; المعتقلون اللبنانيون في سوريا | مجلة المجتمع

العنوان المعتقلون اللبنانيون في سوريا

الكاتب محمد الحسناوي

تاريخ النشر السبت 10-أغسطس-2002

مشاهدات 52

نشر في العدد 1513

نشر في الصفحة 32

السبت 10-أغسطس-2002

نصائح المعارضة السورية حول حقوق الإنسان لم تلق أذنًا مصغية حتى الآن، فهل تلقى الإصغاء نصائح الصحفي البريطاني باتريك سيل صديق المسؤولين السوريين الذي كتب يقول: «إن الاعتقال التعسفي لنشطاء حقوق الإنسان المدنية، وسحق المعارضين المسالمين، ومحاولات تطويع الرأي العام بالقوة، والإجراءات القمعية الأخرى، هذه كلها تعطي صورة سلبية وخاطئة عن سورية إلى العالم الخارجي، كما تسيء إلى الدبلوماسية السورية... وفي مثل هذه المناخات الساخنة المتوترة التامرية تتخذ صورة البلد المستهدف أبعادًا خاصة، والدولة التي لها صورة سيئة لسبب من الأسباب، تصبح أكثر تعرضًا العدوان غاشم مستهتر، وإذا ما هو صمت، فقد لا يتحرك أحد لنجدتها أو مد يد العون لها»؟! «الحياة٢١/٧/ ٢٠٠٢».

الحديث عن المعتقلين اللبنانيين في سوريا بسبب الرأي أو الموقف السياسي أو بلا سبب، - وإنما للتسبب أي الارتزاق - يعني الحديث عن بقية معتقلي الرأي، سواء منهم السوريون «١٥٠٠٠ مفقود و ۱۰۰۰ على قيد الحياة»، أو الأردنيون والفلسطينيون «عرف منهم ٦٦ معتقلًا»، وبقية الجنسيات الأخرى لسبب إنساني في الأقل تصور نفسك - أيها القارئ - سجين رأي كأحد هؤلاء.. ما شعورك تجاه التعذيب؟ ما شعورك تجاه المطالبة بمجرد الاعتراف بوجودك؟!.

ما أعاد الاهتمام بقضية المعتقلين اللبنانيين هو تقرير «الفيدرالية الدولية» الصادر في۲۳ /۷/۲۰۰۲ الذي يقول: إن أكثر من ٢٥٠ لبنانيًا لا يزالون معتقلين في سورية، وأنها طالبت السلطات السورية بحل قضيتهم عبر تحرير كل المعتقلين لديها فورًا. كانت السلطات السورية وافقت - بتاريخ۲2/۷/۲۰۰۲ - على استقبال ٥٠ شخصًا من أمهات المعتقلين وأقاربهم في دمشق، حينما حاولوا مقابلة الرئيس الأسد المعرفة مصير أقربائهم والتقوا وزير الداخلية الذي طلب مهلة ثلاثة أشهر للتحقق من مصير الأسماء التي سلمت إليه. وهذه هي المرة الأولى التي يطرح فيها هذا الملف مع مسؤول سوري بهذا المستوى. وقد تسلم الوزير لائحة بأسماء ١٧٢ لبنانيًا، لم يكشف عن مصيرهم بعدما كانت السلطات السورية أفرجت في ديسمبر ٢٠٠٠ عن ٥٤ لبنانيًا، وأعلن في حينه إغلاق الملف.

 ومع أهمية مبادرة السلطات السورية بالموافقة على استقبال الوفد - المظاهرة، وارتياح ذوي المعتقلين للحوار الذي دار مع الوزير.. نتساءل عن مغزى تحديد ثلاثة أشهر للتحقق من مصير الأسماء التي سلمت.

أولًا: فتحديد موعد أقل ما فيه أن هناك موافقة على فتح الملف الذي أغلق، وأن هناك احتمالًا بوجود معتقلين.

ثانيًا: قبول السلطات السورية مراجعة مواطنين لبنانيين لها، لا يخلو من معنى، لأن الأصل أن تكون علاقة اللبنانيين بسلطاتهم اللبنانية، حتى لو كان المعتقلون في سوريا؟

ثالثًا: هل تحتاج دولة إلى ثلاثة أشهر، للتحقق من وجود معتقلين في سجونها؟ هذا يعني أن هناك دويلات ضمن الدولة الواحدة، تحتاج إلى جهود خاصة للتواصل والتفاهم للتحقق من وجود هؤلاء المعتقلين أو معظمهم أو بعضهم، بحسب استجابة كل دويلة والأصل أن يكون المعتقلون تحت جهة واحدة، مثل وزارة الداخلية. إذا كان وزير الداخلية نفسه يحتاج إلى ثلاثة أشهر، فالأمر فيه ما فيه من المعوقات والاستعصاء.

