العنوان المغرب.. حكومة التداول التوافقي على السلطة تدشن مرحلة جديدة من الممارسة السياسية
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مارس-1998
مشاهدات 61
نشر في العدد 1293
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 24-مارس-1998
تدشن الحكومة المغربية الجديدة التي أعلن عن تشكيلها مؤخرًا لمرحلة جديدة في الممارسة السياسية المغربية تتسم بالتداول على السلطة بين الأحزاب السياسية، وهو ما اصطلح على تسميته في المغرب بالتناوب التوافقي حيث لم تفرز الانتخابات التشريعية أغلبية برلمانية واضحة تمكن من تناوب برلماني.
وتضم الحكومة الجديدة سبعة أحزاب، وهو عدد كبير نسبيًا إذا قورن بالائتلافات الحكومية التي تشهدها عدة دول ديمقراطية أخرى يضطر فيها الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية إلى الائتلاف مع حزب آخر أو حزبين على الأكثر تجمعه معهما رؤى وتصورات مشتركة، الشيء الذي جعل المتتبعين للمشهد السياسي المغربي يتخوفون على عنصر الانسجام الضروري لنجاح أي تشكيل حكومي في مهامه وفي تنفيذ برنامج واضح ومتفق عليه.
ويبني هؤلاء تخوفاتهم على تباعد فرقاء الائتلاف الحكومي الجديد في التصورات والرؤى، مما قد يجعل قضية التعايش بين مكونات الحكومة الجديدة مهمة صعبة.
وإلى جانب العدد المفرط من الأحزاب يمكن من جانب آخر تحديد عدة خصوصيات تنفرد بها هذه الحكومة عن الحكومات التي تعاقبت على تيسير البلاد على مدى أربعة عقود ومن هذه الخصوصيات:
1- أنها جاءت نتيجة مسلسل طويل وشاق في إطار استراتيجية النضال الديمقراطي التي نادى بها منذ بداية الاستقلال المرحوم «علال الفاسي» وانضم إليه في بداية السبعينيات المرحوم عبد الرحيم بوعبيد وكونا معًا الكتلة الوطنية كجبهة تضم الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال سعيًا إلى مزيد من ديمقراطية الممارسة السياسية ومعلنة نهاية استراتيجية النضال الثوري التي تبناها اليسار المغربي منذ البداية.
وبعد وفاة بوعبيد وتسلم اليوسفي رئاسة الحزب واصل نفس النهج الذي قاد في الأخير إلى ما اصطلح على تسميته بفلسفة التوافق» والتراضي بين النظام الحاكم والحركة الوطنية حول القضايا المجتمعية الكبرى على المستويات الاقتصادية والسياسية.
ومسلسل النضال الديمقراطي هذا عرف عدة محطات بدءًا بمطالبة المعارضة بتوسيع نطاق ممارسة الحريات العامة والفردية ووصولًا إلى المطالبة بإحداث تعديلات جوهرية على دستور المملكة والمشاركة في تسيير الشأن العام ضمن حكومة تناوب تفرزه بالأساس صناديق الاقتراع.
2- أنها حكومة تشكل عمودها الفقري أحزاب المعارضة الممثلة في «الكتلة الديمقراطية» باستثناء منظمة العمل الديمقراطي والشعبي التي امتنعت عن المشاركة في الحكومة وإن أبدت استعدادها للمساندة البرلمانية.
3- أنها حكومة تضم بين مكوناتها لأول مرة في تاريخ المغرب قدماء الشيوعيين «حزب التقدم والاشتراكية وحزب جبهة القوى الديمقراطية المنشق عنه»، ومشاركة الشيوعيين القدامى تأتي تتويجًا لمسلسل التحولات التي عرفها هذا الفصيل عبر عدة محطات منذ الاستقلال على مستوى مواقفه السياسية وأطروحاته الفكرية الأيديولوجية للتكيف مع النظام القائم الذي يرتكز في مرجعيته على المشروعية الإسلامية، ومع عقيدة الشعب المغربي وتضم الحكومة كذلك قدماء الحركة الماركسية- اللينينية المغربية- التي عرفت خلال السبعينيات بمواقفها الرفضوية المشاكسة، وهي ممثلة في الحكومات الجديدة بوزير واحد ينتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي المنشق عن منظمة العمل.
4- إنها حكومة تحظى بمساندة برلمانية من قوى غير مشاركة فيها وهي منظمة العمل الديمقراطي والشعبي العضو في الكتلة والحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية التي تضم نوابًا إسلاميين من «حركة التوحيد والإصلاح» وإن كانت مرجعيات المساندة تختلف بين التنظيمين فقد تبنت المنظمة موقفًا يدعم حكومة اليوسفي دون المشاركة فيها، ويساندها في إطار «برنامج وميثاق الكتلة الديمقراطية» بينما أصدرت «الحركة الدستورية» بيانًا على إثر اللقاء الثاني مع اليوسفي والذي اعتذرت من خلاله عن المشاركة في الحكومة في هذه المرحلة مع تمسكها بـ «مبدأ المساندة والتعامل البناء مع كل الخطوات الإيجابية للحكومة المرتقبة في ضوء المبادئ الإسلامية والمصالح العليا للبلاد» وهو ما أسمته جريدتها «العصر» بـ «المساندة النقدية» والمساندة النقدية حسب الافتتاحية المذكورة والتي صدرت بعيد اللقاء والتي تعني وفقًا للجريدة سلوكًا حضاريًا أصيلًا، يتمثل في تمكين الحكومة من أجواء مناسبة للعمل والإنجاز حتى ولو لم تشارك فيها بطريقة عضوية، وهذا عنصر أساسي مع الاحتفاظ بحق المراقبة والمحاسبة عند الضرورة توخيًا للترشيد والتسديد وهذا عنصر أساسي كذلك.. والعنصران معًا يهدفان إلى خدمة المصالح العليا للبلاد في نطاق قيمنا ومبادئنا بعيدًا عن أي حسابات حزبية ضيقة.
والحركة تترك بذلك الفرصة الكاملة للحكومة على أساس: تحقيق المصالح العليا للبلاد والعباد وإجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الضرورية في ظل «أحكام الشريعة الإسلامية» التي ارتضاها الشعب المغربي إطارًا لحياته، هكذا أكدت «العصر» في افتتاحيتها، وهي أول مرة يشترط فيها حزب سياسي مغربي «أحكام ومقاصد الشريعة الإسلامية» لتوفير مساندته، كما أنها أول مرة يصعد فيها إسلاميون في المغرب إلى قبة البرلمان، وأول مرة يساندون فيها حكومة يقودها اشتراكيون.
5- أنها حكومة يحتفظ الملك فيها بأربعة حقائب وزارية إضافة إلى منصب الأمانة العامة للحكومة، والحقائب الأربع هي ما اصطلح على تسميته بالوزارات ذات السيادة وهي: «الداخلية والخارجية والعدل والأوقاف والشؤون الإسلامية».
والجدير بالذكر أن هذا المطلب ساهم بشكل كبير في إفشال التناوب التوافقي الذي اقترحه الملك على إثر انتخابات ۱۹۹۳م، وكان قد برر رغبته في الاحتفاظ بتلك الحقائب عندما قال بالمناسبة: «وزارة الخارجية جد حساسة لأنها تضم المصالح الاقتصادية والتجارية الحيوية للبلاد ويجب أن تظل بعيدة عن الحسابات الحزبية...»، وأكد كذلك بالنسبة لوزارتي الداخلية والعدل بإن: « العدل أساس الملك، والأحكام تصدر دائمًا باسم الملك، فلا يمكن لطائفة سياسية أو أسرة سياسية أن تتقلد منصبًا كهذا، لأن قضاء الله يقبله الإنسان، ولكن ظلم طائفة لطائفة لا يقبله الإنسان » ولهذا السبب نفسه قال: «وزارة الداخلية هي التي لن أعطيها أبدًا لأي حزب من الأحزاب».
6- أنها حكومة تضم وجوهًا جديدة في أغلبها، لم يسبق لها أن مارست أي مهام حكومية، ويتوفر وزراؤها على مستوى تعليمي عاٍل ويتميزون بصغر سنهم مقارنة مع سابقيهم، كما أن أغلبهم وجوه نضالية معروفة على الساحة السياسية.
والوزراء المحتفظ بهم من الحكومة السابقة هم على الخصوص المكلفون بالحقائب ذات السيادة، كعبد اللطيف الفلالي في الخارجية، وإدريس البصري في الداخلية، وعمر عزيمان في العدل، وعبد الكبير العلوي المدغري في الأوقاف والشؤون الإسلامية.
كما بقي السيد عبد الرحمن السباعي على رأس الوزارة المنتدبة لدى الوزير الأول مكلفًا بالدفاع الوطني والسيد عبد الصادق ربيع على رأس الأمانة العامة للحكومة، فيما تقاسمت الحقائب الأخرى أحزاب الاتحاد الاشتراكي ثلاث عشرة حقيبة... الاستقلال ست حقائب التجمع الوطني للأحرار ست حقائب الحركة الوطنية الشعبية ثلاث حقا جبهة القوى الديمقراطية حقيبتان، والحزب الاشتراكي الديمقراطي حقيبة واحد.
وقد استحدثت الحكومة الجديدة وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية التي يدخل في اختصاصاتها أيضًا قطاع التشغيل والتكوين المهني ومعضدة بحقائب اجتماعية أخرى هي وزارة الدولة المكلفة بالرعاية الاجتماعية والأسرة والطفولة ووزارة الدولة المكلفة بالتضامن والعمل الاجتماعي، وهو ما يعني أن الملف الاجتماعي سوف يكون من بين أولويات حكومة اليوسفي، كما تم استعادة وزارة منتدبة لدى رئيس الوزراء مكلفة بالتخطيط.
ومن سمات الحكومة الجديدة كذلك ضمها السيدتين هما نزهة الشقروني، وعائشة بالعربي، وهما: معًا معروفتان في حزب الاتحاد الاشتراكي وفي صفوف تنظيماته النسوية وكذلك ضمها لزميلين اثنين من العاملين في الصحافة هما نقيب الصحفيين المغاربة محمد العربي المساري من حزب الاستقلال وزيرًا للاتصال، والصحفي محمد أوجار المسؤول عن جريدة الميثاق الوطني الناطقة باسم التجمع الوطني للأحرار «وزيرًا لحقوق الإنسان».