العنوان المغرب: زيارة «بن كيران» للاتحاد الاشتراكي.. بين الكتلة التاريخية والولاية الثانية
الكاتب عبدالغني بلوط
تاريخ النشر الجمعة 01-يوليو-2016
مشاهدات 61
نشر في العدد 2097
نشر في الصفحة 40
الجمعة 01-يوليو-2016
الزيارة أعادت إلى الواجهة فكرة «الكتلة التاريخية» التي كان الهدف منها تقليص التجاذبات الحاصلة في المشهد السياسي بين القطبين لمصلحة الوطن
تأتي في صالح الاتحاد الاشتراكي الذي يعيش فترة انكماش وفي ظل انشطاره وظهور تيار جديد داخله يرفض أي تقارب مع حزب الأصالة والمعاصرة
شكلت زيارة عبدالإله بن كيران، رئيس الحكومة المغربية، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ذي المرجعية الإسلامية، لمقر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ذي المرجعية الاشتراكية والمصطف حالياً في صفوف المعارضة، منتصف شهر يونيو الماضي حدثاً بارزاً في المشهد السياسي المغربي، أسال مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر المقبل الكثير من المداد، وأطلق العنان إلى تأملات بل وآمال المحللين والسياسيين وعموم المتتبعين.
وصاحبت زيارة بن كيران في ليلة رمضانية مقاومة من قبل بعض «الاتحاديين» الذي يعتبرون مقرهم مقدساً لا يجوز أن يطأه أي إسلامي، فيما لم يخطر على بال كثيرين بمن فيهم مناضلو حزب العدالة والتنمية أن تقع هذه الزيارة خاصة في الوقت الحالي.
زيارة بن كيران الذي تزايدت شعبيته في الآونة الأخيرة بسبب حضوره الدائم في الملتقيات وتبنيه لخطاب واضح وصريح في اللقاءات العمومية وفي البرلمان لا ينافسه فيه أحد، لم تكن بدعوة من الحزب اليساري نفسه، وإنما من جمعية ثقافية وفكرية تابعة له تدعى مؤسسة المشروع للفكر والتكوين.
واعتبر كثير من المحللين رغم ذلك أن الحدث سياسي بامتياز وإن لبس لبوس مؤسسة ثقافية؛ لأن «السياسي والثقافي» لدى كل من حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب العدالة والتنمية مرتبطان بشكل عضوي، وهما الحزبان الأكثر وضوحاً في علاقته بمرجعتهم من الناحية البيداغوجية، سواء الإسلامية أو اليسارية، حسب تقديرات المتتبعين.
سيناريوهات مفتوحة
وجاءت الزيارة في الأنفاس الأخيرة من عمر الحكومة، مما فتح التأويلات على مصراعيها، وبدأ التساؤلات: هل هي مقدمة لإمكانية تحالف في الحكومة المقبلة، خاصة أن قياديين من الحزبين أرسلا إشارات متبادلة بأن الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات؟
ويعتقد هؤلاء المحللون أن الزيارة في صالح الاتحاد الاشتراكي الذي يعيش فترة جمود وانكماش جعلته يطالب بإلغاء العتبة مخافة فقدانه لمقاعد في البرلمان المقبل، وأيضاً في ظل انشطاره وظهور تيار جديد داخله يرفض أي تقارب مع حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يُنعت في المغرب بالحزب الانتخابي ذي النظرة التحكمية في الأحزاب والمؤسسات، في حين يعيش حزب العدالة والتنمية فترة نمو وازدهار بوأته المرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة من حيث عدد الأصوات وتسيير جميع المدن الكبرى، كما أن حزب الاستقلال وهو حزب سياسي كبير في المغرب بدا يتنصل من تحالفه مع الأصالة والمعاصرة، بعدما رأى نتيجة خروجه مدفوعاً من هذا الأخير في الانتخابات الأخيرة.
