; المغرب: تشكيل الحكومة الجديدة.. والإسلاميون طليعة المعارضة | مجلة المجتمع

العنوان المغرب: تشكيل الحكومة الجديدة.. والإسلاميون طليعة المعارضة

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر الاثنين 16-ديسمبر-2002

مشاهدات 51

نشر في العدد 1527

نشر في الصفحة 30

الاثنين 16-ديسمبر-2002

بعد ثلاثة أسابيع من المشاورات الصعبة مع الأحزاب السياسية التي قادها رئيس الوزراء المعين إدريس جطو، تشكلت يوم 7 نوفمبر الحكومة المغربية الجديدة التي ضمت ۳۸ وزيرًا وكاتب دولة ينتمون إلى ستة أحزاب، هي نفسها التي قادت التجربة الحكومية السابقة التي عرفت  بحكومة التناوب التوافقي، ما عدا الحزب الاشتراكي الديمقراطي وجبهة القوى الاشتراكية، وإضافة حزب جديد هو الحركة الشعبية ذات التوجه البربري الذي التحق بحليفته داخل الحكومة الحركة الوطنية الشعبية التي تقاسمه نفس التوجه. 

المدة الطويلة التي استغرقتها المشاورات لتشكيل الحكومة؛ كانت بسبب الخلافات الكبيرة داخل الأحزاب حول عدد الحقائب الوزارية لكل منها، كما كانت أيضًا بسبب التنافس القوي بين الحزبين الرئيسين الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، وقد كان هذا التنافس الدافع الأقوى لأن يعين الملك وزير الداخلية «إدريس جطو» وزيرًا أول لكونه غير منتم لأي حزب للحؤول دون بروز صراعات داخل الحكومة حول القيادة، واتضح ذلك من خلال تخصيص حقيبة وزارية واحدة لمنصب وزير دولة عادت إلى الأمين العام لحزب الاستقلال عباس الفاسي كنوع من الترضية. 

ولم تخل المشاورات مع الأحزاب من طابع السرية والتكتم، مما عزز من الاعتقاد بأن عدد الحقائب الوزارية للأحزاب كان المحدد الأساسي لتعاطيها مع هذه المشاورات، وليس الأرضية الدستورية والسياسية، خصوصًا بعدما تراجع الاتحاد الاشتراكي عن موقفه الغاضب من تعيين الوزير الأول من خارج التشكيلات السياسية، وعدم الخضوع لنتائج الانتخابات التشريعية التي أعطته مركز الصدارة داخل مجلس النواب. 

وزارات السيادة

هكذا نال الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية «يسار»، وحزب الاستقلال «ليبرالي محافظ» ثماني حقائب لكل منهما، يليهما التجمع الوطني للأحرار «ليبرالي»  بست حقائب، ثم الحركة الشعبية «توجه بربري» بثلاث حقائب والحركة الوطنية الشعبية «توجه بربري»، وحزب التقدم والاشتراكية «يسار»  بحقيبتين لكل منهما. 

وقد حافظت الحكومة الجديدة على ما أصبح يطلق عليه وزارات السيادة، وهي الوزارات التي يبقى للملك حق تعيينها من خارج الأحزاب لحساسيتها السياسية الداخلية، مما يشكل في نظر المراقبين تشكيكًا في قدرة الأحزاب أو أهليتها لتدبيرها على الوجه الأفضل، وهي وزارات الخارجية والداخلية والأوقاف والشؤون الإسلامية والوزارة المكلفة بالدفاع، ولوحظ أن وزارة العدل التي ظلت دائمًا في عداد وزارات السيادة، قد أسندت إلى متحزب وتزامن ذلك مع الانتقادات التي وجهت إلى هذه الوزارة بعد الحريق الذي اندلع في سجن بمدينة الجديدة، وخلف أكثر من خمسين قتيلًا وعددًا آخر من الجرحى، وكذا ملفات الفساد المالي العديدة الموضوعة أمام أنظار المحاكم.

وقد ضمت الحكومة الجديدة ثلاثة وجوه نسائية كترجمة لما حصلت عليه المرأة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، أسندت إليها كتابة الدولة الخاصة بالأمية، وكتابة الدولة الخاصة بأوضاع المرأة والأسرة والطفولة وإدماج المعاقين ووزارة شؤون المهاجرين ويتوقع أن يكون لهذا التعيين أثره على النقاشات الدائرة بخصوص تعديل مدونة الأحوال الشخصية وقضية المرأة عمومًا في السنوات المقبلة، حيث يتطلع التيار العلماني إلى تحصيل المزيد من المكاسب في اتجاه التخلي عن الأعمدة الرئيسة في المدونة ذات الارتباط بالشريعة الإسلامية، وإحياء ما يسمى ب «الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية» التي وضعتها الحكومة السابقة، وجعلت على الرف بعد المعارك السياسية الكبرى عام ٢٠٠٠م، التي انتهت بتدخل الملك شخصيًا وتعيينه لجنة خاصة من العلماء والمختصين لتعديل المدونة، غير أن ما تسرب حتى الآن من مضامين المدونة لم يرق للتيار العلماني، وهو ما ينبئ بتجدد المعارك بعد ظهور التعديلات النهائية التي حدد لها الملك آخر هذا العام كحد أقصى.

