العنوان المعارضة والحكومة المصرية في مواجهة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1981
مشاهدات 60
نشر في العدد 534
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 30-يونيو-1981
الجهاد فرض عين على المسلم القادر، ولا ينهى الحكم إلا بانتهاء العدوان.
العلماء يقولون من يوقع الصلح مع إسرائيل أو يشارك فيه مارق من عقيدة الإسلام.
الباز يقول: إسرائيل كسبت من الصلح مع مصر بلا جدال!
انتظرت إسرائيل بعد عام ٦٧ "تلفون" من القاهرة، فجاءها السادات عام ١٩٧٧ بنفسه يعرض الصلح!
إسرائيل ربحت السلام والتطبيع وحرية المرور والعربدة.
مصر ربحت كذلك والعلاقة بين الدولتين كالاتفاق بين روسيا وأمريكا بشأن التسلح!
بالرغم من الضجيج الإعلامي الصاخب، وتصويره لاتفاقيات كامب ديفيد، واتفاقية الصلح بين مصر وإسرائيل كأنها معجزة العصر في وسائل الإعلام المصرية، وبالرغم من كل التعتيم الإعلامي على الصوت المصري الإسلامي والوطني المعارض للاتفاقيات إلا أن الحقيقة تظل هي الحقيقة.
فالصلح مع يهود يعارضه الشعب المصري عمومًا؛ لأنه شعب مسلم، والإسلام يرفض الصلح مع المعتدي الآثم، وتصديقًا لهذه القاعدة الصحيحة جرى في مصر أخيرًا حوار علني بين المعارضة الممثلة في نقابة المحامين ورجال القانون والقضاء، وبين الحكومة ممثلة في وكيل وزارة الخارجية والحزب الوطني الحاكم.
في هذا الحوار تكلم باسم المعارضة الشخصية الإسلامية المعروفة ورجل القانون المشهور الدكتور عبدالله رشوان، وتكلم باسم الحكومة أسامة الباز -الوكيل الأول للخارجية، وقد كانت النتيجة تأكيد وجهة نظر المعارضة على بطلان الاتفاقية، وما ترتب عليها من نتائج سلبية مزرية، ونظرًا لأهمية الحوار، فإنه يسر «المجتمع» أن تنشر للناس كافة ملخصًا لما دار في ذلك الحوار؛ ليدرك مَن لا يريد أن يدرك حقيقة أن إسرائيل قامت على الباطل، وأن المعارضة الواعية للصلح معها إنما تنبع من هذا الإسلام، الذي تدين به الشعوب الإسلامية.
وعقد الاجتماع ظهر الثلاثاء ١٧ جمادى الآخرة ١٤٠١هـ «١٩٨١/٤/٢١» بالقاعة الكبرى بدار القضاء العالي بالعاصمة المصرية، وحضره عدد كبير من المحامين، ورجال القضاء والقانون، ومن الطوائف السياسية كافة، ومنها الحزب الوطني الحاكم.
وفي بداية الاجتماع دار نقاش حول تنظيم الكلام، وكيفية عرض الموضوعات، ورأى الحاضرون أن يبدأ بعرض وجهة النظر المعارضة للاتفاقيات مع إسرائيل، ثم ترد الحكومة على تلك، ثم يجري التعقيب.
واتفق الجميع على إنابة الدكتور عبدالله رشوان -المحامي بالقاهرة- لبيان أسباب هذه المعارضة، وأن يقوم الدكتور أسامة الباز -الوكيل الأول لوزارة الخارجية في مصر- بالرد على هذه الأسباب، وبيان وجهة النظر المؤيدة، باعتباره الخبير الأول، والعضو الدائم والحاضر في كل مراحل المفاوضات مع إسرائيل.
وبدأ حوار موضوعي علمي مركز، واتفق الجميع على عدم الانصراف وإنهاء الاجتماع إلا بعد أن يتبلور الموضوع، وتتضح الحقيقة كاملة، ثم يبدي الحاضرون رأيهم سواء بالمعارضة أو التأييد.
