العنوان المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل: الاختراق، والتطبيع
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1993
مشاهدات 64
نشر في العدد 1070
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 12-أكتوبر-1993
·
بيريز: إن جميع الدول العربية قد أعرضت عن «إسرائيل» بسبب المشكلة
الفلسطينية «وأخيرًا فقد بدأنا حل المشكلة الفلسطينية».
·
كريستوفر: إن الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني سيعطي دفعًا جديًا لرفع
المقاطعة الاقتصادية العربية لإسرائيل، وحذر من أن عدم رفع المقاطعة سيلحق أضرارًا
بالفلسطينيين والإسرائيليين.
بعد توقيع الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني، الذي
شكل نقطة انعطاف حادة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، تزايدت الضغوط على
الأطراف العربية من أجل إلغاء المقاطعة المفروضة على (إسرائيل) منذ أكثر من أربعين
عامًا. وقد دعا وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز في أواخر شهر أيلول الماضي
عقب توقيع الاتفاق، إلى إنهاء المقاطعة العربية المفروضة على (إسرائيل)، وقال:
"إن جميع الدول العربية قد أعرضت عن (إسرائيل) بسبب المشكلة الفلسطينية، وأخيرًا
فقد بدأنا حل المشكلة الفلسطينية".
أما وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر فقد
صرح عقب توقيع الاتفاق لإذاعة (إن. بي. آر) أن الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني سيعطي
دفعًا جديًا لرفع المقاطعة الاقتصادية العربية لإسرائيل، وحذر من أن عدم رفع
المقاطعة سيلحق أضرارًا بالفلسطينيين والإسرائيليين.
وتجدر الإشارة إلى أن (إسرائيل) تولي اهتمامًا
كبيرًا لإنهاء المقاطعة العربية المفروضة عليها، والتي جعلتها معزولة عن محيطها
وكبدتها خسائر فادحة رغم نجاحها في اختراق هذه المقاطعة في كثير من الأحيان.
وقد صرح عوزمي برعام السكرتير السابق لحزب
العمل لصحيفة هآرتس الإسرائيلية في 23/ 11/ 1989 أن: «الأمن الحقيقي هو الأمن
الاقتصادي، ولذا يجب التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية بشرط أن تتسع العلاقات
الاقتصادية بين إسرائيل والدول العربية بشكل يتوازى مع تطور المفاوضات بين إسرائيل
ومنظمة التحرير إلى أن يصل الوضع إلى حالة وفاق في الشرق الأوسط، يخلق منه كتلة
إقليمية تندمج في التوجه العالمي».
المقاطعة الاقتصادية لمحة تاريخية
في شهر أيار (مايو) 1951 اتخذ مجلس الجامعة
العربية قرارًا بإنشاء جهاز المقاطعة العربية لإسرائيل، وحددت مهامه في الأمور
التالية:
- أولاً:
تنسيق الخطط والتدابير المتعلقة بمقاطعة (إسرائيل).
- ثانيًا:
إنشاء مكاتب مقاطعة في جميع الدول العربية الأعضاء في الجامعة.
- ثالثًا:
مراقبة تطور الاقتصاد الإسرائيلي، ووضع الخطط اللازمة للحد من طموحات
الاقتصاد الإسرائيلي، والعمل على إحباط كل ما من شأنه تدعيمه.
وقد صدر القانون الموحد للمقاطعة الاقتصادية
على (إسرائيل) في شهر كانون أول (ديسمبر) 1956، وتضمن منع جميع الأفراد والمؤسسات
العربية الرسمية من عقد اتفاقيات مع العدو، ومنع دخول البضائع إلى الدول العربية،
ومنع التعامل مع جميع الشركات التي تشملها قوانين المقاطعة لأي من الأسباب التي
حددتها تلك القوانين، كأن يكون للشركة فروع أو مكاتب أو وكلاء في إسرائيل، وكذلك
الشركات التي تشتري اسمها شركات أو مؤسسات إسرائيلية؛ إذ تقوم بتجميع وتصنيع
وتسويق المنتجات الإسرائيلية، وكذلك الشركات التي تقدم قروضًا أو تسهيلات
لإسرائيل، أو تنتج آليات استخدم في صنعها أجزاء صنعت في (إسرائيل).
وقد حددت قوانين المقاطعة عقوبات يتم تطبيقها
على الأفراد والهيئات والمؤسسات الرسمية العربية التي تخالف لوائح المقاطعة، ولكن سؤالاً
مهمًا يطرح في هذا السياق عن مدى فعالية وجدوى المقاطعة الاقتصادية المفروضة على
(إسرائيل) في ظل الخروقات المستمرة لهذه المقاطعة، وفي ظل بعض الإجراءات التي لجأت
الولايات المتحدة والدول الغربية إلى اتخاذها في الآونة الأخيرة؛ بهدف تقليص
الآثار السلبية للمقاطعة والتوجه نحو إلغائها.
ففي أوائل شهر آب (أغسطس) الماضي قامت الدول
الأوروبية بالتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة بإلغاء شهادة المنشأ التي كانت
ترفق مع البضائع المستوردة من تلك الدول، وتؤكد خلوها من أي عناصر إسرائيلية، كما
أن بعض الدول الأوروبية بدأت تفرض بعض القيود والعقوبات على الشركات التي تصر على
الالتزام بقوانين المقاطعة العربية. كذلك فإن أجهزة المقاطعة العربية، وعلى الرغم
من الأموال الطائلة التي أنفقت عليها، لم تتمكن من الحيلولة دون تسرب المنتجات
الإسرائيلية إلى الدول العربية؛ فمنذ بداية السبعينات تمكنت (إسرائيل) من تسريب منتجاتها
إلى الأسواق العربية من خلال استخدام الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية
كمحطات ترانزيت، وبخاصة إلى دول الخليج، وقد لعبت قبرص، وتركيا، واليونان دورًا كبيرًا
في هذا الاتجاه.
