; المصدومون اليوم | مجلة المجتمع

العنوان المصدومون اليوم

الكاتب سالم الفلاحات

تاريخ النشر الجمعة 06-يناير-2012

مشاهدات 74

نشر في العدد 1983

نشر في الصفحة 66

الجمعة 06-يناير-2012

للفلك دورات وللزمن أيضًا دورات، وللشمس غياب، وللغياب شروق يكون بعد ساعات الليل الأشد ظلمة. 

هذه سنن كونية متحققة لا محالة، وإن كانت مطردة كونيًا، فهل ستتخلف إجتماعيًا؟

حاول المصلحون على فترات التاريخ النهوض بشعوبهم وأممهم كلما قرؤوا سطرًا من تاريخها، أو رأوا ما حولهم من تقدم وحرية تتحقق في أقطار عالمية مشابهة، ولكن زمنهم ربما لم يكن قد حان أوانه، أستطاعت بعض أقطار العرب في أفريقيا أن تبدأ الخطوات الأولى في حريتها وسعادتها وسيادتها وكرامتها، بعد كم هائل من تراكم الظلم والإستبداد والتخلف واليأس والتبعية، وجرت فيها إنتخابات نزيهة بشهادة القاصي والداني، لم تألفها من قبل ولم تذق طعمها، فأعطت الشعوب في الأقطار المتحررة ثقتها لمن كان محرومًا مشردًا مطاردًا، لم تجرب عليه غدرًا ولا أنانية ولا إستئثارًا،  ولربما فرحت تلك الشعوب أن قرارها ومصيرها أصبح بيد أمناء، لهم مرجعية قيمية وأخلاقية وشرعية، يؤمنون بالعمل المؤسسي، ويحاربون الفردية أيًا كانت، ويقرّون بأن كل شخص مهما علا شأنه يؤخذ من كلامه ويُترك، سوى المعصوم محمد ﷺ المسدد بالوحي الذي أنقطع عن الأرض بوفاته.. مع مراقبة الشعوب لهؤلاء دائمًا.

لكن الغريب الذي لا تفسير منطقيًا له هو رد فعل بعض أرباب الديمقراطية الذين صدّعوا رؤوس الناس بمدحها والحنين إليها، ولما لم تفرزهم رفعوا عقيرتهم بالويل والثبور السواهم وأخترعوا لهم من التهم ما لم تتقنه شياطين الجن، وسوّدوا الصحف ودبّجوا المقالات ودبوا الصوت «لهول الصدمة»، محذرين من الإسلاميين الذين صوّروهم على أنهم أخطر من الظلم والإستبداد والإستعباد والفساد الذي ساد الشعوب العربية يوم حكموها طيلة الفترة الماضية في مصر وليبيا وتونس وجنوب اليمن والعراق وسورية.. وفي أقطار أخرى ولا تزال ضحاياهم ماثلة للعيان، ودماء بعضها تسيل اليوم وغدًا فيما تبقى من أنظمتهم، وهي إلى زوال -إن شاء الله- وما سورية عنا ببعيد. 

نعم، إن صدمتهم كبيرة، ولم يظنوا أن تخويف الشعوب من الإسلام والإسلاميين وتضليلها وإرهابها لفترات طويلة يمكن أن يجعلها تختار غيرهم أو تشرك معهم سواهم، فإذا بها تلفظهم إلا قليلًا، فانقلبوا على الخطوات الأولى في مشاريع الإصلاح، ولربما كانوا أشد على الشعوب وعلى الإصلاحيين من الفاسدين المستبدين أنفسهم، ولربما أصبحت خيارات بعضهم العودة إلى عهد العبودية والظلم والأثرة والتخلف إن كان البديل القادم غيرهم.. ولعلهم تناسوا أن الشعوب جربتهم وأنتظرت وعودهم التي لم ترَ النور، وأكتوت بنار ظلمهم وإغتيالاتهم وسجنهم وفرديتهم عقودًا طويلة، وقد حانت ساعة الوفاء.

الدول أقوى من الأحزاب، لكن الشعوب التي تتشكل قناعاتها ببطء شديد وتشرع بتحركاتها بتؤدة ولكن بقناعة راسخة أقوى من الطرفين معًا، وهي بمجموعها إن ملكت حريتها لا تجامل وتقول كلمتها وقد قالت وستقول.

ان على المصدوم أن يصغي ويستمع، ليعين نفسه ولا يسترسل في الصراخ والعويل والتخوين، لأن ذلك سيحشره أمام الناس في خانة من رفع عنهم التكليف، ومن ينتظر المجتمع تواريهم عن الأنظار والإهتمام عما قريب، ولن يسمع لبكانياتهم عاقل.

وما الذي يمتعهم أن يراجعوا خطواتهم ومسيرتهم، ويرضوا بإختيار الشعب وبقراره، وينخرطوا في خدمة أمتهم، ويتقدموا ببرامجهم، فلعلها أكثر إقناعًا لينالوا جولات قادمة.

إن الشعوب إذا ثارت على الأنظمة المستبدة وهي في أقوى حالاتها ولم تأبه بها، لن تسمع الفردي صغير أو لمستبد مبتدئ -فما بالك إن كان مجريًا- أن يلعب بها، فقد عرفت طريق كرامتها وحريتها وسيادتها ولن تنخدع بعد اليوم، والرجوع إلى الخير والمنطق خير من التمادي في الباطل، ولا نملك إلا أن ندعو لأمثال هؤلاء: اللهم أشفِ أنت الشافي.

 

 

الرابط المختصر :