; المعوقات الداخلية للحركة الإسلامية «2» | مجلة المجتمع

العنوان المعوقات الداخلية للحركة الإسلامية «2»

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1986

مشاهدات 67

نشر في العدد 768

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 20-مايو-1986

من أكبر الأمور التي تشغل أجواء الانشقاق هو هذا الكلام المشاع الذي لا يعرف ورعًا مانعًا ولا حكمة مصححة.

من أخطر المعوقات الداخلية للحركة الإسلامية وجود أولئك المنشقين الذين نزغ الشيطان بينهم وبين إخوانهم.

نشرنا في العدد الماضي الحلقة الأولى من العوائق الداخلية في الحركة الإسلامية وكانت حول الدعوة والداعية ومصادر الداعية وبعض الضوابط اللازمة للدعوة واليوم ننتقل للحديث عن بعض المعوقات الداخلية للحركة الإسلامية.

 

المراد بالمعوقات الأخطار التي تعترض الحركة الإسلامية في داخلها من أمراض الفرقة والتخلخل، ووقوع التخريب، وظهور الغبش في الوسائل والغايات، وغير ذلك مما ينزغ به الشيطان، وهذه الأخطار تعتبر أشد فتكًا وأعظم ضررًا من الأخطار الخارجية، فهي التي تهلك الحركة الإسلامية غالبًا فهي أشبه ما تكون باللغم الموضوع داخل العمارة إذا لم ينسفها كاملًا، فإنه يوهن بناءها ويسقط بعضها قطعًا.

 

وهذه الأخطار لا تأتي فجأة، وإنما تأتي متدرجة، تبدأ بسيطة هينة أول الأمر ثم تقوى وتستفحل شيئًا فشيئًا.

 

ومن هذه السطور سنتطرق وإياكم إلى بعض العوائق الداخلية التي نسأل الله العلي القدير أن يعيننا على تجاوزها وتلافيها بعد أن يبصرنا بها:

 

العائق الأول: وجود المنشقين عن جسم الحركة الإسلامية

إن أشد ما تعانيه قيادات العمل الإسلامي، وأكثر ما يشغلها عن عملها اليومي وجود أولئك الذين نزغ الشيطان بينهم وبين إخوانهم بعد أن تركوا قول الأحسن وفعل الأحسن ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (الإسراء:53).

 

وعن هذه المعاناة يعبر الإمام حسن البنا رحمه الله في رسالة أرسلها إلى تمام أفندي يتحدث عن مجموعة المنشقين الذين تم فصلهم بعد معاناة طويلة فيقول: «ولكني أجمل لك القول فأذكر لك أني لقيت منهم عنتًا شديدًا، وأتحت لهم فرصًا كثيرة فأبوا الانتفاع بهذه الفرص»(1).

 

هذه المعاناة آلمت الإمام فأبكته فصدق فيه قول كمال عبد الرحيم رشيد:

آذاه جرح أوجــــــعه
فبكى وأبكى من معه
جرح قديـــــم راعف
أحيا القصيد ورجعـه (2).

 

فهو بكاء حياء بين يدي رب العالمين، هل سيحاسبه ربه عنهم؟! ويشتد الإيذاء عندما ينتقل التجريح من الأشخاص إلى الفكرة، يقول الإمام البنا- رحمه الله: «إن الانتقال من تجريح الأشخاص إلى الطعن في الفكرة نفسها هو مكمن الخطر، وهو أسلوب مكير يحطم صاحبه قبل أن يحطم الناس»(3).

 

ولم لا يعاني قادة العمل من هؤلاء الذين يجعلون الحركة تعيش في دوامة مغلقة من التكامل والتآكل فالحركة لا تكاد عناصرها تتكامل حتى تأخذ بالتآكل.

 

وهذا العائق الضخم- المنشقين- إنما يأتي من أمور لا بد من بيانها.

 

1- الإشاعة

تعريفها

لغة: شيعت فلانًا: اتبعته ومنه شاع الشيب: انتشر.

واصطلاحًا: أخبار مشكوك في صحتها، ويتعذر التحقق من أصلها، وتتعلق بموضوعات لها أهمية لدى الموجه إليهم، ويؤدي تصديقهم أو نشرهم لها إلى إضعاف روحهم المعنوية.

 

وعلى ذلك فالإشاعة تعتبر من أخطر الأسلحة الفتاكة والمدمرة للمجتمعات أو الأشخاص، فكم أقلقت الإشاعة من أبرياء، وحطمت عظماء وهدمت وشائج وتسببت في جرائم وفككت علاقات وصداقات.

 

2- غياب معنى الحب والاعتراف بالود:

قال الإمام الشافعي- رحمه الله: «الحر من راعى وداد لحظة أو انتمى لمن أفاده لفظه».

 

فقيادة تسبق في طرحها وجدها وعملها وتوفير المناهج للجميع شعارهم «ما من أمير يلي أمر المسلمين لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة»(4).

 

فهذه القيادة حتى تستمر في العطاء لا بد من أن يوجد معهم جنود طائعون وبقيادتهم واثقين.

 

3- عدم الحركة والعمل من قبل المنشقين:

قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمۡ﴾ (التوبة:39)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إذا لم ينفروا في سبيل الله عذبهم الله بأن يلبسهم شيعًا، ويذيق بعضهم بأس بعض»(5).

 

وعدم الحركة إنما هو من التثاقل عن حمل الدعوة وتبعاتها.

