; المغرب: فتوى قتل «المرتد» تثير الجدل | مجلة المجتمع

العنوان المغرب: فتوى قتل «المرتد» تثير الجدل

الكاتب إبراهيم الخشباني

تاريخ النشر السبت 27-أبريل-2013

مشاهدات 75

نشر في العدد 2050

نشر في الصفحة 28

السبت 27-أبريل-2013

محمد الفزازي: أتفق تمامًا مع هذه الفتوى القائمة على الدليل الشرعي الصحيح والصريح

خديجة الرياضي: الفتوى تعتبر موقفًا خطيرًا جدًا وانتهاكًا لأبسط الحقوق والحريات المنصوص عليها في المواثيق الدولية!

د. أحمد الريسوني: تبقى قاعدة «لا إكراه في الدين» أصلًا سالمًا مسلمًا لا يمكن نسخه أو نقضه ولا القبول بأي شيء ينفيه كليًا أو جزئيًا

تشهد الساحة المغاربية جدلًا واسعًا على خلفية صدور كتاب يتضمن مجموع الفتاوى التي أصدرها المجلس العلمي الأعلى ما بين ٢٠٠٤ و٢٠١٢م، وهذا المجلس هو هيئة دستورية تعتبر الهيئة العليا المعتمدة رسميًا في إصدار الفتاوى في الشؤون العامة.

والكثير من الجدل المثار يتمحور حول فتوى تضمنها الكتاب أثارت الكثير من الجدل في المغرب بين ترحيب السلفيين ورفض بل استنكار العلمانيين، وهي الفتوى التي يحكم من خلالها المجلس العلمي الأعلى بقتل المرتد، خصوصًا وأن هذه الفتوى تأتي في خضم حملات متواترة تدعو إلى إلغاء عقوبة الحكم بالإعدام.

تأييد سلفي

أيد السلفيون فتوى المجلس العلمي الأعلى، فقد اعتبرها الشيخ السلفي محمد الفزازي تثلج الصدر قائلًا: «لقد اطلعت على الفتوى ولا أخفي أنها أثلجت صدري كثيرًا ، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأنها أعظم وأجل فتوى أصدرها المجلس العلمي المغربي بكل وضوح وبكل شفافية».. وأضاف: «أنا أتفق تمامًا مع هذه الفتوى، القائمة على الدليل الشرعي الصحيح والصريح، وهي الفتوى التي كنا نقول بها دائمًا وأبدًا في محاضراتنا مع العلمانيين وغيرهم، وكنا نتهم بأننا ضد حقوق الإنسان، ونحرض على القتل».

وكذلك عبر عمر الحدوشي، أحد الوجوه السلفية المعروفة في المغرب عن تأييده للفتوى، رغم أنه عبر عن اندهاشه الصدور هذا النوع من الفتاوى من طرف المجلس العلمي الأعلى قائلًا: «عجيب أن تصدر هذه الفتوى من مؤسسة تابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية»، مستدركًا أنه يؤيد الفتوى، لأن هذه الفتوى أجمع عليها المسلمون أجمعين.

انتهاك لحقوق الإنسان

في مقابل رأيي المؤيدين لفتوى تطبيق حد الردة، فإن بعض الحقوقيين لهم موقف مناهض للفتوى، لكونها في رأيهم انتهاكاً الحقوق الإنسان، ومن ضمنها حرية العقيدة، وبهذا الخصوص تقول رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، خديجة الرياضي: «إن الفتوى الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى تعتبر موقفًا خطيرًا جدًا، وانتهاكًا لأبسط الحقوق والحريات المنصوص عليها في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان!

وقال رئيس منتدى الكرامة لحقوق الإنسان عبد العالي حامي الدين الذي هو أيضًا قيادي في حزب «العدالة والتنمية»: «إن هذه الفتوى تتعارض مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولا نتفق معها».. وأضاف قائلًا: نحن بحاجة إلى قراءة شرعية مقاصدية، تراعي الأصل الأكبر وهو «لا إكراه في الدين مضيفًا: موقفنا من هذه القضية واضح، نحن مع حرية المعتقد، والتي تشمل حرية الناس الراشدين في تغيير معتقداتهم الدينية، شريطة عدم توافر عنصر الإكراه، انطلاقًا من القاعدة القرآنية «لا إكراه في الدين».

تفسيرات مختلفة

ويعتمد مؤيدو الفتوى على عدد من الأحاديث الصحيحة مثل الحديثين الشريفين اللذين جاءا في صحيح البخاري «من بدل دينه فاقتلوه»، و«لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة».

الشيخ عمر الحدوشي يشرح حديث «من بدل دينه فاقتلوه» بقوله: «إن الفاء عند علماء الأصول في قوله صلى الله عليه وسلم، «من بدل دينه فاقتلوه»، تدل على الحكم، ويعني القتل، ولكن المرتد لا يقتل إلا بعد الاستتابة ثلاثة أيام، فإذا تاب، فعفا الله عما سلف، وإذا لم يتب، آنذاك يصدر القضاء الإسلامي في حقه حكم القتل».

