العنوان أسباب الازدهار وعوامل الانكسار.. المفهوم الإسلامي للحرية (1)
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2012
مشاهدات 63
نشر في العدد 2030
نشر في الصفحة 38
السبت 08-ديسمبر-2012
- الحرية في النظرة الإسلامية ضرورة إنسانية وفريضة إلهية وتكليف شرعي واجب.. وليست مجرد حق.
- مقام الحرية يبلغ في الأهمية وسلم الأولويات مقام الحياة ، التي هي جماع علاقة الإنسان بوجوده الدنيوي.
- التكاليف الاجتماعية الواجبة على الأمة - فروض الكفاية - تستلزم حرية الأمة المكلفة بها.
- إذا كان الدين هو أغلى ما يميز الإنسان فإن تقرير الإسلام لحرية الاعتقاد دليل على تقديس حرية الإنسان في كل الميادين.
- الإسلام اعتبر «الرق» بمثابة «الموت» واعتبر «الحرية إحياء.. فعتق الرقبة إخراج للعبد من الموت الحتمي إلى حكم الحياة».
- جعل الله عتق الرقبة كفارة للقتل الخطأ الذي أخرج به القاتل نفسًا من الأحياء إلى الموتى فكان عليه كفارة عن ذلك إعادة الحياة إلى الرقيق بالعتق.
الحرية ضد العبودية.. والحر ضد العبد والرقيق.. وتحرير الرقبة عتقها من الرق والعبودية فالحرية هي الإباحة التي تمكن الإنسان من الفعل المعبر عن إرادته في أي ميدان من ميادين الفعل، وبأي لون من ألوان التعبير.
وفي المصطلح القرآني، الذي يقابل بين الحر والعبد : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القَصَاصِ فِي القَتْلَى الحُرّ بِالحُرِ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بالأنثى ﴾ (البقرة : الآية ۱۷۸).
ومن المأثورات الإسلامية كلمات الراشد الثاني عمر بن الخطاب (٤٠) هـ - ٢٣هـ / ٥٨٤ - ٦٤٤م) التي يقول فيها: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟!».
الحرية والمسؤولية
ولقد كان مبحث الحرية والاختيار أول المباحث التي بدأت بها الفلسفة الإسلامية في تاريخنا الحضاري، بعد ظهور الإسلام - حول منتصف القرن الهجري الأول - ولقد دلت ملابسات هذه النشأة على ارتباط الحرية» بالمسؤولية، في النظرة الإسلامية لأن القضية التي أثارت الجدل فولدت البحث في هذه القضية هي التغييرات التي أحدثتها الدولة الأموية في نظام الحكم الإسلامي والتي انتقلت به من الشورى والخلافة الكاملة إلى الخلافة الناقصة والملك العضود ومن الصراعات الفكرية والسياسية التي حدثت بين المسلمين حول هذه التغييرات... وهل القائمون بها مسؤولون عنها، يحاسبون عليها، فهم أحرار مختارون؟.. أم أنهم غير مسؤولين، كليًا أو جزئيًا، أو لا حساب عليهم لأنهم مسيرون مجبرون؟
الحرية الاجتماعية
وإذا كان التكليف - وهو عنوان المسؤولية في القانون والفقه الإسلامي - فرعًا عن الحرية ... فلقد تجاوزت الحرية في النظرة الإسلامية - نطاق الفرد الحرية الفردية إلى النطاق الاجتماعي الحرية الاجتماعية للأمم والجماعات...
ففي التكليف الإسلامي «فروض عينية» على «الفرد» تستلزم حرية هذا الفرد المكلف.. وفيها، كذلك «فروض كفائية» أي اجتماعية - تجب على الأمة والجماعة وتستلزم حرية اجتماعية للأمة والجماعة الأمر الذي يقطع بتجاوز نطاق الحرية في النظرة الإسلامية منذ البدء - نطاق الفرد إلى الجماعة والمجتمع، على عكس ما يظن الذين حسبوا مبحث الحرية والاختيار «فرديًا - دينيًا » لم يتجاوز هذا الإطار!
فإذا كانت التكاليف الفردية - الواجبة على الفرد، وهي فروض العين - تستلزم حرية المكلف بها، فإن التكاليف الاجتماعية الواجبة على الأمة، وهي فروض الكفاية تستلزم حرية الأمة المكلفة بها، بل إن هذه التكاليف الاجتماعية - في النظرة الإسلامية - هي أشد توكيدًا من الفروض العينية الفردية، بدليل أن التخلف عن فرض العين إنما يقع إثمه على الفرد، بينما التخلف عن فرض الكفاية الاجتماعي يلحق إثمه بالأمة جمعاء الأمر الذي يوحي أن حرية الأمة هي الأساس في الحرية الفردية لأحاد هذه الأمة.
نظرة متميزة
ونظرة الإسلام إلى الحرية، ومن ثم مقامها ومكانتها فيه نظرة متميزة خاصة إذا كانت المقارنة مستحضرة نظرة الحضارة الغربية وبعض الحضارات الشرقية القديمة إلى هذا الموضوع.
فالحرية في النظرة الإسلامية، ضرورة من الضرورات الإنسانية، وفريضة إلهية وتكليف شرعي واجب، وليست مجرد «حق» من الحقوق، يجوز لصاحبه أن يتنازل عنه إن هو أراد ومقام «الحرية» يبلغ في الأهمية وسلم الأولويات، مقام «الحياة» التي هي نقطة البدء والمنتهى، وجماع علاقة الإنسان بوجوده الدنيوي.. لقد اعتبر الإسلام «الرق» بمثابة «الموت» واعتبر «الحرية» إحياء وحياة.. فعتق الرقبة، أي تحرير العبد، هو إخراج له من الموت الحتمي إلى حكم الحياة، وهذا هو الذي جعل عتق الرقبة - إحياءها - كفارة للقتل الخطأ الذي أخرج به القاتل نفساً من إطار الأحياء إلى عداد الموتى، فكان عليه كفارة عن ذلك، أن يعيد الحياة إلى الرقيق بالعتق والتحرير : ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رقبة مُؤْمِنَة ﴾ (النساء : الآية ٩٢)، وبعبارة واحد من مفسري القرآن الكريم الإمام النسفي (۷۱۰ هـ / ۱۳۱۰م): «فإنه (أي القاتل) لما أخرج نفسًا مؤمنة من جملة الأحياء، لزمه أن يدخل نفسًا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكمًا (1)، وفي الآية من سورة الأنعام: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأَحْيَيْنَاهُ ﴾، فالإسلام عندما يهدي إنما يحرر الإنسان من عبودية الطواغيت، وعندما يحرر فإنه يحقق للإنسان ضرورة الحرية المحققة المعنى «الحياة» وحقيقة الحياة.
ومن هنا كانت شهادة أن لا إله إلا الله عنوان الحرية التي تحرر كل ملكات الإنسان وطاقاته من العبودية لكل الطواغيت، فإفراد الذات الإلهية بالعبودية هو قمة التحرير لعباد الله وكلمات الإمام النسفي التي تقول: «إذ الرق أثر من آثار الكفر»، تلفت النظر إلى الموقف العملي الذي اتخذه الإسلام، إبان ظهوره من نظام الرق وواقع الاسترقاق.
نظام الرق
لقد ظهر الإسلام ونظام الرق - في شبه الجزيرة العربية أو فيما وراءها - نظام عام وراسخ وبالغ القسوة، ويمثل ركيزة من ركائز النظامين الاقتصادي والاجتماعي العالم ذلك التاريخ، وفي كل الحضارات.. وإذا نظرنا إلى المحيط الذي ظهر فيه الإسلام وجدنا الروافد والمنابع المتعددة دائمة الإمداد لنهر الرقيق الزاخر بالجديد من الإرقاء... فالحروب العدوانية والغارات الدائمة. والفقر المدقع.. والعجز عن سداد الدين. والحرابة وقطع الطريق، وأسواق النخاسة التي تعج بالصغار المجلوبين - فتيان وفتيات والتي تمثل مصدرا من مصادر الاستثمار في الرقيق - كانت من المعالم الأساسية لكل المجتمعات، حتى لا نغالي إذا قلنا : إن الرقيقكان العملة الدولية لاقتصاد ذلك التاريخ ولقد بلغ من قسوتها وشيوعها ما صنعته القيصرية الرومانية والكسروية الفارسية - القوى العظمى يومئذ - من تحويل كل شعوب المستعمرات إلى رقيق وبرابرة وأقنان.
تجفيف الروافد
فلما جاء الإسلام، وقامت دولته بالمدينة المنورة، حرم وألغى كل المنابع والروافد التي تمد نهر الرقيق بالجديد.. ووسع المصبات التي تجفف هذا النهر، وذلك عندما حبب إلى الناس عتق الأرقاء، بل وجعله مصرفا من مصارف الأموال الإسلامية العامة، وصدقات المسلمين وزكواتهم.. وعندما جعل العديد من الكفارات هي تحرير الرقبة.. وعندما سن شرائع المساواة بين الرقيق ومالكه وسيده في المطعم والمشرب والملبس.. ودعا إلى حسن معاملته والتخفيف عنه في الأعمال... حتى لقد أصبح الاسترقاق - في ظل هذه التشريعات - عبئًا اقتصاديًا يزهد فيه الراغبون في الثراء!
تجربة إصلاحية
فلم يكن موقف الإسلام من الحرية وعداؤه للعبودية مجرد موقف فكري - نظري»، وإنما تجسد على أرض الواقع تجربة إصلاحية - ثورية شاملة غيرت المجتمع الذي ظهر فيه تغييراً جذرياً، وذلك هو الذي يحسب للإسلام، ولا تحسب عليه الردة» التي حدثت عندما استشرى الاسترقاق في فترات لاحقة من التاريخ لقد وقف التشريع الإسلامي من الاسترقاق عند أسرى الحرب المشروعة ليبادلهم مع أسرى المسلمين، بل وشرع لهذه الحالات المحدودة العدد المن» و«الفداء»: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الذِينَ كَفَرُوا فَضَرب الرقاب حتى إذا الختُمُوهُمْ فَشُدوا الوثاقَ فَإِمَّا مَنَا بَعْدُ وَإِمَّا فَدَاءً حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾( محمد: الآية ٤ ) (٢) .
حرية العقيدة
وإذا كان هذا هو مقام الحرية في النظرة الإسلامية، فإن هذه النظرة قد ربطت قيمة الحرية بالإنسان مطلق الإنسان، وليس بالإنسان المسلم وحده.. وإذا كان الدين والتدين هو أغلى وأول ما يميز الإنسان، فإن تقرير الإسلام لحرية الضمير في الاعتقاد الديني لشاهد على تقديس حرية الإنسان في كل الميادين.. فهو حر حتى في أن يكفر، إذا كان الكفر هو خياره واختياره: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾ (البقرة : الآية ٢٥٦)، ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَينَةٍ مِن ربي وآثانِي رَحْمَةً مِنْ عِندِهِ فَعُمِيَتْ عَلَيْكُمْ انلز مكموها وأنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ( 28) ﴾(هود: الآية 28)، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبِّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلَهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمنين (99)﴾ (يونس: الآية 99).
التخيير والتمكين
لقد أراد الله للناس الهدى والإيمان لكنه - سبحانه - جعل لهم، مع هذه الإرادة الإلهية الحرية والتخيير والتمكين، فكان انتصار الإسلام للحرية الإنسانية في كل الميادين.
