; داعين لمفهوم الدولة الراعية.. لا الحارسة ولا المنسحبة.. أداء متميز للإسلاميين وبرنامج واضح ومتماسك وعملي | مجلة المجتمع

العنوان داعين لمفهوم الدولة الراعية.. لا الحارسة ولا المنسحبة.. أداء متميز للإسلاميين وبرنامج واضح ومتماسك وعملي

الكاتب إبراهيم الخشباني

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1997

مشاهدات 68

نشر في العدد 1275

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 11-نوفمبر-1997

- مقترحات عمليو تهدف إلى تحسين المستوى المعيشي للمواطنين وتحقيق عدالة اجتماعية

يعيش المغرب منذ فاتح نوفمبر الجاري على إيقاع الحملة الانتخابية، في أفق إجراء انتخابات تشريعية يوم 14 من نفس الشهر بقصد تشكيل الغرفة الأولى للبرلمان «مجلس النواب».

وهكذا انطلقت الأحزاب الستة عشر المشاركة في الاقتراع المقبل في خوض حملاتها الدعائية بمختلف الوسائل المتاحة «تجمعات خطابية، مسيرات... إلخ» كما تغير منذ يومها لون ورق الصحف الناطقة باسم هذه الأحزاب من الأبيض إلى اللون الانتخابي لكل حزب «البنفسجي للاتحاد الاشتراكي، والوردي لحزب الاستقلال، والبرتقالي للاتحاد الدستوري» مما جعل أكشاك الصحف متعددة الألوان، وتتميز الحملة بدخول الأحزاب لأول مرة برموز انتخابية «الوردة للاتحاد الاشتراكي» والميزان للاستقلال، والكف لمنظمة العمل، فيما اختارت الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية رمز القنديل، استيحاء من الآية الكريمة: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ...﴾ (النور: ٣٥) ويبدو الهلال واضحًا في قاعدة القنديل كرمز إسلامي.

وقد فشلت التكتلات الحزبية من يمين ويسار في التقدم بمرشح مشترك، فدخلت أحزاب «الكتلة الديمقراطية» منفردة إلى الانتخابات: وهي صيغة أخرى بعد تحالف لم يصمد- عندما جد الجد ووجبت التضحية -أمام ضغوط أطر كل حزب الراغبة في الترشيح للبرلمان، ولعل في دخولها متنافسة ما قد يضعف من حظوظها لحساب غيرها من الأحزاب.

وبدت برامج الأحزاب الستة عشر متشابهة إلى حد كبير، بحيث طغي الشأن الاجتماعي والاقتصادي على جلها يمينًا ويسارًا.

وهكذا اعتبر حزب الاستقلال أن المغرب ما زال يعيش أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة رغم أنه يتوفر على «دستور جيد وتشريعات صالحة في مجال الحريات العامة والفردية وحقوق الإنسان» مؤكدًا أنه وضع برنامجًا يرمي إلى إنقاذ البلاد من المشاكل التي تتخبط فيها، وأن هذا البرنامج الذي سيسهر الحزب على تطبيقه يرمي كذلك إلى جعل المغرب قادرًا على مواجهة المنافسة العالمية من خلال تحديث اقتصاده وتعزيز بنياته الإنتاجية، وتنمية العالم القروي، مضيفًا أن الحزب يرى أنه «لا بد أمام المشاكل الاجتماعية والاقتصادية للبلاد من بعث روح جديدة قوامها الجدية والتضامن والوحدة، وتعزيز أسلوب الحوار بين الأطراف المعنية، وإنجاز المشاريع المنتجة، وخاصة فك العزلة عن المناطق المحرومة، وبناء السدود، والمدارس والمستوصفات ودور الشباب».

ولا يختلف كل هذا عما يدعو إليه حزب التجمع الوطني للأحرار «وسط يمين» في برنامجه الذي يؤكد بأنه يرمي إلى بلوغه عدالة اجتماعية شاملة وإشراك الجميع في جهود التنمية، وتنشيط الاقتصاد الوطني، وجعله قادرًا على التنافس العالمي بـ «تطهيره من الشوائب والعوائق، وتنظيم وتشجيع استقطاب المستثمرين».

وركَّزَ حزب التقدم والاشتراكية «يسار»، كذلك على ضرورة التخلص من الأمراض الاجتماعية كالرشوة، والمحسوبية، والبطالة، مشيرًا إلى أن المشروع المجتمعي الذي يطمح الحزب إلى تحقيقه يعتمد على العدالة الاجتماعية والتقدم، ولم يفته التأكيد على أن الحزب ينتمي إلى منظومة اليسار.

وركَّزَتْ منظمة العمل الديمقراطي والشعبي «يسار» على ضرورة أن "يتوفر المغرب على اقتصاد قوي يمكن البلاد من القدرة على المنافسة، وعلى تعليم يعتني بالبحث العلمي".