واستمر الحوار خمس ساعات، وتتلخص نقاط كل من الطرفين فيما يلي:
الدكتور عبدالله رشوان ألقى نظرة شاملة على موضوع إسرائيل من بدايته، وركز المعارضة للاتفاق معها في النقاط الرئيسية الآتية:
أولًا: الإسلام باعتباره دين الدولة وعقيدة الأمة يرفض تمام الصلح والتعاهد مع إسرائيل التي قامت على البغي، والعدوان، والقتل، والتشريد، والتعذيب، واغتصاب الأراضي، وانتهاك الحرمات، وكل ألوان العنت والظلم لشعب فلسطين، وغيره من شعوب المنطقة.
وفلسطين والجولان وسيناء جزء من أوطان الأمة الإسلامية، ورقعة من دار الإسلام، والقاعدة الشرعية التي لا خلاف عليها أنه إذا اغتصب شبر من أرض المسلمين، فقد أصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم قادر، ولا ينتهي هذا الحكم إلا بانتهاء العدوان تمامًا، واسترداد ما سلب كاملًا. ويضاف إلى هذا أن الدستور المعمول به في مصر ينص على أن دين الدولة هو الإسلام، وأن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للقوانين، ومفاد هذا كله أن أي قانون أو معاهدة أو نظام يتعارض مع الشريعة الإسلامية أو يناقض قواعد الإسلام يكون باطلًا بطلانًا مطلقًا ولا يعمل به.
ومن الواضح أن هذا البطلان ينصب على كل المعاهدات والاتفاقيات مع إسرائيل التي لا وجود لها، ولا كيان إلا على أرض المسلمين، واغتصاب حقوقهم.
وهناك فتوى إسلامية مشهورة ومسببة صادرة من هيئة كبار العلماء في مصر تدين أي صلح مع إسرائيل، وتبطل أي معاهدة معها.
وتجعل من يرتكب ذلك أو يشارك فيه مارقًا من عقيدة الإسلام.
ثانيا: إن زيارة القدس، واتفاقيات كامب ديفيد، والصلح وتبادل السفراء، والتطبيع، كلها حصيلة ونتيجة لهزيمة 5 يونيو (حزيران) ١٩٦٧، وما عقبها، ولو تجرأ واحد في مصر قبل هذه الهزيمة بيوم واحد، ونادى بأي اتصال مع إسرائيل لاعتبر خائنًا، وعلقه الشعب المصري على أعواد المشانق في أكبر ميادين القاهرة.
ولكن للأسف وقعت الهزيمة النكراء، وكان من الطبيعي بعد هذه الكارثة أن يطرد حكام ذاك العهد وأعوانهم جميعًا، الذين أذلوا الشعب وحطموه، ويذهبوا إلى بيوتهم أو إلى السجن؛ انتظارًا لمصيرهم، ثم يتولى شعب مصر مصيره، ويلملم جراحه، ويصحح مساره، ويصوب أخطاءه، ويتخطى المحنة، ويسلك الطريق، الذي سلكه صلاح الدين وقطز، وقبلهما سعد وخالد وأبوعبيدة وعقبة، وكل من سار على دربهم، وجاءهم نصر الله؛ لأنهم نصروه، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:٧).
ولكن للأسف سارت الأمور بعد الهزيمة على غير طبيعة الأشياء، وتشبث الفاشلون بالكراسي والسلطة وعاونهم المنافقون وطلاب المغانم وكل الطغمة الفاسدة، وباشر هؤلاء جميعًا لسنوات طويلة كل أساليب الخداع والتلاعب بالشعارات والتمويه، وحجب الحقائق المرة وراء دعاوٍ زائفة، وصراخ أجوف، ودخول معارك محدودة، ومرتبة سلفا، قصد بها التحريك لا التحرير، وكادت نتائجها تكون أفظع من سابقتها، وكانت المحصلة النهائية وقمة العجز عن إزالة آثار الهزيمة، وطرد المعتدين أن «ديان» - وزير حرب العدو - الذي صرح عقب هزيمة ٦٧ أنهم بانتظار تلفون من القاهرة، أي بالاعتراف بالهزيمة، وتقبل نتائجها، لم تصلهم فقط مكالمة تلفونية، بل جاءهم في دارهم حاكم مصر بنفسه، يحوطه ضباب إعلامي تمويهي كثيف بضرب على دفوف ما سموه بالسلام، وتلقفت الصهيونية العالمية وأعوانها الفرصة، وراحت تنصب شراكها، وتلقي طعمها وفخاخها، وتنفخ في أبواقها، متحدثة عن زائر القدس، وحبه للسلام وبطولته وعبقريته وشجاعته، التي لم ير التاريخ الحديث لها مثيلًا، وخرج الطعم من أسن الماء بصيد ثمين، تمثل في كامب ديفيد ومعاهدة الصلح؛ حتى جاء السفير وارتفع علم إسرائيل في قلب مصر برضاها الرسمي، وفي الختام نصف جائزة نوبل للسلام.
ثالثًا: مكاسب إسرائيل، بالاتفاق مع مصر فازت إسرائيل بكل المكاسب، التي ما كانت تحلم ببعضها.
ومنها على سبيل المثال:
1- إلغاء حالة الحرب نهائيًّا، وإقرار السلام بموجباته معها.
2- الاعتراف بها دولة مستقلة موجودة في المنطقة، التي سميت منطقة الشرق الأوسط لا منطقة الشرق العربي كما كانت، وعلى أراضٍ اغتصبتها إسرائيل بالعدوان، وبهذا اكتسبت مشروعية اغتصابها لأرض فلسطين.
3- التمثيل الديبلوماسي، وتبادل السفراء، وتطبيع العلاقات.
4- بترول مصر، وتحصل إسرائيل منه على ملايين الأطنان سنويًّا بثمن بخس لا يتاح لغيرها، ولا تدفعه نقدًا، بل بضائع ومنتجات إسرائيلية رديئة تغرق بها أسواق مصر.
5- تكبيل سيناء بقيود شديدة، وتجريدها من التسليح، الذي يهدد أو يمكن أن يهدد أمن إسرائيل، حالًا أو مستقبلًا، مع التواجد في سيناء في شكل لجان عسكرية، وتحت ستار قواعد للمراقبة، وقوات دولية.
6- حرية مرور إسرائيل في مضيق تيران وقناة السويس، علمًا بأن مياه هذا المضيق مياه إقليمية مصرية عربية، وليست من المياه الدولية، والقناة محفورة في أراضي مصر، وحرية المرور هذه لها أثر كبير في رواج تجارة إسرائيل واقتصادها. والعجيب أن مصر تقر وتتعهد في الفقرة الثامنة من المادة الخامسة من المعاهدة بأن مضيق تيران وخليج العقبة من الممرات المائية الدولية المفتوحة لجميع الدول، دون أي اعتبار لحقوق دول أخرى على مضيق تيران وخليج العقبة، كالمملكة العربية السعودية، وعلى خلاف قواعد القانون الدولي، وأحكام المياه الإقليمية.
7- رفع حظر تعامل مصر مع إسرائيل، وإقرار هذا التعامل بكل وجوهه.
8- تغلغل الشركات والمؤسسات وبيوت المال الإسرائيلية واليهودية في عصب الاقتصاد المصري بطرق خبيثة، بما يوقع مصر في حبائل اليهود إلى آماد بعيدة تمهيدًا لابتلاع المنطقة بكاملها.
9- وكسبت إسرائيل حرية تنفيذ مخططاتها العدوانية، وتحقيق أهدافها غير المشروعة، وإنشاء مستوطناتها.
10- وأخيرًا كسبت إسرائيل حرية العربدة، والتقتيل، والتشريد، والاعتداء على الأراضي، والمساكن، ودور العبادة، كما هو واقع حاليًا في فلسطين ولبنان.
وغير هذا كثير مما كسبته إسرائيل من اتفاقها مع مصر، مما يضيق المقام عن سرده وشرحه.
رابعًا: خسائر مصر
تعددت خسائر مصر في الحال والاستقبال بصلحها ومعاهدتها مع إسرائيل، ومن هذه الخسائر على سبيل المثال لا الحصر:
1- خسارة القضية التي اعتبرت قضية مصر الأولى في العصر الحديث، وهي قضية تحرير فلسطين، ليس فقط بحكم الجوار أو القربي والصلات، بل لأن فلسطين تشكل جزءًا وأمانًا لا غنى عنه لأمن مصر وأمانيها؛ ولأنها جزء من الأوطان العربية، وديار الإسلام، وفيها المسجد الأقصى أول القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وهي قضية كانت وستظل قضية مصر، وغير مصر من العرب والمسلمين.
وفي سبيلها فقدت مصر على مر السنين أكثر من مائة ألف من أبنائها، فضلًا عن خسائر مادية كبيرة، كل هذا لترد غائلة اليهود عن هذه المنطقة، ومع هذا جاءت اتفاقيات كامب ديفيد وما بعدها تنكس لواء هذه المعركة المقدسة، وتسجل خسرانها بغير موجب إلا الخوف على النظام وكراسي الحكم في مصر، وكذلك الخوف من الحساب عن الماضي البغيض، وطمعًا في استمرار التمتع بنعيم السلطة، المشروع منه وغير المشروع.
2- كذلك خسرت مصر سيادتها الكاملة على جزء غالٍ من أراضيها هي سيناء، التي اشترط اليهود ضمن شروطهم للانسحاب منها أن تكون منزوعة السلاح على درجات، وأن تكون تحت المراقبة الثلاثية من لجان أميركية إسرائيلية مصرية، مع وجود قوات أجنبية متعددة الأجناس، وقواعد للمراقبة، واحترام النصب التذكارية لإسرائيل فيها، وحق وصول الإسرائيليين إليها، إلى غير ذلك من القيود على سلطة وسيادة مصر على كامل أراضيها، وكل نشاطات إسرائيل وحلفائها ومشروعاتهم تنصب الآن أساسًا على سيناء؛ حتى تصبح هذه البقعة الكبيرة من أراضينا مهجنة وعازلة بين مصر وإسرائيل، وحتى تكون لقمة سائغة وجاهزة تلتهمها إسرائيل عند أي ظرف.
وأكثر من هذا عرض الدكتور رشوان في الاجتماع خريطة لإسرائيل نشرتها سنة ١٩٨٠، يعني بعد الصلح مع مصر، ونقلها العدد ٦٣٩ (۳ أبريل ۸۱) من الأهرام الاقتصادي الصادر بالقاهرة، ومن هذه الخريطة جاءت سيناء بكاملها ضمن دولة إسرائيل باللون الأصفر، بينما باقي مصر باللون الأخضر؛ إمعانًا من إسرائيل فيما تستهدفه من مستقبل لسيناء بعد تكبيل سيادة مصر عليها بقيود ثقيلة.
3- وخسرت مصر التضامن العربي وروابطها الوثيقة مع شقيقاتها الدول العربية، ومصر جزء لا ينفصم من الوطن العربي الكبير، وتصدع هذا الصف بإسفين شديد الوطأة والخطر على مصير المنطقة العربية برمتها.
ويمثل هذا الواقع المؤلم جرحًا غائرًا في قلب الأمة الإسلامية، وأصبحت مصر تعيش في عزلة عن أشقائها، وفريسة سهلة لأعدائها، والغريب في هذا الخصوص أن تتم زيارة القدس، وكل الخطوات التالية دون أي اتصال مسبق ولو من باب المجاملة واللياقة مع الدول أعضاء الجامعة العربية، وكان البديل عن هذه المجموعة الواحدة والمترابطة اتصالات واجتماعات وتمهيدات مع «شاوشيسكو» رئيس رومانيا، وشاه إيران السابق.
4- وخسرت مصر بترولها الذي التزمت بتقديمه لإسرائيل، كما قلنا.
5- كذلك أصبح الاقتصاد المصري مهددًا بأشد الأخطار؛ نتيجة الالتفاف اليهودي الخبيث، ودخوله إلى عصب المال في مصر في شكل مؤسسات وشركات وبنوك أجنبية، يديرها اليهود من وراء ستار، وطبقًا لخطة خبيثة موضوعة؛ لتحطيم اقتصاد مصر وإيقاعها فريسة في براثن الصهيونية؛ حتى لا تستطيع حراكًا، وتبدد سريعًا سراب الرخاء الموهوم والمزعوم، الذي أرادوا أن يخدعوا به شعب مصر، وحل الشقاء محل الرخاء.
6- وأصبح الباب مفتوحًا أمام الثقافة اليهودية، وما تحويه من أساليب العلمانية، وتخريب عقائد المسلمين، وما يتبع ذلك من فن ونشاط سياحي على المستوى البغيض المناقض لأخلاقنا وديننا، وحتى تزداد أخلاق الشعب تحللا وفسادًا.
7- وبوعد رسمي من حاكم مصر أصبحت إسرائيل تنتظر الحصول على ماء النيل؛ حتى تزرع صحراء النقب، وتنشئ المستوطنات، وتستجلب ملايين اليهود من بقاع المعمورة، وتتقوى ويزيد عدوانها بهم، ويصبح العبء ثقيلًا على أجيال التحرير منا، التي ستأتي بعد جيلنا جيل الضعف والهزائم.
ومن عجب أن حاكم مصر الذي وعد اليهود بماء النيل لم يسحب لليوم وعده رغم ثورة الرأي العام في مصر ضد هذا الوعد الغريب.
وغير هذا كثير من الخسائر، التي لحقت مصر من صلحها مع إسرائيل بما لا يتسع المجال لسرده.
خامسا: حتمية علمية
هناك حقيقة تاريخية هامة فاتت اليهود منذ أول تخطيط لدولتهم بمؤتمر بال بسويسرا في ۱۸۹۷/۸/۲۹ برئاسة «هرتزل»، ولليوم وكذلك فاتت كل مؤيدي إسرائيل والمتصالحين معها، وهي أن هذه الدولة الدخيلة قامت على دعائم الباطل والظلم والقهر والعدوان، مجافية لكل أصول الحق والعلم والتاريخ، ولهذا فمصيرها حتمًا إلى زوال، طال المدى أو قصر، يوم تتغير الظروف، ويعرف أصحاب الحق طريق الحق، وبعون الله سيأتي يوم تندحر فيه هذه الهجمة الصهيونية الخبيثة والشرسة والمؤيدة بقوى الشر في العالم، كمثيلاتها من قبل، وتنتهي بمعركة فاصلة تحتل مكانها في صفحات التاريخ إلى جانب بدر والقادسية واليرموك وحطين وعين جالوت وغيرها، وسيقيض الله لهذه الأمة من بينها من يجعل تل أبيب هي تلك المعركة، ويفك أسر المسجد الأقصى، ويطهر أرضنا من رجس اليهود.
والله على ما يشاء قدير، وإن كان اعتراف أو صلح أو اتفاقية مع هذه الدولة الشاذة المعتدية، وتمكينها من البقاء، ومن أجلها المشؤوم ونهايتها المحتومة يعد خطأ جسيمًا وجريمة، وإن الله والتاريخ والأجيال لن يغفروا هذه الخطيئة لمقترفيها ولا لمؤيديها.
الدكتور أسامة الباز
بدأ الرد وشرح وجهة نظر الحكومة، ولجأ إلى السرد التاريخي لخطوات الصلح مع إسرائيل ومقدماته، المعروف منها والمستور، والصلة بمنظمة التحرير الفلسطينية.
ولما أطال في السرد التاريخي طالبه الحاضرون بالرد على نقاط المعارضة، التي شرحها الدكتور عبدالله رشوان، وكان رده يتلخص في الآتي:
1ـ سلم بالكثير مما أثاره وشرحه الدكتور رشوان، وأشار على وجه الخصوص إلى أن الهزيمة في الحرب مع إسرائيل، وعدم استطاعتنا الانتصار عليها كانت لها آثارها فيما حدث من صلح.
وقال: إن إسرائيل قد كسبت كثيرًا من صلحها مع مصر، بلا جدال.
2- لكنه قال: إنه يختلف مع الدكتور رشوان في مدى خسائر مصر من معاهداتها مع إسرائيل، وأشار إلى أن مصر كسبت خروج القوات الإسرائيلية من سيناء، ولو على مراحل، وأن ما سلمت به مصر من قيود وشروط التزمت بها لم تمس سيادتها، وشبه هذه القيود بما هو حاصل بين الدولتين الكبريين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) من اتفاقيات خاصة بقيود على التسليح، وكذلك ما ترتبط به الدول فيما بينها من التزامات وقيود في علاقاتها ببعضها، وقال: إن إسرائيل هي الأخرى تعهدت بتراجع قواتها مسافة داخل حدودها.
3- وتعرض للصلة بين مصر والدول العربية، وقال: إن مصر ملتزمة بمعاهدات الدفاع المشترك مع البلاد العربية، ولا تمنعها معاهدتها مع إسرائيل من دخول الحرب؛ دفاعًا عن هذه الدول. وأشار إلى أن الدول العربية هي التي سعت لعزل مصر، وعملت على تجويع شعبها.
4ـ وأشار إلى حقوق الشعب الفلسطيني، وأن مصر لم تتخل عن هذا الشعب وتساند قضيته، ورتبت مفاوضات الحكم الذاتي وصولًا إلى هذه الغاية.
تعقيب الدكتور عبدالله رشوان
أوجز هذا التعقيب في تصحيح النقاط، التي أشار إليها الدكتور أسامة الباز في الآتي:
1- بخصوص انتقاص سيادة مصر على سيناء كجزء من أراضيها، أوضح أن الوضع من الناحية القانونية في هذه الجزئية جاء أسوأ مما كان قبل الاتفاقية والصلح، ذلك أن وجود قوات معتدية في أراضي دولة أخرى لا يمس سيادة الدولة المعتدى عليها من الناحية القانونية؛ إذ يبقى الأمر عدوانًا غير مشروع وغير معترف به، لا يرتب أي حق للدولة المعتدية أو تغيير في حقوق أو سيادة الدولة المعتدى عليها إلى أن تتمكن هذه الدولة من طرد القوات المعتدية دون قيد أو شرط، أما عقد اتفاق بين الدول المعتدية والدولة المعتدى عليها ينص على انسحاب الدولة المعتدية نظير شروط وقيود تلتزم بها الدولة المعتدى عليها في أراضيها، فهنا يكون انتقاص السيادة لهذه الدولة الأخيرة طبقًا لأحكام القانون الدولي.
وهو ما حدث بين مصر وإسرائيل بمعاهدتهما إذ اشترطت إسرائيل، والتزمت مصر بأن تبقى سيناء منزوعة السلاح تمامًا بالنسبة للمنطقة المجاورة لإسرائيل، ومحدودة التسليح، أو بتسليح صوري في المنطقتين الوسطى والغربية منها، إلى غير ذلك من الشروط والقيود السابق الإشارة إليها ضمن خسائر مصر من معاهدتها مع إسرائيل.
2- أما ما أشار إليه الدكتور الباز من أن هذه الشروط والقيود لها شبيه بما هو حادث أو جارٍ الاتفاق عليه بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة من قيود على التسليح، سواء الأسلحة الذرية أو التقليدية، فإنه تشبيه مع الفارق وفي غير محله؛ لأن إرادة الدولتين الكبريين كاملة في قبول أو رفض هذه القيود، وفي أي وقت حسب مصلحتهما، ولهما مطلق الحرية في ذلك حالًا ومستقبلًا، ولم تكن واحدة منهما محتلة لأراضي الأخرى، واشترطت لانسحابها مثل هذه القيود، وهذا كله لا تستطيعه حكومة مصر، وليست حريتها وإرادتها كاملة في قبول أو رفض هذه القيود التي التزمت بها.
3- وكذلك التشبيه مع الفارق وفي غير محله بالنسبة للالتزامات العادية المتبادلة بين الدول المستقلة، كمعاملة الدبلوماسيين والتبادل التجاري؛ إذ هذا عرف دولي تمليه المصالح المتبادلة دون أن يكون لذلك أي مساس بسيادة الدول التي تطبقه، وليس هذا هو الحال بالنسبة للمعاهدة بين مصر وإسرائيل ذات القيود والشروط، التي فرضت على مصر كثمن باهظ لانسحاب القوات الإسرائيلية المعتدية من أراضيها.
4- وعن تواجد شريط ضيق جدًّا من جانب إسرائيل محدود التسليح، فهذا ليس أكثر من تطبيق عرف دولي بين الدول المستقلة المتجاورة دون أن يعد هذا شرطًا مفروضًا على إسرائيل أو تنازلًا منها عن بعض حقوقها بالتبادل أو نظير الشروط، التي فرضت على مصر في المعاهدة.
