العنوان البوسنة.. ومنعطفات هامة في مسار الحرب
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1992
مشاهدات 58
نشر في العدد 1006
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 07-يوليو-1992
|
* بات الصف الإسلامي
يمتلك القدرة ليس فقط على الدفاع عن نفسه ولكن الهجوم للتحرير |
أربعة أحداث مهمة شهدتها القضية البوسنوية
في الفترة الأخيرة قد يكون من المفيد تسجيلها والوقوف عندها قليلًا، فعلى صعيد
المعارك العربية شهدت جبهات القتال تقدمًا وإن كان طفيفًا إلا أنه ذو أبعاد عميقة
تمثل في تحقيق بعض الانتصارات الجزئية للمسلمين واستردادهم بعض المواقع المهمة،
وهذا يعني أن الصف الإسلامي بات يمتلك القدرة ليس فقط على الدفاع عن نفسه ولكن
ممارسة بعض الأعمال الهجومية لاسترداد ما سلب منه، ولا نريد في هذا الصدد أن نفرط
في التفاؤل ولكن يجب الإشارة أن السكين الصربي ظل يعمل منذ فترة طويلة في رقاب
المسلمين منذ بداية الحرب دون مقاومة تذكر، فإذا بات المسلمون اليوم يمتلكون ليس
فقط الدفاع عن انفسهم ولكن الهجوم أيضًا فيجب اعتبار ذلك تحولًا كبيرًا في مسار
الحرب في ظل وصول كميات لا بأس بها من السلاح تمكن المسلمون خارج البوسنة من
إيصالها إلى داخل مدنها وأن ظلت في حيز الأسلحة الخفيفة التي يجب على حامليها
مواجهة الآلية العسكرية الصربية الجيش يعتبر الثالث على مستوى أوروبا والأسلحة
الثقيلة القليلة جدًا التي بأيدي المسلمين الآن هي صربية الأصل (أو بمعنى آخر
تابعة للجيش الفيدرالي الذي شارك المسلمون في تسليحه عبر سنوات طويلة)، وقد غنمها
المسلمون أثناء المعارك على نسق تطور الحرب في أفغانستان حيث مثلت الغنائم قسطًا
كبيرًا من سلاح المجاهدين.
ومن ناحية أخرى نجحت أيضًا قوافل من
المتطوعين المسلمين القادمين من جمهوريات أخرى كانت يومًا تحت عباءة الاتحاد
اليوغسلافي في الوصول إلى مواقع مهمة داخل البوسنة ودعم القوى الإسلامية الموجودة
هناك، وقد استطاعت تبعًا لذلك قوات الدفاع البوسنوية المشتركة من فصائل الإسلاميين
والكرواتيين من استرداد ثلاثة مواقع مهمة على التلال المحيطة بسراييفو العاصمة
والتي ظلت منذ بداية الحرب مصدرًا خطيرًا لدك المدينة، كما استطاعت القوات
المشتركة تحقيق بعض الانتصارات الميدانية الأخرى واسترداد بعض المواقع حول مدينة
موستار ثاني المدن البوسنوية أهمية بعد العاصمة، وقد انعكس ذلك كله على موقف
القيادات السياسية للمسلمين في البوسنة والهرسك، وأعلن على عزت بيجوفيتشي الذي كان
دائم الحديث عن الحلول السلمية «أن خيار الحرب قد فرض علينا» وأن «القيادة الصربية
لا تفهم غير لغة القوة»، كما أعلن رفضه للحوار مع الطرف الصربي طالما استمرت
اعتداءاته الوحشية على الأراضي البوسنوية، وقال: إن أساسًا جديدًا لعقد اتفاق بين
المسلمين والكروات والصرب يجب أن يصاغ بديلًا عن الأسس القديمة، في إشارة إلى
الضغوط الأوروبية المبذولة في هذا الإطار لدفع الطرف الإسلامي إلى قبول فكرة
التقسيم كحل أخير للخروج من الأزمة.