وتتميز الانتخابات التشريعية لهذه السنة بعودة «الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية» إلى المشاركة بعد مقاطعة للحياة السياسية دامت ۲۰ عامًا، وهو الحدث الذي تركزت عليه أنظار المراقبين منذ بداية الحملة، وخصوصًا أن هذه العودة تتسم بمشاركة أعضاء من حركة التوحيد والإصلاح يشكلون أغلبية مرشحي الحزب الـ١٤٢ «من بينهم 3 نساء»، وهو عدد يمثل حوالي نصف مقاعد مجلس النواب، ويضاهي الأعداد التي تتقدم بها أكبر الأحزاب المتمرسة بالمشاركة وقد انخفضت نسبة المشاركة المقررة من الثلثين إلى النصف.

وقد عقد الحزب منذ اليوم الأول لبدء الحملة الانتخابية ندوة صحفية تحدث فيها الدكتور عبد الكريم الخطيب -الأمين العام للحزب- عن المسار السياسي للحزب الذي كان تأسيسه الأول منذ فجر الاستقلال وقوفًا صريحًا في وجه المحاولات الأولى لفرض منطق الحزب الوحيد الذي كان تقليدًا سائدًا على الساحة العربية، وإقرارًا لمبدأ التعددية السياسية، والحزب يستمد جذوره التاريخية من مساهمة مؤسسيه -وعلى رأسهم الدكتور الخطيب- وانخراطهم القوي من خلال الحركة الوطنية وجيش التحرير في محاربة الاستعمار.

وكان الحزب قد تأسس باسمه الحالي سنة ١٩٦٧م بعد الانشقاق عن «الحركة الشعبية» بسبب الخلاف العميق بين مؤسسيه لرئيسيين «الدكتور الخطيب»، و«المحجوبي أحرضان» على إثر انحياز الأخير وجناحه إلى توجه الحكومة، في حين كان الدكتور الخطيب -رئيس البرلمان آنذاك- هو الشخصية السياسية الوحيدة الذي أعلن صراحة عن رفضه للقرار القاضي بحل البرلمان وفرض حالة الاستثناء، ونادى بالعودة السريعة للعمل بمقتضيات الدستور.

وكانت «الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية» قد أعلنت منذ تأسيسها عن مرجعيتها الإسلامية وتبنيها للعمل على أسلمة الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد، مما كان يعتبر آنذاك سباحة ضد تيار جارف من التوجهات الماركسية التي طغت على العالم في حقبة الستينيات والسبعينيات، وكان اليساريون المغاربة يعتبرون آنذاك أقوى تيارات اليسار في العالم العربي، مما زاد من حدة تهميش هذه الحركة وترويج الشائعات والشبهات حولها وحول زعيمها، واتضح إصرار الخطيب على السباحة ضد التيار عند دعوة الأحزاب السياسية للمساهمة بإبداء رأيها فيما تراه ناجعًا من برامج لإصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية -على إثر الأحداث التي عرفها المغرب في بداية السبعينيات «محاولتان انقلابیتان فاشلتان» فراحت أغلب الأحزاب تقترح حلولًا تترنح ذات اليمين وذات اليسار، وكانت رسالة الحزب إلى العاهل المغربي المؤرخة بـ ۷ رمضان ١٣٩٢هـ- ١٦ أکتوبر ۱۹۷۲م واضحة في تبني الحل الإسلامي وجاء فيها أن «الإصلاح لا يمكن أن يتحقق إلا إذا استنبطنا سبله وطرقه من البعث الإسلامي الذي نترقبه ونتعطش إليه وننتظره بفارغ الصبر، فالإسلام في حقيقته الثابتة نظام حياة كاملة، ولا غرو في مقام العمل البناء الصادق أن نستمد مبادئ إصلاحنا وهداية نهضتنا من مبادئه وعقيدته التي بنت حضارته الفذة بالأمس واستعصت على حملات المحو والإبادة، وذلك التجديد الإسلامي المنتظر عليه أن يُدخل بعثًا في تفكيرنا وسلوكنا وحياتنا وأخلاقنا وتربيتنا وتعليم النشء الصاعد وتوجيهه، خصوصًا أن الاستعمار بجميع أشكاله تسرب إلى الدولة المسلمة عن طريق مناهج التعليم وبرامج الإعلام والتخطيطات الاقتصادية».

كان هذا سنة ۱۹۷۲ م ولم تكن آنذاك قد تأسست بعد أي من الحركات الإسلامية المعاصرة في المغرب.