 رابعًا: ما المعوقات وحالات الاستعصاء التي تعشعش في ١٣ جهازًا أمنيًا تقوم بالخطف والاعتقال، مما يحوج إلى ثلاثة أشهر، لاستخلاص بعض المعتقلين أو المعلومات منها أو من بعضها؟

فيما يلي تحاول تقديم أجوبة حول الاحتمالات الواردة. ولأباطرة الأمن السوريين أن يضحكوا في سرهم، إذا لم نحط علمًا بكل أسرارهم الرهيبة التي لن يستمر خفاؤها على كل الناس، ولكل الأوقات والأزمان:

أ. استخدام المخطوفين والمعتقلين اللبنانيين وغيرهم ورقة للبيع والشراء والمساومة والمقايضة، ككل السلع العادية، بصرف النظر عن حقوق الإنسان وكرامته وعدالة قضيته، مما ميزه عن الكائنات الأخرى. ففي اليوم الذي استقبل فيه ذوو المعتقلين اللبنانيين في سوريا.. الغت السلطات الأمنية الألمانية دعوى قضائية ضد سوريين متهمين بالتجسس على المعارضة السورية وفي سياق التعليل لهذا الإجراء أشارت مصادر دبلوماسية مطلعة إلى أن الموقف الألماني المفاجئ يعود إلى حدوث تدخل مباشر من دمشق، لتفادي محاكمة علنية في مسألة حساسة، وأن السلطات السورية وعدت فيما يبدو الجانب الألماني بالتعاون معه أكثر في مجال مكافحة الإرهاب، وتقديم معلومات عن إسلاميين من أصل سوري يعيشون في المانيا وتسهيل الحصول على معلومات عن الألماني السوري الأصل محمد حيدر زمار، الذي تستقي السلطات الأمريكية معلومات عنه من المحققين السوريين للاشتباه بعلاقته بأحداث سبتمبر. «الحياة ٢٣/٧/ ٢٠٠٢».. صفقة واضحة.

هذه المقايضة بالنسبة إلى مواطن أو مواطنين فما المقايضات المتوقعة للمخطوفين والمعتقلين اللبنانيين؟ إن صور المقايضات هنا متعددة الأشكال بسبب تنوع أحوال المعتقلين وبالنسبة إلى سلسلة المسؤولين عن القرار السوري. فالذين اعتقلوا أو اختطفوا لقضايا محددة يعرفونها هم أنفسهم أو يعرفها ذووهم، تعد مدة ثلاثة أشهر مهلة كافية للتفكر والتدبر والقيام بالمطلوب؟! «انظر تفاصيل اعتقال الرياضي العراقي في القدس العربي ١٣ و١٤/٧/ ٢٠٠١».

أما تسلسل طلبات الهرم فتبدأ من التدخل في الترشح أو التصويت للانتخابات اللبنانية، مرورًا بدفع إتاوات دورية أو موسمية أو عينية، وتسهيل عمليات التهريب، وانتهاء بالتنازل عن هدايا الأهل للسجين. «انظر تقرير رقيب الشرق الأوسط عن انتهاكات حقوق الإنسان في سورية عام ١٩٩٠م. الطبعة العربية ص ٣٢٥ و ٣٣١». وقد حدثت عمليات غدر في مثل هذه الاتفاقات السوداء واستلاب المال بلا مقابل، إذ لا يتم الإفراج. ويمكن التحقق من هذه الوقائع الذائعة الصيت بمسالة مدير سجن تدمر العسكري سابقًا عن مصدر ثروته الهائلة، وعن صرر الحلي الذهبية التي تلقتها أسرته من أهالي المعتقلين، والأهم أن هذا الضابط هو الذي قام بالترتيبات الأولية لتمكين عناصر سرايا الدفاع من ارتكاب مجزرة تدمر عام ۱۹۸۰م واستشهاد ۱۰۰۰ معتقل أعزل في واقعة واحدة «كتاب تدمر المجزرة المستمرة».

ب. إن وجود القوات السورية في لبنان لا يرضي قطاعًا كبيرًا من اللبنانيين، ولكي يستمر هذا الوجود، أو يسلم من المنغصات.. فإنه يحتاج إلى حجم من الردع والهيبة ولعل الإجراءات الأمنية جزء من هذه الهيبة المفروضة. وخلال مدة ثلاثة أشهر قد تحدث متغيرات في إعادة انتشار القوات السورية أو تعديل «فلسفة» التعامل مع اللبنانيين، كلهم أو بعضهم.

ج. ثمة احتمال آخر لتعليل اختيار مدة ثلاثة أشهر، وهو الاعتقاد بإمكان السيطرة على الدويلات الأمنية السورية كلها أو معظمها أو بعضها، بما يسمح بإخلاء سراح ما تحت قبضتها من معتقلين هذا التوقع ناشئ عن الوعود والإجراءات التي أطلقها الرئيس السوري منذ سنتين، وما أدلى به الأصحاب المساعي الحميدة من سوريين وعرب وأوربيين حول قضايا حقوق الإنسان المزمنة.

من أجل المصلحة العليا لسوريا، ومن أجل مواجهة التحديات الخارجية بوحدة وطنية وجبهة داخلية متماسكة، ومن أجل تفهم وجود القوات السورية على أرض شقيقة، أو تصحيح الصورة والتفاهم الطوعي على مستقبل وجودها.. نقترح إصدار عفو عام عن كل المعتقلين السياسيين أو معتقلي الرأي من سوريين ولبنانيين وجنسيات أخرى، وفتح الأبواب للجان دولية محايدة للتحقق من تلك الخطوة. وهذا لا ينفي أو يمنع الاحتكام إلى القضاء المدني العادل النزيه.

الرابط المختصر :