وإذا كانت شهادة التوحيد - لا إله إلا الله - هي جوهر التدين بالإسلام، فإنها في مفهومه ثورة تحرير للإنسان من العبودية لكل الطواغيت، ومن جميع الأغيار، فإفراد الله بالألوهية والعبودية هو جوهر تحرير الإنسان من العبودية لغير الله، إنها العبودية للذات المنزهة عن المادة.. ومن ثم فإنها هي المحققة لتحرير الإنسان من كل الوان الطواغيت المادية التي تستلب منه الإرادة والحرية والاختيار.
تحرير الإنسان
بل إن الإسلام عندما يدعو الإنسان إلى الاقتصاد في الاقتناء والامتلاك – بتهذيبه الشهوات التملك وغرائزه - وبالوقوف بها عند حدود الاستخلاف، والانتفاع لا ملكية الرقبة والاحتكار.... ان الإسلام بصنيعه هذا إنما ينجز إنجازًا عظيمًا على درب تحرير الإنسان، وانعتاقه من العبودية للأشياء، التي يحسبها مملوكة له، على حين أنه لها مملوك لكن للإنسان مذهبًا متميزًا في نطاق» الحرية الإنسانية وآفاقها» و«حدودها».. فالإنسان خليفة الله - سبحانه - في عمارة الوجود، ومن ثم فإن حريته هي حرية الخليفة وليست حرية سيد هذا الوجود أنه سيد من هذا الوجود، وليس سيدا لهذا الوجود، وبعبارة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (١٢٦٦ - ١٣٢٣هـ / ١٨٤٩ - ١٩٠٥م).
فالإنسان عبد وحده، وسيد كل شيء بعده. ثم إنه «الخليفة.. والوكيل الحر» في إطار ونطاق ثوابت ومقاصد الشريعة التي هي عقد وعهد الاستخلاف والتوكيل... فحرية الإنسان الخليفة ليست الحرية الليبرالية الغربية، التي ادعت أن الإنسان هو سيد الكون، وأن حريته الشخصية - من ثم - لا تخضع لأية قيود .
مفهوم غربي
وعندما وقد هذا المفهوم الليبرالي الغربي في الحرية إلى بلادنا في القرن التاسع عشر، والقائم على «الإباحة» وعدم التعرض لأحد في أموره الخاصة، انتقده علماء الإسلام انتقادًا شديدًا .. وكتب الأستاذ عبد الله النديم: (١٢٦١ - ١٣١٣هـ /١٨٤٥ - ١٨٩٦م)فقال:
«.... ولئن قيل: إن الحرية تقضي بعدم تعرض أحد لأحد في أموره الخاصة، قلنا : إن الحرية عبارة عن المطالبة بالحقوق والوقوف عند الحدود .. وهذا الذي نسمع به ونراه رجوع إلى البهيمية وخروج عن حد الإنسانية، ولئن كان ذلك سائغا في أوروبا فإن لكل أمة عادات وروابط دينية أو بيئية وهذه الإباحة لا تناسب أخلاق المسلمين ولا قواعدهم الدينية ولا عاداتهم، والقانون الحق هو الحافظ الحقوق الأمة من غير أن يجني أو يغري بالجناية عليها بما يبيحه من الأحوال المحظورة عندها (٢).
------------------------------------
الهوامش
(۱) النسفي مدارك التنزيل وحقائق التأويل، ج
۱، ص ۱۸۹، طبعة القاهرة، سنة ١٣٤٤م.
(۲) انظر: في تفاصيل هذا المبحث كتابنا
إزالة الشبهات عن معاني المصطلحات. الرق، ص ٤٧٤ - ٤٧٩، طبعة القاهرة دار السلام
سنة ١٤٣١هـ / ٢٠١٠م.
(۳) مجلة الأستاذ العدد التاسع عشر ص ٤٣٩ القاهرة في جمادى الثانية سنة١٣١٠هـ / ٢٧ ديسمبر ۱۸۹۲م.