العنوان المغرب: إعادة هيكلة الحقل الديني!
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004
مشاهدات 71
نشر في العدد 1601
نشر في الصفحة 34
الجمعة 21-مايو-2004
بعد تفجيرات ١٦ مايو أصبحت قضية السياسة الدينية تطرح نفسها بحدة.
انتبهت الدولة إلى أن هناك تيارات دينية تختلف عن الحركات الإسلامية.
كشفت الأحداث عن تيارات يش على هامش السياسة الدينية الرسمية وترفض الانخراط فيها ولا تعترف بمشروعيتها
أعلن العاهل المغربي محمد السادس يوم ٣٠ أبريل الماضي عن خطة شاملة لإعادة تشكيل المجال الديني, مست هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، و«رابطة علماء المغرب», واستحدثت مديرية خاصة بالمساجد، وأخرى للتعليم العتيق، كما أقر تجديد التشريع الخاص بأماكن العبادة في اتجاه مراقبة تمويلها والمشرفين عليها.
وقال العاهل المغربي أن الهدف من إحداث هذه التغييرات هو «تأهيل الحقل الديني وتجديده تحصينًا للمغرب من نوازع التطرف والإرهاب، وحفاظًا على هويته المتميزة بالوسطية والاعتدال والتسامح»، و«صيانة الحقل من التطاول عليه من بعض الخوارج من الإطار المؤسسي الشرعي»، وألخ على ضرورة الحفاظ على الوحدة المذهبية للمغرب والتشبث بالمرجعية التاريخية الواحدة للمذهب المالكي، وأشار إلى أن الغاية من إصلاح المدارس العتيقة هي تحصينها من كل استقلال أو انحراف يحس بالهوية المغربية مع توفير مسالك وبرامج للتكوين تدمع طلبتها في المنظومة التربوية الوطنية وتجنب تخريج الفكر المتعلق وتشجيع الانفتاح على الثقافات.
مجالس علمية تابعة بالحكم: وقد شملت هذه الإصلاحات تعيين ثلاثة مديرين مركزيين جدد بوزارة الأوقاف و١٦ مندوبية في عموم أقاليم المملكة تغطي جميع الجهات وتعيين ٧٠ مندوبًا إقليميًا, كما تم لأول مرة تعيين ٢٥ سيدة في المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الإقليمية.
وكان المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الإقليمية قد تأسست عام ۱۹۸۱ بهدف التصدي للحركة الإسلامية التي كانت قد دخلت مع النظام في صراع طويل منذ منتصف السبعينيات عندما كانت حركة الشبيبة الإسلامية بزعامة عبد الكريم مطيع في أوج قوتها، فتعرضت سلطة إمارة المؤمنين، التي يتصف بها ملك المغرب دستوريًا للتشكيك وبعد الاتهامات التي وجهها إليه الخميني وشككت في انتمائه للبيت العلوي مما دفع الملك الحسن الثاني إلى تأسيس مجلس علمي مركزي استقطب له عددًا من العلماء و مجلسًا إقليميًا، وطالب العلماء بتأكيد حضورهم وسط المجتمع موجهًا إليهم انتقادات حادة، وكان أول عمل قامت به هذه المجالس إصدار فتوى تكفر الخميني، ومنذ ذلك التاريخ لم يطرأ أي تغيير على هذه المجالس التي أصبحت مجرد مؤسسات ملحقة بالدولة وغطت عليها سياسة وزارة الأوقاف في عهد عبد الكبير العلوي المدغري الذي بقي في ذلك المنصب من عام ١٩٨٢ إلى عام ٢٠٠٢، ولم تتحرك في السنوات الأخيرة سوى مرتين الأولى للرد على الرسالة التي وجهها زعيم جماعة العدل والإحسان الشيخ عبد السلام ياسين عام ۱۹۹۹ بعد تولية الملك الحالي خلفًا لوالده والتي طالبه فيها برد المظالم إلى أهلها ونهج سياسة مغايرة لوالده مما عزز الرأي القائل بأن تلك المجالس هي مجرد حلقات محيطة بالحكم، أما المرة الثانية فكانت في الفتوى التي قضت بتحريم لعبة البوكيمون، الموجهة للأطفال عام ٢٠٠١ لكن هذه الفتوى تعرضت للتهميش إذ استمرت القناة التلفزيونية الثانية المملوكة للدولة في بثها مما أبان عن ضعف تلك المجالس وعدم قدرتها على التأثير والفعل.
وبعد تفجيرات ١٦ مايو ٢٠٠٣ بالدار البيضاء أصبحت قضية السياسة الدينية تطرح نفسها بحدة وانتهت الدولة إلى أن هناك تيارات دينية مختلفة عن الحركات الإسلامية التي تشتغل إما تحت غطاء قانوني أو في ظل تسامح من السلطة إزاءها, فالحركات الإسلامية لا تشكل خطرًا كبيرًا بالقدر الذي ظهر مع تيار السلفية الجهادية، كما أطلق عليه، والذي لم يكن مطروحًا كقوة حقيقية قبل التفجيرات.