 

4- الاشتغال بالغيبة والنميمة والغمز واللمز:

قال الفضيل بن عياض: «إذا ظهرت الغيبة ارتفعت الأخوة» ومن خلال الاستقراء تبين أن الذين يقعون في هذا المرض الخبيث إنما يقومون بالدفاع عن أنفسهم حقيقة، مع أنهم كانوا بإمكانهم أن يعمدوا إلى الطريق بقنواته السليمة بعيدًا عن الانتقام للذات وانتهاج سبيل الموبقات، لأن من اغتاب قتل، قال أبو معبد عبد الله بن عكيم الجهني- تابعي جليل- في خطبة له:

«لا أعين على دم خليفة أبدًا بعد عثمان» فقال رجل متعجبًا: يا أبا معبد أو أعنت على دمه.

فقال أبو معبد: إني لأرى ذكر مساوئ الرجل عونًا على دمه(6).

 

وبهذا صح الحديث عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم»(7).

 

وبهذا أفتى الإمام حسن البصري حيث ذكر الإمام أحمد في كتابه الزهد(8) قال: «قال عبد الواحد بين زيد للحسن البصري- وكلاهما من التابعين: يا أبا سعيد أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب بن أبي صفرة»(9)، إلا أنه عاون بلسانه ورضي بقلبه، فقال الحسن: يا بن أخي كم يد عقرَت الناقة؟ قلت: واحدة.

قال: أليس قد هلك القوم جميعًا برضاهم وتماليهم.

 

وهذا المغتاب لم يجعل بينه وبين من اغتابه للصلح موضعًا.

 

5- التحدث في المجالس العامة والخاصة بأخطاء الدعاة والقيادات:

إن من أكبر الأمور التي تشغل أجواء الانشقاق هو هذا الكلام المشاع الذي لا يعرف ورعًا مانعًا ولا حكمة مصححة، ولذلك انتبه عبد الرحمن بن عوف لهذه المسألة فطلب من عمر- رضي الله عنه- ألا يتحدث عن يوم السقيفة في موسم الحج مخافة الانشقاق والفتنة، فقال، رضي الله عنه لأمير المؤمنين في الحج: «لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وألا يعوها وألا يضعوها على موضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه، وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنًا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على موضعها»(10).

 

هذه بعض الأسباب التي تسهم في الانشقاق والتي يدفعها الداء الخفي.

«حب الرئاسة»

قيل لأبي أيوب السجستاني: ما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرياسة فقال شيخ الإسلام ابن تيمية معقبًا «فهي خفية تخفى عن الناس، وكثيرًا ما تخفى على صاحبها»(11) وهذه هي الخطورة الحقيقية أنها تدفع بصاحبها دفعًا يحطم من أمامه، ويستبيح الذي في طريقه، وبهذا المعنى يقول الثوري «ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرياسة ثم يقول «ما أحب أحد الرياسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب، ليتميز هو بالكمال، ويكره أن يذكر الناس أحدًا عنده بخير».

 

وهذا «واصل بن عطاء»(12) بدأ بكلمة في مجلس الحسن البصري فانشق عنه فافتتنت الأمة بعده في إمامها وعلمائها كما هي قصة الإمام الممتحن أحمد بن حنبل الشيباني الذي أرجع الأمة إلى السنة والجماعة، فكان إمام أهل السنة والجماعة، وهذه طبيعة الانشقاق أنه لا يكون بعده لقاء قال تعالى ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال:13).

 

قال ابن القيم رحمه الله بعد هذه الآية «إن المنشق لا يكون أبدًا إلا في شق بعيد عن الشق الذي فيه الله ورسوله، فكيف يكون الالتقاء مع الذي بينك وبينه واد عميق فهو على شق وأنت على شق».

 

ومن هذه الخطورة كانت الاستعاذة النبوية الكريمة:

«اللهم إنا نعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق»(13) وهذا هو الذي بقي للشيطان يفتن به المصلين ويأخذهم عن الطريق القويم قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:

«إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم»(14).

 

فعليكم معاشر الإخوة بالتماسك والتعاضد والائتمار بأمر ربكم- تبارك وتعالى:

﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا﴾ (آل عمران:103).

 

فهذا الاعتصام طريق القوة كما قال الشاعر:

تأبى الرماح إذ اجتمعن تكسرًا ** وإذا افترقن تكسرت آحادا

 

يتبع

(1) - رسالة من الإمام حسن البنا إلى قيادات الدعوة ص 68.

(2) - العوائق ص 6.

(3) - من حسن البنا إلى قيادات العمل ص 66.

(4) - مسلم 1/126.

(5) - الفتاوى 15/44.

(6) - طبقات ابن سعد.

(7) - صحيح البخاري 8/125.

(8) - الزهد للإمام أحمد ص 289.

(9) - وكان قد انشق عن الدعوة الإسلامية معتمدًا على وجاهة أبيه وكان أبوه رحمه الله مبيدًا للخوارج.

(10) - صحيح البخاري 80/209.

(11) - الفتاوى 16/346.

(12) - رأس المعتزلة بدأ بكلمة عندما سئل عن العصاة من الموحدين والمنزلة بين المنزلتين.

(13) - أبو داود «1546» والنسائي «8/232» وضعفه الشيخ ناصر «ضعيف الجامع 1296».

(14) - مسلم 7/235.

 

 

 

 

الرابط المختصر :