ومن نتائج هذه الزيارة أن إدريس لشكر، الكاتب الأول (رئيس) لحزب الاتحاد الاشتراكي، عاب على المحتجين من حزبه ما قاموا به، وبرأ بن كيران من أي فعل «دموي» قد ينسب إليه، لشكر قال: إنه مستعد للتعامل مع حزب العدالة والتنمية شريطة أن يفصل بين الشأن الدعوي والمجال السياسي في ممارساته، وهو يعي جيداً أن هذا الأمر محسوم لدى حزب العدالة والتنمية، وإن كان البعض ما زال يريد أن يلصقه به، لشكر لا يقول هذا الكلام من فراغ، فهو يعلم أن في السياسة كل ممكن، وأن إفلاته لأحد أطراف اللعبة يمكن أن يكلفه غالياً ويزيد من تقهقره أسفل سافلين.
بن كيران والولاية الثانية
بن كيران بدا أنه تجاوز كل هذه التحليلات وكل هذه الخطابات؛ لأن عينيه على ولاية ثانية بادية للعيان، ولم يترك فرصة دخوله إلى مقر «تاريخي» لحزب عريق، تفوت دون أن يسجل كعادته نقاطاً لصالحه، حين قال: إن من حق كل فرد في المجتمع التظاهر بشكل سلمي، بل التقط الإعلام لقطة فريدة حين مد بن كيران قنينة ماء إلى أحد المحتجين طلبها من رفيق له ولم يأبه به.
وشدد بن كيران على أن الإسلاميين في المغرب لم يكونوا أبداً أعداء لأحد، وأن حزبه لا يسعى إلى أي هيمنة يتخوف منها الكثيرون، وأن الإسلاميين في المغرب يقبلون بالتداول السلمي على السلطة، وهذا الأمر حسموا فيه من قبل، وأنه هو بنفسه قام بعدة مراجعات بعد اعتقاله.
بن كيران يقول هذا الكلام وهو مقتنع أن في الاتحاد الاشتراكي عقلاء يمكنهم أن يمدوا يده إليه، وأن يكونوا عوناً له على تحدي المشكلات التي يواجهها المغرب حالياً وفي المستقبل، إذا مدها مرة أخرى، بعدما رفضت قيادتهم العرض الذي قدمه لهم خلال تشكيل حكومته الأولى.
الكتلة التاريخية
وفي جانب آخر، أعادت الزيارة إلى الواجهة فكرة «الكتلة التاريخية» التي أطلقها المفكر اليساري والمؤرخ الراحل محمد عابد الجابري قبل سنوات، ودافع عنها عدد من اليساريين والإسلاميين، وكان الهدف منها هو تقليص التجاذبات الحاصلة في المشهد السياسي بين القطبين لمصلحة الوطن، وضد ما يسمى بجيوب المقاومة سواء في الدولة ذاتها أو في المجتمع.
الجابري كان يرى أن الكتلة التاريخية التي نجحت في بلدان متعددة، يجب أن تتكون من أربعة عناصر، هي:
أولاً: الفصائل المنحدرة من الحركة الوطنية والتنظيمات والمجموعات المرتبطة بها من نقابات عمالية وحرفية وتجارية وفلاحية وجمعيات ثقافية ومهنية ونسوية.
ثانياً: التنظيمات والتيارات التي تعرف اليوم باسم الجماعات الإسلامية التي يجب أن يفتح أمامها باب العمل السياسي المشروع كغيرها من التنظيمات ذات الأهداف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الواضحة التي لا تمس لا وحدة الوطن ولا وحدة الشعب ولا الوحدة الروحية للأمة ولا الانتماء العربي الإسلامي للبلد.
ثالثاً: القوى الاقتصادية الوطنية التي تشارك بنشاطها الصناعي والتجاري والزراعي والسياحي والمالي في خدمة اقتصاد البلاد ككل وتطويره وتنمية قدراته.
رابعاً: جميع العناصر الأخرى التي لها فاعلية في المجتمع بما في ذلك تلك التي تعمل داخل الهيئة الحاكمة، والمقتنعة بضرورة التغيير في اتجاه تحقيق الأهداف التاريخية المذكورة.
أكيد أن الكثيرين يرون أن تقارب العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي هو بداية لتكون هذه الكتلة، لكنهم باتوا مقتنعين أن الطريق طويل جداً، وأن مجرد زيارة أو كلام مجاملة أو تكتيك سياسي لن يفي بهذا الغرض، على الأقل في الوقت الراهن لأسباب متعددة وعراقيل متشابكة.>
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل