; المعلوم من الوقف بالضرورة لمواجهة تحديات العولمة | مجلة المجتمع

العنوان المعلوم من الوقف بالضرورة لمواجهة تحديات العولمة

الكاتب عبد الحافظ الصاوي

تاريخ النشر السبت 25-يناير-2003

مشاهدات 60

نشر في العدد 1536

نشر في الصفحة 46

السبت 25-يناير-2003

تعد معرفة إمكانات أي مجتمع وموارده المفتاح الحقيقي لأداء اقتصادي جيد. سواء كان ذلك لإحداث تقدم ما أو لحل مشكلات قائمة وللأسف فإن معظم البلدان الإسلامية أهملت- كثيراً خلال الفترات الماضية- توظيف ما لديها من سياسات مالية تعد قادرة على تقليل حدة مشكلات اقتصادية واجتماعية عدة تراكمت بفضل اتباع نظم وسياسات اقتصادية مستوردة.

ولعل أداتي الزكاة والوقف نالتا النصيب الوافر من الإهمال من قبل واضعي السياسات المالية في البلدان الإسلامية خاصة الفقيرة منها. وعلى الجانب الآخر كانت هناك دراسات عدة تنبه على أهمية الاستفادة من السياسات المالية الإسلامية. ولكن مع تزاحم تحديات العولمة وتراجع دور الدولة الاجتماعي والاقتصادي، الذي توصي به برامج الإصلاح التي تقدمها المؤسسات المالية الدولية، أصبح وجود المؤسسات الأهلية الراغبة في القيام بدور تخفيف العبء على الفقراء والمحتاجين مهمًا وضروريًا. 

وإن كان كثير من العلماء المعنيين بالاقتصاد الإسلامي يرون أهمية وجود دور للدولة في اتباع هذه السياسات المالية التي تتم من خلال الزكاة والوقف حتى يكون أداؤها مؤسسيًا ويحقق المرجو منه وتقوم الدولة بإصدار التشريعات اللازمة والمنظمة لعمل المؤسسات التي سيكون على عاتقها القيام بهذا الدور.

واقع أداء الزكاة والوقف في العالم الإسلامي- كأدوات مالية على مستوى الدولة- ينم عن سوء توظيف موارد الزكاة وأموال الوقف، فبالنسبة للزكاة وجدت مؤسسات في عدد قليل من البلدان أما الوقف فعلى الرغم من وجود هيئات ووزارات له إلا أن معظمها يعاني من ضآلة الأوقاف الجديدة وضعف المردود الاستثماري للأوقاف الحالية، كما تعرض الكثير من الأوقاف للتعطل والتعدي، فضلاً عن غلبة طريقة التفكير التقليدية والنمطية في إدارة وتخصيص الوقف.

مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بالقاهرة نظم مؤخرًا ندوة تحت عنوان عرض التجارب الوقفية في الدول الإسلامية. وقد وضع المركز هدفًا عامًا للندوة هو الإسهام في كيفية النهوض بالوقف.

ثراء التجربة الكويتية

تجربة الكويت في الوقف قدمتها ورقة د. غانم عبد الله شاهين ممثل الأمانة العامة للأوقاف بالكويت الذي أشار إلى الجوانب التاريخية للوقف في الكويت وكيفية النهوض به في الوقت الحاضر وأساليب إدارة واستثمار الوقف. وكان أهم ما ميز التجربة الكويتية وجود صناديق للوقف تحدث عنها ممدوح الولي الصحفي بجريدة الأهرام والذي أشار إلى أن التجربة الكويتية كان بها ملمح مهم جدًا وهو عدم قصر الوقف على الأغنياء فقط. فبعد أن كنا ننظر للوقف على أنه قاصر على الأغنياء أو الذين يمتلكون الفوائض أتاحت التجربة الكويتية لكل من يملك ولو عشرة دنانير أن يشارك في الوقف إن رغب.. ففكرة الصندوق الاستثماري الوقفي تقوم على المشاركة، فإذا كانت هناك رغبة في إقامة صندوق بمبلغ مليون دينار مثلًا يتم تقسيم رأسمال الصندوق إلى أجزاء صغيرة قد تكون عشرة دنانير أو خمسين ديناراً ويحدد السهم مثلاً بعشرة دنانير ويكون هذا السهم الوقفي هو مساهمتك في نشاط معين ترغب في إقامته. ومن هنا شهدت التجربة الكويتية إنشاء العديد من الصناديق لأغراض متنوعة وعديدة منها صندوق للدراسات الإسلامية التنموية، صندوق لرعاية الحرفيين ومبادئ تأسيس المشروعات الصغيرة، صندوق لدراسات الأمن والسلامة، صندوق رعاية العمل التطوعي، صندوق بيت السعادة لرعاية النشء، صندوق لرعاية الأيتام، صندوق لطلب العلم للطلبة المحتاجين، مشروع تنمية المعلم، مشروع إقامة مدينة كشفية، مشروع السندباد الثقافي، حديقة للعب الأطفال وتثقيف الأطفال، مشروع المكتبات المدرسية والربط بينها بالكمبيوتر، مشروع إحياء المساجد التراثية، إسكان أئمة المساجد، مشروع لإدارة الأوقاف إلكترونيًا. مشروع لتأهيل المعوقين، وهذا يعني أننا يمكن أن نقيم صندوقاً لكل نشاط نرغب فيه، مهما كان البعد الجغرافي أو النوعي، فقد أتاحت التجربة الكويتية لجميع الأفراد أن يساهموا في نشاط الوقف.