أي دور للعلماء؟ كان هاجس تفجيرات 16مايو هو الموجه الرئيس لهذه التغييرات التي طالت المجال الديني، فقد أظهرت الأحداث أن هناك تيارات تعيش على هامش السياسة الدينية الرسمية للدولة وترفض الانخراط فيها أو التعاطي معها ولا تعترف بمشروعيتها، وأن هناك المئات من الخطباء الذين لا ينصاعون لتوصيات وزارة الأوقاف وعشرات المساجد التي بنيت خارج التغطية الرسمية للوزارة وكانت أولى نتائج تلك الأحداث أن أطلقت الدولة حملة قوية لاعتقال هؤلاء الخطباء أو منعهم من الخطابة وأغلقت العديد من المساجد.
وظهر أن تفجيرات الدار البيضاء كانت نتاج السياسة الرسمية للدولة التي سارت الزمن طويل في اتجاه تهميش دور العلماء ووزنهم في المجتمع من جهة والتضييق على الحركات الإسلامية الشرعية الرافضة للعنف. من جهة ثانية, لذلك نادي الملك أعضاء المجالس العلمية المعينة إلى الإصغاء إلى المواطنين ولا سيما الشباب منهم، بما يحمي عقيدتهم وعقولهم من الضالين المضلين وأقر إنشاء هيئة جديدة أطلق عليها الرابطة المحمدية لعلماء المغرب، بدلًا من رابطة علماء المغرب الحالية التي قال إن خطة الإصلاحات ترمي إلى إخراجها من سباتها العميق وإحيائها بشكل يجعل منها جهازًا متفاعلًا من المجالس العلمية.
وتعتبر الرابطة أقدم هيئة علمية غير رسمية، تأسست عام ١٩٥٨ بعد عامين من الاستقلال من قبل ثلة من العلماء كعلال الفاسي ومحمد الفاسي وعبد الله كنون والمختار السوسي وغيرهم، لكن تاريخها ارتبط في البداية بالخلاف مع الحكم بسبب رفضها الخضوع للإملاءات الرسمية والتبعية للقصر. فلجأت الدولة إلى تهميش أعضائها واستغنت من خدماتهم لصالح أطر أخرى أكثر امتثالًا بهدف إفراغها من محتواها والتشكيك في مشروعية تمثيلها للعلماء, إلى أن تم تأسيس المجلس العلمي الأعلى والمجالس الإقليمية في بداية الثمانينيات لكي تغير الرابطة نهائيا ويلفي وجودها.
تجديد أم هيمنة؟
شهدت الأشهر الأخيرة نوعًا من الارتفاع في سقف النقاش السياسي بالمغرب، وكان من ضمن عناوين النقاش الحديث عن قضية إمارة المؤمنين ودورها الرئيس في تدبير الشؤون الدينية إلى حد تهميش أي سلطة فقهية أو دينية أخرى. لكن المفارقة أن الاتجاه العلماني هو الذي كان سباقًا إلى طرح هذا الموضوع للنقاش، فانقسم الرأي بين توجهين: الأول يدعو إلى تقليص سلطات الملك السياسية والدينية, وهؤلاء من أنصار ملكية تحكم ولا تسود, والثاني يطالب على العكس من ذلك- بالمزيد من تركيز السلطات الدينية، لا السياسية- بيد الملك على اعتبار أن تقوية مؤسسة إمارة المؤمنين هي الضامن الوحيد بالنسبة لهؤلاء في مواجهة الحركات الإسلامية بجميع فروعها. وإلى جانب هذين المعسكرين كان هناك خطاب سياسي جديد برز بعد تفجيرات الدار البيضاء وتبناه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق القادم من إحدى الطرق الصوفية، حيث دعا إلى اعتماد وسيلة الدعوة ومقارعة الحجة بالحجة في الصراع مع المهارات التكفيرية أو السلفية الجهادية.. وشرعت وزارة الأوقاف في إجراء بعض الإصلاحات في هياكلها وبرامجها كما أعدت مشروعًا وجهته إلى الملك وضعت فيه رؤيتها للإصلاح الديني، وهو ما يبدو أن الخطة الجديدة للإصلاحات تسير فيه.
لكن بعض المراقبين يرون أن هذه التغييرات الهدف منها فرض هيمنة الدولة على الشأن الديني، من خلال مراقبة عمل المساجد بشكل أكبر وربطها بوزارة الأوقاف وبالتالي منع المؤسسات الدينية الرسمية ممثلة في الجالس العلمية السلطة الأكبر في تسيير المجال الديني، ما دام هؤلاء العلماء المعينون فيها سوف يرددون المواقف الرسمية التي تريدها الدولة ويتحولون إلى «فقهاء السلطان»!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل