العنوان المعوقات الداخلية للحركة الإسلامية «٥» حب الدنيا وظهور المفاهيم المغلوطة
الكاتب جاسم بن محمد مهلهل
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1986
مشاهدات 72
نشر في العدد 771
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 17-يونيو-1986
• العمل الإسلامي يجب أن يوفق بين بناء الفرد الرباني والدعوة وسط الجماهير المسلمة
• من أخطاء بعض أبناء الحركة الإسلامية إهمال بعض أمور الشرع على حساب الاهتمام بالأمور السياسية
العائق العاشر:
• حلاوة المظهر وخداع البهر:
هذا المرض عادة عند صاحب الاحتياج... فالمحتاج إلى الماء يظن السراب ماء، والذي يوشك على الغرق يظن القشة سفينة، وغيرها من الصور التي نراها في حياتنا، وهذه خطورتها تقل لكونها طبيعية وتأثيرها فردي، أما التي تمثل خطرًا على الدعوة الإسلامية هي تلك التي يصطنعها أعداء الله ليخدعوا بها الحركة، فيظنون السائل ماء، وهو شراب مسكر يذهب بلباب الرجال فيضلون الطريق.
خداعات كثيرة تستعمل لكل بيئة بحسبها، فالشيطان قد امتلأت كنانته بأسهم مختلفة.. ومن أشد صور الخداع التي يرى الإنسان فيها الأرض مخضرة فيظن أنه في بستان غناء وأرض ثابتة، وإذا هو مستنقع آسن قد غطته الأوراق الساقطة التي هبت بها الريح.. وهذا الخداع سيكتشف يومًا ولكن سيكون الوقت قد فات حيث ستهب سنة كونية ريح قوية وستتطاير الأوراق وتنكشف الحقيقة فيبحث المخدوعون عن يابسة فلا يجدون فيسقطون في المستنقع الآسن وسيعرقون ويتنجسون، وفي كلتا الصورتين سيشعرون ويحسون بعد فوات الوقت أنهم كانوا مخدوعين.
ومن أمثلة هذه الصورة ما يظنه الكثير من المسلمين في البلاد التي تنتشر فيها المظاهر الإسلامية أنهم على الخير، وأن الأحزاب الباطلة كالشيوعية والماسونية وغيرها من الاتجاهات اللادينية محاربة ومقضي عليها، فلذلك لسنا بحاجة إلى حركة إسلامية، فالناس بخير والمساجد منتشرة، والجمع قائمة! وهكذا يظن الجميع أن الأرض مخضرة، وأنها يابسة، فإذا جاء أمر ربك وظهرت الحقيقة زال خداع البصر، وأنى لهم يومئذ. فحذار من هذا المرض الخبيث، فالمريض الذي يعرف مرضه من أول الأول يمكنه بعون الله معالجته وقطع الأجزاء المريضة إن كانت تمثل خطورة عندما لا يكتشف المرض إلا في نهاية مرحلته التي لا ينفع فيها العلاج، لا قدر الله.
العائق الحادي عشر
• سقوط قيادة العمل الإسلامي في الدنيا وحبها:
إن قيادة العمل الإسلامي تكليف وتعب وجهد أكثر مما هي تشريف، وهي مغرم وليست مغنمًا. هذه حقيقة يعرفها الجميع ولكنها تخفى على الجميع في لحظات إقبال الدنيا وبهرجها وزينتها.
ولتصوير ذلك لا بد من ذكر ما ذكره الطبري في تاريخ الأمم والملوك«٥» قال: دخل ذات يوم عبد الرحمن بن عوف على أبي بكر في علته التي مات فيها فقال: «أراك بارئًا يا خليفة رسول الله، فقال أبو بكر: أما إني على ذلك لشديد الوجع، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي».
إني وليت أموركم خيركم في نفسي «يقصد عمر بن الخطاب» فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه، فإذا كان معاشر المهاجرين حرصوا عليها، فما بالنا نحن!
ولوجود هذا المرض في النفس البشرية اتخذ الفاروق رضي الله عنه سياسة حكيمة في تربيتهم لدرجة أنه حظر عليهم الخروج إلى البلدان إلا بإذنه وإلى أجل! فاشتد عليهم الأمر وأخذوا بالشكوى، فبلغه رضي الله عنه الأمر فقال: «ألا وإني قد سننت الإسلام سن البعير: يبدأ فيكون جذعًا، ثم ثنيًّا، ثم رباعيًّا، ثم سداسيًّا، ثم بازلًا، ألا فهل ينتظرون بالبازل إلا النقصان، وإن قريشًا يريدون أن يتخذوا مال الله معونات دون عبادة، ألا فأما ابن الخطاب حي فلا، إني قائم دون شعب الحرة، فآخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا إلى النار» «٦».
انظر كيف صور التهافت على الدنيا بالتهافت الى النار، وكيف منعهم من السفر خوفًا من معاينة مفاتن الدنيا وبهارجها... فالله نسأل حسن العون والثبات، وأن لا يكون خروج الدعاة في دراساتهم «۷» يريدون الدنيا وبهرجها، فوالله للذي خاف منه خاف منه عمر رضي الله عنه، نحن أحوج منه اليوم منه بالأمس، والله نسأل حسن المقاصد.
العائق الثاني عشر
• ظهور مفاهیم مغلوطة من جراء نظرات ضيقة محصورة:
إن الناظر في خلافات أصحاب الحركة -حتى الذين هم في إطار واحد- يرى أن السبب متمثل في أن كل واحد منهم نظر إلى جانب من الحركة وجعله هو الحركة، وخاصم وفاصل عليه، وخطأ الآخرين ضوءه، مع أن الحركة تشمل الجوانب كلها، ولتوضيح هذا الموقف نذكر هذه الصور:
• الصورة الأولى:
انقسم أهل الدعوة إلى رأيين: هل الحركة الإسلامية حركة تغييرية أو إصلاحية؟! وبدأ بينهما سجال، ودارت منازعات واتهامات.. وفي هذا المجال نقول: لا خلاف بين الفريقين؛ فالحركة الإسلامية إصلاحية في مجال الإصلاح وتغييرية في مجال التغيير. والناظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الحركة يرى قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالأعمال الإصلاحية من محاربة المفاسد ودعوة إلى الأخلاق، في نفس الوقت الذي كان يعرض نفسه صلى الله عليه وسلم على القبائل ليكون دولة الإسلام بهم التي تقوم بعمل التغيير للوجه الجاهلي للجزيرة العربية، فعلى ذلك فلا مبرر للصراع والاتهامات، على أن يكون الهدف النهائي للحركة الإسلامية هو عبادة الله بمفهومها الواسع وهدم الطاغوت، كما قال الله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ﴾ (النحل: 36) «٨».
• الصورة الثانية:
يدور الحوار بين أصحاب الحركة الإسلامية حول أسلوب العمل الأصلح، هل البناء والتركيز في الصياغة الفردية لإنسان الحركة الإسلامية؟ أم العمل الجماهيري العام والتوعية الإسلامية الوعظية؟
ويحمى النقاش بين أنصار كل فريق من الفريقين.. وفي هذا نقول: لا مبرر للصراع إذا كان الاتجاهان يكمل أحدهما الآخر؛ حيث إنه لا بد من صياغة الفرد الرباني الذي يحمل الرسالة ويقوم بالتغيير، كما أنه يلزم وجود الجماهير المسلمة الواعية التي ترضى بتوجيه الفرد الرباني عن قناعة وإيمان، وإن لم يكن هناك استعداد لتحمل الرسالة وتبعاتها، وهذا التوافق بين الرأيين كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم.. فالرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يذهب إلى الطائف لدعوة الجماهير، ويصعد على الصفا ليدعو عوام أهل مكة وخواصهم، هو نفسه الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يربي الجيل القرآني الفريد في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وشعب أبي طالب.. ولا تناقض بين الموقفين، ثم بعد ذلك ينحصر النقاش في الأولويات، وهذه كذلك أمور نسبية خاضعة لوضع الحركة من حيث القوة والضعف بالنظر إلى الكيف والكم، وخاضعة للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحيطة بالحركة.
• الصورة الثالثة:
بماذا نتحدث؟ وماذا نكتب؟
حوار يدور مع كل خطبة ومع كل كتاب ورسالة، هذه الخطبة لا تناسب الوضع الذي نحن فيه، وتلك الرسالة كان المفروض ألا تأخذ الجهد والوقت، وهكذا تجار الكلام.
فإلى هؤلاء نذكر واقع النبي صلى الله عليه وسلم الشمولي في البيان والحديث والتوجيه؛ فالرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي كان يسير الجيوش لقتال الكفار، هو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يحاور الوفود ويبرم العهود، هو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يداعب الصبيان: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟!»«9»، هو الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم الذي كان يجلس مع المرأة فيشرح لها عن خصائص نفسها في أدق أمورها وحكم شرع الله فيها، ولم يكن ذلك ينقص من اهتماماته الأخرى، ومن الأخطاء الشائعة عند أهل الحركة الإسلامية أنك تراهم يهملون بعض أمور الشرع ليظهروا اهتمامهم في الأمور الجسام الملقاة على عواتقهم، فتراه يجلس من صلاة العشاء إلى الفجر ليناقش بيانًا أصدره اليسار، وليس لديه استعداد أن يجلس نصف ساعة ليعرف نواقض الوضوء، أو كيفية قراءة القرآن، بحجة أن هناك أمورًا مهمة مناطة به.
فإلى هؤلاء وإلى إخواننا الذين نحبهم في الله، ونسأل الله أن يجمعنا وإياهم على منابر النور، إلى المعتمدين على جهودهم وعقولهم، نقول: «لا إفراط ولا تفريط»، فكما تهتم بالبيان السياسي والتوجيه الاقتصادي، اهتم بالحكم الفقهي، واعلم أن علماء المسلمين الذين كتبوا بالأحكام السلطانية هم الذين كتبوا بالطهارة والعبادات، فلا تعارض بين الأمرين، بل يكمل كل واحد منهما الآخر.
«٥» ج۲، ص٦٢.
«٦» الطبري: ج٥، ص١٣٤.
«۷» وذكر هذا الأمر لا يخدش بنيات ومقاصد الدعاة الخارجين للدراسة لكي يرجعوا بعد ذلك بالشهادات التي يستخدمونها لتبليغ دعوة الله، ولكنه الحرص والتنبيه والتحذير.
«۸» النحل: ٣٦.
«٩» البخاري (فتح 13/ 142).