تجربة السودان في تزايد

تجربة السودان الوقفية قدمها د. سعيد الحسين عبد الرحمن مدير عام هيئة الأوقاف الإسلامية السودانية، وأشار فيها إلى الزيادة الكبيرة التي تحققت خلال الفترة من ۱۹۹۰ - ۲۰۰۲ حيث بلغت نحو ۳۰۰% ففي عام ١٩٩٠ كان عدد العقارات الموقوفة ١٦٤٩ عقاراً بينما في عام ۲۰۰۲ وصل عدد الأوقاف إلى ٤٤٤٨ عقارًا. كما تضمنت الورقة الطريقة التي تدار بها الأوقاف وأنواع الأنشطة التي تستثمر فيها أموال الأوقاف وكان من اللافت للنظر في التجربة السودانية أمران: الأول: الاتجاه نحو أنشطة وقفية غير مكلفة ويمكن للكثيرين المساهمة فيها مثل وقف الغرس الطيب وهو مشروع وقفي جماهيري يستهدف زراعة النخيل وشجر الهشاب لإنتاج الصمغ العربي وتتبنى هذا المشروع هيئة الأوقاف الإسلامية في السودان، بدأت بغرس ۳۰۰۰ شتلة في مشروع النخيل وتتكلف الشتلة الواحدة نحو عشرة دولارات تثمر بعد ثلاث سنوات وتستمر في الإنتاج لفترة تقدر بنحو ١٠٠ عام. وكذلك الأمر بالنسبة لشجر الهشاب المنتج للصمغ العربي، والأمر الثاني: هو الاتجاه نحو التقنية سواء في مجال الاستثمار أو التعليم. ففي مجال الاستثمار تمتلك هيئة الأوقاف ١٠٠ ألف سهم من أسهم الشركة المالكة لشبكة التليفون المحمول وتحصل على 1% من أرباح هذه الشركة سنوياً، كما دعت الهيئة إلى إنشاء وقف لتعلم الكمبيوتر في المناطق الفقيرة بتمويل من الواقفين وبمساهمة من قبل البنوك تتمثل في تمويل المشروع بنسبة 9% بدون فوائد.

التجربة المصرية: التفكير في إنشاء جامعة أهلية

يبلغ حجم الأموال التي تديرها هيئة الأوقاف المصرية نحو ٢ مليار جنيه مصري ويدار العائد من هذه الأموال بتوزيع 75% لصالح ميزانية وزارة الأوقاف و ١٥% تؤول للهيئة لمرتبات ونحو ١٠% لإنشاء مشاريع جديدة تديرها الهيئة. وعلى الرغم من تعرض أداء هيئة الأوقاف المصرية لكثير من النقد خلال الفترات الماضية خاصة المردود على استثمارات أموال الوقف إلا أن الهيئة تفكر في استثمار أموالها في مشروعات جديدة تحاول من خلالها تعظيم أرباحها. 

ومن الجدير بالذكر أن الهيئة رفضت فكرت استثمار أموالها في البورصة مخافة تعرضها لخسائر كبيرة، ولكنها اتجهت لمشروعات مثل استصلاح الأراضي بامتلاكها الآن نحو ٤٨ ألف فدان في منطقة شرق العوينات بدأ الإنتاج في 5 آلاف فدان منها. كما تقوم الهيئة بإنشاء منطقة صناعية في مدينة المنصورة وجاري دراسة إنشاء جامعة أهلية خاصة حسبما صرح به رئيس هيئة الأوقاف المصرية خلوصي محمد خلوصي الذي أشار إلى الجهود المبذولة لاستعادة الأوقاف المغتصبة وآخرها الأراضي التي تم استردادها من شركة الإسماعيلية للمزارع السمكية.