في نفس السياق، وردًا على هذا الرأي السابق قال محمد الفيزازي: «إن الحديث واضح ولا يحتاج إلى شرح، فالرسول ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، ولم يقل بإحدى أربع النفس بالنفس والثيب الزاني حالتان، وبقيت حالة واحدة، وهي المرتد عن الدين المفارق للجماعة، وإلا -يقول الفيزازي- لقال الرسول ﷺ: لا يحل دم امرئ إلا بأربع وليس بثلاث، معتبرًا أن نص الحديث واضح، وهو أن المرتد عن الدين هو بالضرورة مفارق للجماعة.

في نفس السياق، يقول عبد العالي حامي الدين: إن حكم بعض الفقهاء القدامى في موضوع قتل المرتد لم يكن يراعي سياق الحديث الذي ربط بين الدين والخروج عن الجماعة، وحمل السلاح ضد الدولة.

ويشرح حامي الدين كلامه قائلًا: «عندما يكون الاكتفاء بتغيير المعتقد، دون الخروج عن الجماعة وحمل السلاح ضد الدولة، فهذا حكمه الحرية، ما لم يتحول تغيير الدين إلى هدف يسعى من خلاله المرتد إلى تحقيق مطالب سياسية، أو انفصالية، ويتوسل بذلك بطرق عنيفة».. أما تغيير الدين على المستوى الفردي، الذي يظل في حدود المعتقد، فهذا لا يستدعي قتله، حتى ولو جهر بذلك مع استثناء الأطفال، الذين لا يجب أن يتعرضوا للإكراه لاعتناق دين معين، ما داموا قاصرين غير قادرين على التمييز والاختبار عن قناعة.

حامي الدين ذهب أبعد من ذلك وقال: «إن تغيير المعتقد الديني ليس حقاً فحسب، بل يجب على المؤسسات أن تحميه، وتحمي حق الأفراد في تغيير معتقداتهم، لكن بشروط، وهي ألا يتم استهداف النظام العام للدولة، إذ إن الآية القرآنية «لا إكراه في الدين» تعني الحق في تغيير المعتقد، ولكن بالنسبة للبالغ العاقل الذي لم يخضع لأي ضغط ولا إكراه».

معترضون على الفتوى

وهذا ما ذهب إليه عدد من العلماء كذلك، يقول عبد الباري الزمزمي، رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في فقه النوازل: «إن العلماء متفقون على أن الفتوى تتغير بتغير أحوال الأمة، والأوضاع العالمية، مشيرًا إلى أن سبب نزول حديث «من بدل دينه فاقتلوه»، هو وجود دسائس من طرف اليهود على المسلمين في ذلك الوقت، لتشتيت شملهم، إذ يعتنقون الإسلام، ثم بعد فترة يرتدون عنه، من أجل التشويش على المسلمين، مستدلًا بالآية القرآنية ﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران: 72).

ويضيف الزمزمي أن الحديثين «من بدل دينه فاقتلوه»، وحديث «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث..»، حديثان صحيحان، ولا خلاف في ذلك، لكن الخلاف بين العلماء كان حول متى يتم تنفيذ حد الردة، إذ هناك من يقول: إن المرتد يستتاب ثلاثة أيام، وهناك من يقول: إن الاستتابة تدوم مدى العمر، لأن مقصد الإسلام وغايته ليس هو القتل، وإنما السعي إلى هداية الناس.

ويذهب العلامة د. أحمد الريسوني نفس المذهب عندما يقول: إن قضية «لا إكراه في الدين» هي قضية كلية محكمة، عامة تامة سارية على أول الزمان وآخره، سارية على المشرك والكتابي سارية على الرجال والنساء، سارية قبل الدخول في الإسلام وبعده، أي سارية في الابتداء وفي الإبقاء فالدين لا يكون بالإكراه ابتداء، كما لا يكون بالإكراه إبقاء.

فالقول: إن القتل يكون للردة وحدها ولا شيء معها أو سواها، يتنافى تنافيًا واضحًا مع قاعدة «لا إكراه في الدين» فتعين رده وعدم التسليم به بعد ذلك، فإن هذه الأخبار والآثار الدالة على قتل المرتد، يمكن أن تفهم على أنها:

- إما متعلقة بعقوبة تعزيرية، تراعى في اعتمادها الملابسات والأخطار التي كانت تشكلها حركة الردة على الكيان الإسلامي الناشئ، خاصة ونحن نعرف من خلال القرآن الكريم، ومن سياق الأحداث والوقائع يومئذ أن كثيرًا من حالات الدخول في الإسلام، ثم الخروج منه، كانت عملًا تأمريًا مبيتًا ينطوي على الخيانة والغدر.

- وإما متعلقة بما يقترن عادة مع الردة من جرائم، أو التحاق بصف العدو، أو نحوها من الأفعال الموجبة للعقوبة وهذا ما تشير إليه بعض روايات الحديث النبوي الصحيح: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث..»، وهو أصح شيء في الباب.

وفي جميع الأحوال تبقى قاعدة «لا إكراه في الدين، أصلًا سالمًا مسلمًا، لا يمكن نسخه أو نقضه، ولا القبول بأي شيء ينفيه، كليًا أو جزئيًا.. انتهى كلام د. أحمد الريسوني.

الرابط المختصر :