أما الحدث الثاني فهو بعض صور التخلخل في
الصف الصربي وقد تمثل ذلك في موقف المعارضة العربية المطالب بتخلي الرئيس الصربي
سلوبودان ميلوسيفتشي عن منصبه، وقد توحدت في ذلك أحزاب المعارضة المختلفة بالإضافة
إلى الطلاب وأساتذة الجامعات وكذلك الكنيسة العربية التي ظلت دائمًا نصير النزعات
القومية، وفي البوسنة نفسها أعلن عن انضمام عضوين صربيين إلى مجلس رئاستها مخالفين
بذلك الموقف الصربي بالمقاطعة، وقد هددهما كرادجيتشي الزعيم الصربي، ورئيس الحزب
الديمقراطي الصربي في البوسنة واعتبر أنهما مخالفان للإرادة الصربية في حين هاجماه
بشدة إلا أن ذلك يبقي محاطًا بدوائر كثيفة من التشكك في نيات المعارضة، فأحلام
صربيا الكبرى القائمة على أراضي المسلمين ما فتئت تتحكم في الأصول الفكرية
للمعارضة والحكم على السواء وتبقى مساحة الخلاف بينهما في الأساليب والتكتيكات
اللازمة للوصول إلى الهدف، ومازال المواطن المسلم البسيط في البوسنة تتملكه الدهشة
من أن جاره الصربي ظل يختزن في وجدانه كل هذا الحقد والكراهية ضد كل ما هو مسلم
وحتى ما يتردد عن رفض بعض الفئات من الصرب لهذه الأساليب الوحشية في تصفية الوجود
الإسلامي فإن هذه الفئات ترضخ في النهاية وتمارس نفس الأساليب تعرضها التهديدات من
قياداتها القومية المتطرفة.
الكيُّ.. آخر الدواء
وتمثل الحدث الثالث في إعلان القيادتين
البوسنوية والكرواتية عن وصولهما إلى اتفاق دفاع مشترك يتيح للقيادة البوسنية أن
تطلب الدعم العسكري المباشر من كرواتيا، وفي هذا الصدد يجب التذكير بأن هذا ليس هو
الاتفاق الأول في مضمار التحالف غير المعلن بين المسلمين والكرواتيين، فقد أعلن
قبل حوالي شهر من أن فكرة الكونفدرالية بين البوسنة والهرسك وبين كرواتيا تناقش
بين قيادة البلدين، ولقد لقيت الفكرة وقتها بعض الانتقادات حيث إنها ستعطي الأقلية
العربية في البوسنة حق إعلان كونفدرالية مع صربيا وتكون هذه الخطوة بداية الوحدة شاملة
مع صربيا مما يعني في النهاية تقسيم البوسنة، ويبدو أن هذه الاعتراضات وغيرها
أبطأت خروج هذا التصور للتعاون بين الطرفين إلى حيز التنفيذ، ومن ثم أتى ما أعلن
عن قرب توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين ويبدو أن القيادة البوسنية قد لجأت
إلى هذا الاتفاق على سبيل «آخر الدواء.. الكي» ولهذه الخطوة أخطار يجب ألا يستهان
بها، فكرواتيا حليف لا يجب الاطمئنان إليه كثيرًا، فأحلامها في ضم المناطق التي
يعيش فيها كروات في البوسنة لا تغادر مخيلتها، ومن حين لآخر يعلن عن عقد لقاءات
سرية بين بعض القيادات الكرواتية والصربية للوصول إلى اتفاق نهائي في شأن تقسيم
البوسنة بينهما، وقد كان آخر هذه اللقاءات في مدينة جراتس النمساوية، وتراهن
القيادة المسلمة في البوسنة على استحالة الوصول إلى اتفاق بين القيادتين الكرواتية
والصربية في هذا الشأن، لكن وجود قوات مسلحة نظامية لكرواتيا في أراضي البوسنة
تعتبر- بلا شك- ذراعًا طويلًا لها، قادر على تحقيق الأحلام التوسعية المختزنة في
ذاكرتها، ويضع الطرف البوسني المسلم هذا في حسبانه، ولذلك فإن الخلاف الدائر بين
الطرفين المسلم والكرواتي في شأن التوقيع النهائي لاتفاقية الدفاع المشترك يدور
حول طلب المسلمين أن تكون قيادة القوات الكرواتية في البوسنة في يد القيادة
المشتركة للدفاع عن البوسنة والتي هي بمثابة نواة الجيش البوسني.. وليست في يد
قيادة الجيش الكرواتي.