وقد أكدت ديباجة البرنامج الانتخابي أن الحزب ظل متشبثًا بمنطلقاته تلك رغم قلة النصير -بل غيابه- في تلك الحقبة من تاريخ المغرب، مضافًا إلى ذلك الحالة السياسية التي مرت بها البلاد آنذاك، فكان «الغياب القسري عن الساحة السياسية الذي اضطر إليه الحزب، ولما عمت الصحوة الإسلامية المباركة أرجاء المعمورة؛ حيث نال المغرب منها نصيبه -والحمد لله- كان من الطبيعي أن يتفاعل معها الحزب بعد أن وجد في مبادئها ومنطلقاتها ما كان ينادي به منذ نشأته الأولى، وهكذا اجتمعت من جديد نوايا حسنة، وإرادات صالحة لانطلاقة جديدة.

وهذا ما عبر عنه الدكتور الخطيب خلال الندوة الصحفية ردًا على أسئلة تتعلق بسبب العودة إلى المشاركة بعد طول انقطاع، حيث قال إن «مشاركة حزبه هذه المرة تأتي تلبية لرغبة فئات من الشباب والأطر القيادية الذين التحقوا بالحزب في الآونة الأخيرة».

وقد حمل البرنامج إشارات واضحة لاعتماد التدرج البناء في عملية أسلمة مؤسسات الدولة والمجتمع، وركز البرنامج على بُعدين أساسيين:

1- الدعوة إلى تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية واعتبار الجوانب الجزائية في الإسلام تأتي كنتيجة لأسلمة شاملة وليس مدخلًا إلى ذلك.

2- التركيز على إعطاء نصوص الدستور المغربي المتعلقة بالإسلام مدلولها العملي من خلال مراسيم وتدابير عملية تترجم إلى الواقع.

وقد أعلن الحزب بالفعل مقترحات عملية ضمن برنامجه الانتخابي، تهدف إلى تحسين المستوى المعيشي للمواطنين، وتحقيق عدالة اجتماعية، وانتقد مفهوم «الدولة الحارسة» في إشارة إلى توجيه الدولة لكل شيء من اقتصاد وغيره، ومفهوم «الدولة المنسحبة» في إشارة إلى برامج التخصيص والتوجه العشوائي إلى اقتصاد السوق، ودعا إلى اعتماد مفهوم «الدولة الراعية» أي الدولة التي تتكفل برعاية الأبعاد المعاشية والاجتماعية للمواطنين، وتتولى تفعيل مفهوم التضامن والتكافل الذي يشدد عليه الإسلام.

وانتقد مصطفى الرميد -عضو الأمانة العامة للحزب، وعضو المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح -منطق التهميش والإقصاء الذي عُومل به الحزب والمتمثل في الإقصاء من اللجنة الوطنية لتتبع الانتخابات، وحرمان الحزب من لون متميز، حيث أعطى للحزب لون بنفسجي بخط أسود، مما يحدث خلطًا مع الاتحاد الاشتراكي صاحب اللون البنفسجي الصافي.

ولم يحظ الحزب بمثل ما حظيت به أحزاب أخرى من مساهمة الدولة في تمويل الحملة الانتخابية والظهور على شاشة التليفزيون لمدة طويلة، حيث تقلصت المدة إلى ٦ دقائق فقط، ومع ذلك فقد تمكن الحزب حتى الآن رغم عدم سابقة تجربة عناصره الشابة من أن يبرهن على أداء متميز منذ بدء الحملة الانتخابية، وخصوصًا أن يقدم برنامجًا واضحًا ومتماسكًا وعمليًا، ولقد رأى الكثير من المراقبين أن الصيغة التي دخل بها فصيل أساسي من الإسلاميين المغاربة الحياة السياسية تعتبر صيغة فريدة حتى الآن بالمنطقة، إذ تتسم بقدر كبير من المرونة والأداء السياسي الذكي، فقد اندمجوا في حزب وطني قائم منذ مدة على نفس منطلقاتهم ومرجعياتهم، وأعادوا إليه النشاط والحيوية بعد أن ظل جامدًا لمدة عقدين من الزمن وتركوا جانبًا خيار الحزب الخاص بهم بعد أن تم رفضه وتجنبوا صدامات جانبية حول مسميات طالما اتخذت من قبل ذريعة لإقصاء الإسلاميين بحكم أنها ضرب من ضروب احتكار الإسلام.

وهو ما سبق أن أعلنوا عنه منذ البداية عندما نصوا في ميثاق «حركة التوحيد والإصلاح» بأنها لیست جماعة المسلمين ولكنها جماعة من المسلمين -لا تدعو المغاربة إلى الإسلام ولكنها تدعوهم إلى العودة للالتزام الصحيح بالإسلام في كل مناحي الحياة حكامًا ومحكومين.

وينسجم مع توجهاتهم هذه أطر الحزب القدامى كذلك، فقد عبر الدكتور الخطيب في الندوة الصحفية عن الهدف من دخول الانتخابات بعد طول غياب قائلًا: «قرر الحزب الدخول إلى المعركة الانتخابية لا طمعًا في المقاعد، بل رغبة في إيصال الرسالة التي تتبناها الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية لبناء مجتمع سلیم مسلم محترم».

الرابط المختصر :