعاته، وإحاطته بالعدل وتوفير الحماية القانونية والمادية الكفيلة بصون كرامته، وحماية حريته وحفظ حقوقه، وإتاحة الفرص المتكافئة أمامه ليتحرر من كل الضغوط البيئية والاجتماعية، ومن الضر والغين، ومن الشعور بالإحباط.
5- بناء الفرد بدنيًا بالرعاية الصحية الشاملة «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»...
6- غرس روح الانتماء لدى الفرد وتعزيز قيمها في الانتماء لوطنه وأمته، «ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»، «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه»، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: ٢).
7- تأهيل الأفراد مهنيًا ليكونوا قادرين على المساهمة في نهضة المجتمع وتقدمه وليس كلًا على أحد: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: 10)، «ما أكل أحد طعامًا قط خير من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده».
8- التأكيد على مكانة الأسرة باعتبارها اللبنة الأولى في البناء الاجتماعي، وتوفير كافة الاحتياجات الكفيلة بحماية الأسرة، وحماية الطفولة والأمومة ورعايتها.
هذا وغيره من القيم العظيمة التي أقام عليها الإسلام منهجه الأصيل على أساس وحدة الفكر الجامع الذي يوسع دائرة الالتقاء والتعارف بين الأمم، وتضييق دائرة الخلاف، وإقامة العدالة وعدم التعدي وحجز النفس عن الطمع فيما عند الآخرين، وتحريم الاعتداء، هذا هو الذي يضيق دائرة الخلافات حتى تصل الإنسانية إلى عصر التراحم والوفاء من خلال هذا المنهج الرباني الذي رسمه الحق سبحانه وتعالى بديلًا عن النظام البشري العنصري القائم على الصراع والقتال وإثارة الفتن والأحقاد والخصومات والمطامع كالذي نراه اليوم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، وتنفيذ هذا المنهج يحتاج إلى رجال الصدق ومجتمع الهداية وعقول الفكر والفقه، فهل يتحقق ذلك؟ نسأل الله الهداية.. آمين.