ومما يثير الشكوك في مسألة نيات الطرف
الكرواتي أن أربعين بالمئة من أراضيه مازالت محتلة من قبل الصرب، وأنه أدعى لقواته
المسلحة أن تحرر أراضيها في كرواتيا بدلًا من الذهاب إلى البوسنة لدعم المسلمين
هناك، خاصة إذا علمنا أن الكروات في البوسنة مسلحون تسليحًا جديدًا.
ونعود فنقول: إنه في ظل المذابح الوحشية
للصرب في حق المسلمين وفي ظل عدم فاعلية أي خطوات تتخذ من أي طرف خارجي نصير
للبوسنة يجد المسلمون أنفسهم في موقع من هو مجبر على استخدام آخر الدواء.. الكي.
* المعارضة والحكم في صربيا يصدران من وعاء واحد
اسمه صربيا الكبرى
مؤتمر
وزراء الخارجية
|
* المعارضة والحكم في صربيا يصدران من وعاء واحد
اسمه صربيا الكبرى |
وهذا يقودنا للحدث الرابع وهو انعقاد
مؤتمر وزراء خارجية المسلمين في إسطنبول للبحث في شأن قضية البوسنة والهرسك، وقد
سبق انعقاد المؤتمر حملة إعلامية ضخمة وصفته بأنه «أهم وأخطر تجمع إسلامي على
مستوى وزراء خارجية الدول الإسلامية» وبأن مقترحات عملية ومهمة تعكس اتفاقا عربيًا
كاملًا سوف تطرح للنقاش في المؤتمر، وأعلن عن مقترحات تركية لاعتماد مبدأ التدخل
العسكري في البوسنة لصنع السلام وليس لحفظه، وقد سارعت قيادة البوسنة بالتصريح
بأنها لديها مسودات المقترحات التي يؤمل طرحها على المؤتمر لكنها ترى حتمية الخيار
العسكري وألا يقف المؤتمر عند حد الإدانة والشجب، وهذا ما حدث تمامًا فلم تخرج
قرارات وتوصيات المؤتمر عن إطار الإدانة والشجب ومطالبة المجتمع الدولي بالتدخل
عسكريًا في حال فشل إجراءات المقاطعة الاقتصادية ضد صربيا، وحث المؤتمرون مجلس
الأمن الدولي على تنفيذ الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يدعو إلى القيام
بعمل منسق القوات جوية وبحرية وبرية لإعادة السلم والأمن الدوليين، وأعلن المؤتمر
عن برنامج مشترك لتوفير المساعدات الإنسانية والإعمارية لشعب البوسنة والهرسك.
وهكذا تكشف منظمة المؤتمر الإسلامي مرة أخرى عن هشاشة دورها وفقدانها الفاعلية القادرة على إحداث تغيير حقيقي في مسار الأحداث، مما دفع بأحد القيادات الإسلامية لأن يقول: لقد أعربنا مرارًا عن رغبتنا واحتياجنا لدعم عسكري يحول دون أن نصبح فلسطين أخرى في المنطقة، وفضلنا أن يأتي الدعم الإسلامي في صورة بندقية وليس رغيف خبز، ويضيف في مرارة لكن يبدو أن الأحداث تؤكد وجهة النظر القائلة بأننا يجب الاعتماد أولًا وأخيرًا على قوتنا الذاتية مهما كانت ضئيلة لتحرير أراضينا، وفي المقابل فإن وزير الخارجية التركي حكمت سدين أشاد بنتائج المؤتمر وقال: إن قراراته اتسمت بالجدية وبعد النظر وأنها جات على المستوى المطلوب، ومهما يكن من أمر فإن المؤكد أن رحلة طويلة من الكفاح مازالت في انتظار المجاهدين في البوسنة والهرسك في ظل محدودية القرار الإسلامي وفاعلية المدفع الصربي.