حكومة الانشغالات

يتضح من طبيعة الوجوه في الحكومة الجديدة أنها حكومة انشغالات لتدبير الملفات الصعبة في مغرب السنوات السبع المقبلة، إذا لم تتم الإطاحة بها قبل ذلك فقد طغى الجانب الاقتصادي في اختيار الوزراء، كما ضمت تسعة وزراء من خارج الأحزاب، أي ثلث أعضائها، جيء بهم من دوائر اقتصادية وإدارية مختلفة، ويتماشى ذلك مع طبيعة الوزير الأول، فهو تكنوقراطي قادم من المجال الاقتصادي، مما يعني أن القضايا الاقتصادية والاجتماعية أصبحت الهاجس الأول للحكومة في مجتمع تنخره البطالة والأمية وأزمة السكن والاختلالات الاجتماعية التي تهدد بالانفجار. 

وقد أشار العاهل المغربي في الكلمة التي ألقاها أمام الحكومة إلى هذه المهام عندما طالبها ب «الإقدام على اتخاذ القرارات الصعبة وعدم الانصياع للحلول التبسيطية»، وبوضع برنامج عمل «يستجيب للانتظارات الاقتصادية والاجتماعية»، وحدد لها أربع أولويات التشغيل المنتج والتنمية الاقتصادية والتعليم والسكن. 

وبرزت هذه الانشغالات من خلال إلغاء بعض الوزارات السابقة، ووضع وزارات جديدة يغلب عليها الطابع الاقتصادي والعملي مثل وزارة تحديث القطاعات العامة، ووزارة التجارة الخارجية التي خصصت لها وزارة مستقلة بعدما كانت ملحقة بالخارجية، بهدف العمل على جلب الاستثمار الأجنبي، وكتابة الدولة في الأمية التي تعكس رغبة في  القضاء على الأمية التي تمس حوالي ٦٠٪ من سكان العالم القروي، ووزارة خاصة بالسياحة في إطار إنجاح الاستراتيجية الوطنية التي تسعى إلى توسيع عدد السياح الأجانب من مليون سائح إلى عشرة ملايين في أفق عام ٢٠١٠م. 

ولوحظ أنه لأول مرة يتم إحداث كتابة خاصة بالماء. وهو ما يعكس التحدي الذي أصبح يعيشه المغرب بسبب توالي سنوات الجفاف؛ مما أدى إلى تراجع الإنتاج الفلاحي وزاد من وتيرة استيراد القمح من ٢٥٨١ طنًا عام ١٩٩٩م إلى ٣٤٤١ طنًا عام ۲۰۰۰م، وتراجع نصيب الفرد من الماء من 1800م3 إلى ۸۰۰ م3 .. بينما يتوقع أن ينزل إلى 500م3 عام ٢٠٣٠م، وهو ما يتطلب وضع سياسة مائية متوازنة.

  الإسلاميون في المعارضة

أما حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي الذي حصل على ٤٢ مقعدًا محتلًا بذلك الصف الثالث بين التشكيلات السياسية، فقد أثر البقاء في موقع المعارضة وقرر المجلس الوطني للحزب عدم المشاركة في الحكومة بالرغم من مشاركته في المشاورات التي قادها الوزير الأول مع الأحزاب الأولى في البرلمان. واتضح توجه الحزب نحو خيار المعارضة حينما اختار تقديم مرشح عنه لرئاسة مجلس النواب «الغرفة الأولى للبرلمان» في ۲۱ أكتوبر منافسًا مرشح الغالبية من الاتحاد الاشتراكي، ورغم أن مرشح الحزب حصل على عدد قليل من الأصوات، إلا أن خطوته تلك كانت رسالة سياسية إلى الأغلبية الحكومية التي ظهرت معالمها الأولى مع التصويت على رئيس المجلس. 

قرار البقاء في المعارضة لم يكن محل إجماع داخل أجهزة الحزب، فالبعض تحدث عن «فرصة لا تعوض» برفض عرض الوزير الأول، كما تحدث البعض عن أخطاء في تحديد موقف من الحكومة حتى قبل تشكيلها عندما صرح بعض قياديي الحزب أنهم لن يشاركوا في أي حكومة يقودها أو يشارك فيها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. 

وبالنظر إلى ضعف الأحزاب الأخرى التي لم تنخرط في الحكومة، وعدم قدرتها على أداء دور المعارضة المقبلة، وهو ما برز واضحًا مع الحكومة السابقة، يبقى حزب العدالة والتنمية الوحيد داخل البرلمان الأقدر على القيام بهذا الدور، وهو ما يعني أن المعارضة المقبلة ستتشكل من التيار الإسلامي مع جماعة «العدل والإحسان» التي يقودها الشيخ عبد السلام ياسين خارج البرلمان، والتي يرى المراقبون أنها ستكون اللاعب الأول في ساحة الاعتراض السياسي خلال المرحلة المقبلة التي تتولى فيها  الحكومة الجديدة مهامها.


الرابط المختصر :