5- أما موقف الدول العربية من مصر، فلم نجد فيها تصرفًا أو نسمع أو نقرأ كلمة فيها إهانة لمصر أو محاولة لتجويع شعبها، بل سمعنا ورأينا الحرص على إبقاء الصلات قائمة بين الشعب المصري وأشقائه الشعوب العربية.
أما ما قرأناه وسمعناه في البلاد العربية، فهو انتقاد لتصرف السلطة ومقاطعة للنظام في مصر، وشجب لمعاهدات الصلح مع إسرائيل، وهذا نفسه ما يفعله أبناء مصر في داخلها وخارجها، ممن وقفوا من هذا كله موقف المعارضة، ودون أن يعد هذا إهانة لمصر بأي حال أو محاولة لتجويع شعبها.
وعلى العكس تسمع دائمًا شتائم حاكم مصر تنهال على الدول العربية وحكامها.
6- أما قول الدكتور الباز: إن المعاهدة مع إسرائيل لا تعارض التزام مصر الدائم بالدفاع عن الدول العربية، فهذا غير صحيح؛ لأن المعاهدة صريحة في رفض الالتجاء للحرب بين مصر وإسرائيل في أي ظرف، والدليل الفعلي على هذا ماثل اليوم في اعتداء إسرائيل المتواصل على لبنان، وعلى عرب فلسطين دون أن تحرك مصر ساكنًا، ودون أن يقول قائل: إن المعاهدة تعطيها حق استعمال القوة ضد إسرائيل لرد عدوانها المستمر على إخواننا في لبنان وداخل فلسطين.
7- وعن مقولة الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ومفاوضات الحكم الذاتي، فهذه مسألة تثير التندر بل السخرية، وإسرائيل الآن تطالب باستمرار هذه المسرحية الهزلية، ويكون الأصدق والأكرم للنفس الاعتراف بالحقيقة المؤسفة، وهي أن حكومة مصر عقدت صلحًا منفردًا مع إسرائيل، وتخلت عن قضية فلسطين، وتركت مصير الشعب الفلسطيني للفلسطينيين أنفسهم.
8- وأخيرًا أليس من أكبر مكاسب إسرائيل من صلحها مع مصر أن «بيغن» سفاح دير ياسين تدعوه حكومة مصر، وتنزله في أعلى قصور الإسكندرية، ويرتفع علم إسرائيل في أعلى بقعة من هذا القصر، ثم يقف في المؤتمر الصحفي هناك بجوار رئيس مصر ويعارضه، ويقول متبجحًا: إن القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل، وأنه لا دولة فلسطينية ولا عودة لحدود ١٩٦٧، ولا رجوع عن المستوطنات.
ثم ينشر الإعلام المصري هذا الكلام بحذافيره فورًا، بالصوت والصورة والكتابة، سواء في التلفزيون أو الإذاعة أو الصحف، أما المواطن المصري فليس له مثل هذا الحق في داخل وطنه مصر، ولا تنشر له أجهزة الإعلام المصرية كلمة يعارض بها «بيغن» وإسرائيل ومعاهدات الصلح معهما، بل إن قال المواطن المصري مثل هذا ونشره، فإن هناك قوانين وضعتها السلطة أخيرًا في مصر، تذهب به إلى غياهب السجون.
وبعد انتهاء هذا الحوار الثنائي اقترح نقيب المحامين بالقاهرة أن يعقب بعض المحامين ورجال القانون؛ بحيث يتكلم ثلاثة من المؤيدين للمعاهدة مع إسرائيل، ثم يتكلم مثلهم من المعارضين، وهنا لم يتقدم أحد للكلام مؤيدًا.
وكان هذا مثار دهشة واعتبره الحاضرون مفاجأة كبرى، وبعدها طلب النقيب أن من يؤيد يرفع يده فلم يرفع واحد يده، أي إن الجميع أجمعوا على عدم تأييد الصلح مع إسرائيل، ولم يكن هذا الإجماع واضحًا في بداية الاجتماع، وهنا طلب بعض الحاضرين من الدكتور أسامة الباز أن يبلغ هذه النتيجة لحاكم مصر.
وكان هذا مسك الختام بعد هذا الحوار الممتع والمقنع، وكان هذا هو الرأي الحر الصحيح في مصر.