مواجهة العولمة

د. رفعت العوضي أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر قدم ورقته البحثية تحت عنوان الدور الاقتصادي والاجتماعي للوقف وأشار فيها إلى أنه من المعلوم من العولمة بالضرورة أنها تعمل بكل قواها المشروعة وغير المشروعة لخصخصة التعليم والصحة، بمعنى نقل ملكيتها إلى القطاع الخاص وإخضاعها لمعيار الربحية. هذا الأمر سوف تكون له نتائج خطيرة على كل جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغير ذلك. ومن المعلوم من تاريخ الوقف في الحضارة الإسلامية أن الوقف مول خدمتي التعليم والصحة تمويلاً كاملاً. لذلك يوصي العوضي الأمة الإسلامية بكل دولها أن تعتبر الوقف خندقاً تتحصن فيه ضد العولمة في مجالي التعليم والصحة. ولكن ذلك من وجهة نظر العوضي يتطلب إجراء تغييرات أساسية في القوانين الوقفية للدول الإسلامية بحيث تستجيب لهذا الدور المنتظر من الوقف، كما يتطلب ذلك تغييراً جوهرياً في السياسات التعليمية والصحية للدول الإسلامية. كما أشار العوضي إلى أن العولمة تتبنى نظرية ۲۰ – ۸۰ التي تعني أن 20% من السكان هم الذين يملكون وينتجون، وهم مجال اهتمام مشروع العولمة وهم بطبيعة الحال العالم المتقدم، أما الـ80% فهم الفقراء وبلدان العالم النامي ولا داعي لأن يستفيدوا من مشروع العولمة فهم في هذا المشروع يزدادون فقراً من أجل أن يزداد الـ20% غنى، وتتبنى العولمة أيضاً نظرية مالتس بخصوص السكان وهي النظرية التي تعتمد حلولاً مأساوية للزيادة السكانية، ويكمن فيها القول الذي تتبناه العولمة «الخير للفقير أن يموت جوعًا». ويوصي العوضي في هذا الخصوص بإيجاد تكامل بين الزكاة والوقف لمواجهة العولمة وخاصة عولمة الفقر.. وأن يكون هذا التكامل بين الزكاة والوقف في المجال التشريعي يترجم إلى سياسات تكاملية تكافلية تعمل على مستوى العالم الإسلامي كوحدة واحدة، وأن تبني هذه السياسات على أنها تعمل على مستوى الاستهلاك والاستثمار، ومستوى الأجل القصير والطويل.

مجالات وقفية تحتاج إلى عناية فقهية واقتصادية

«الوقف.. جوانب فقيه» كان موضوع الورقة التي قدمها للندوة د. شوقي دنيا عميد تجارة الأزهر بنات وخلص فيها إلى أن هناك بعض الجوانب تحتاج إلى مزيد من النظر الفقهي المتجدد والمتطور حتى يساير الظروف والأوضاع الراهنة المتطورة، ومن المجالات التي تحتاج إلى الرعاية والعناية الفقهية والاقتصادية:

- الوقف النقدي من حيث إنشائه وإدارته وإنفاق عائده.

- وقف الحقوق والمنافع من حيث تحديدها وكيفية وقفها.

- الوقف الجماعي بصوره المتعددة، والتي منها الصناديق الوقفية.

- تأسيس الوقف بمعنى تحويله ولو بشكل غالب على عمل مؤسسي، يتم من خلال مؤسسات وتحديد نوعية وهوية هذه المؤسسات.

-الذمة الواحدة أو الذمم المستقلة للمؤسسات القائمة على الوقف المجمع وما ينتج عن ذلك من آثار.

- إسهام الوقف في المرافق الأساسية وكذلك في المشروعات الصغيرة.

أوقاف للتكنولوجيا

انتهت الندوة إلى مجموعة من التوصيات كان من أهمها:

۱ – دعوة الجامعات ومراكز البحوث ومؤسسات الأوقاف الإسلامية للاهتمام بالبحوث والدراسات الخاصة بفقه الوقف واستثمار أمواله مع إعطاء عناية خاصة للدراسات التي تتناول الوقف في ضوء المستجدات المعاصرة مثل وقف النقود ووقف الخدمات، ووقف حقوق الملكية الفكرية.

۲ – الاهتمام بتوجيه جزء من ريع الأوقاف لمواجهة تحديات العولمة التقنية، وذلك بالاهتمام بالابتكارات التي تؤدي إلى تحسين صورة المسلمين في العالم، والعمل على نشر الثقافة الإسلامية باستخدام شبكة الإنترنت والقنوات الفضائية.

٣- إعداد قانون نموذجي للأوقاف يمكن للدول الإسلامية الاسترشاد به في النظم القانونية للأوقاف بها.

٤- تحفيز المسلمين على إنشاء أوقاف جديدة عن طريق تبسيط وتيسير إجراءات الوقف وتخصيص نسبة من١ – ٢% من ربع الأوقاف لتوعية المسلمين بأهمية وبركة الوقف.

الرابط المختصر :