لكن وعلى الرغم من أن الكثير من الثغرات قد
وجدت في المقاطعة العربية الاقتصادية التي فرضت على (إسرائيل) فقد كان لها
إيجابيات كثيرة، وساهمت في إضعاف الاقتصاد الإسرائيلي، وإيقاع خسائر كبيرة به،
قدرت بحوالي (10%) من الناتج القومي للكيان الصهيوني؛ فقد حرمت تلك المقاطعة
الكيان الصهيوني من مزايا التعامل التجاري مع الدول العربية المجاورة، كما دفعت
الكثير من المؤسسات والشركات الأجنبية إلى رفض التعامل مع (إسرائيل) خوفًا من
المتاعب والعقوبات التي قد تفرض عليها جراء هذا التعامل، كما حرمت المقاطعة الكيان
الصهيوني من الاستفادة من الموارد الطبيعية اللازمة لصناعاته والمتوفرة في الدول
العربية المجاورة والقريبة.
ولعل ما يؤكد أن هذه المقاطعة كان لها الكثير
من الإيجابيات رغم جميع الثغرات هو إصرار (إسرائيل) المستمر على أن تتضمن أية
تسوية أو اتفاقات إلغاءً لهذه المقاطعة، وكذلك الضغوط الكبيرة التي تمارسها
الولايات المتحدة والدول الغربية لإقناع الدول العربية برفع المقاطعة؛ فلو أن
المقاطعة الاقتصادية عديمة الفائدة أو التأثير على الاقتصاد الإسرائيلي كما يزعم
البعض، لما حظيت بهذا الاهتمام الإسرائيلي والغربي الواضح.
وقد صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن: «السلام
مع الدول العربية سيكون مكسبًا اقتصاديًا عظيمًا لإسرائيل؛ لأنه سيفتح لها سوقًا واسعة
جديدة في الشرق الأوسط».
أما ما يستند إليه البعض في تدعيم رأيهم بعدم
جدوى المقاطعة من أن اتفاقات كامب ديفيد بين مصر و(إسرائيل) لم تعد بالفائدة
الاقتصادية الكبيرة على (إسرائيل) فإن هذا الادعاء يتضمن مغالطة كبيرة؛ حيث إن
اتفاقات كامب ديفيد كانت اتفاقات منفردة، وبالتالي فإنها لم تنجح في إلغاء
المقاطعة العربية أو حالة العداء النفسي والسياسي، في حين أن الاتفاقات الجديدة
الجارية في المنطقة تمهد لحالة صلح جماعي، يتوقع أن يكون لها آثار سلبية كبيرة في
تطبيع العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية، ولا شك أن إلغاء المقاطعة العربية
سيكون أحد الاستحقاقات الأساسية لهذه التسوية في لحظة قادمة.
مخاطر إلغاء المقاطعة الاقتصادية
لا شك أن اتخاذ قرار بإلغاء المقاطعة
الاقتصادية على (إسرائيل) سيكون له مخاطر كبيرة على الواقع العربي والإسلامي، ولعل
أهم هذه المخاطر:
- أولاً:
سيؤدي رفع المقاطعة الاقتصادية إلى تحسين وضع الاقتصاد الإسرائيلي، وإلى
تخليص كثير من الأزمات التي يعاني منها؛ وقد صرح وزير الخارجية الإسرائيلي
أنه: «من الصعب على الإنتاج الإسرائيلي أن ينافس في المجال التكنولوجي أو
غيره المنتجات الأوروبية أو الأمريكية أو اليابانية، إن الخروج من المأزق
يستدعي التوجه نحو السوق العربية، الأمر الذي يستوجب تعزيز العلاقات مع الدول
العربية». فقد وصلت الصادرات الإسرائيلية إلى دول آسيا وإفريقيا مجتمعة عام
1987 إلى ما نسبته (11%) فقط من إجمالي صادراتها، في حين توجهت غالبية
الصادرات الإسرائيلية إلى الولايات المتحدة والسوق الأوروبية بحوالي (67%)
وقد بلغت قيمة الصادرات الإسرائيلية إلى الولايات المتحدة عام 1987 (2754)
مليون دولار، إلا أن قدرة تلك المنتجات الإسرائيلية على المنافسة في تلك
الدول تراجعت كثيرًا في الآونة الأخيرة؛ بسبب بعد تلك الأسواق وانضمام دول
جديدة إلى السوق الأوروبية. فالمنتجات الزراعية الإسرائيلية من الفواكه
والخضروات والزهور تشكل حوالي ثلث صادراتها إلى السوق الأوروبية، ومع حصول
البرتغال وإسبانيا واليونان على عضوية السوق، فإن تلك الصادرات الزراعية لم
تعد قادرة على منافسة منتجات تلك الدول؛ لذلك فإن البحث عن أسواق جديدة
لتصريف الناتج الإسرائيلي من المنتجات الزراعية والمعدات الكهربائية
والإلكترونية والكيماوية أصبح أمرًا في غاية الأهمية بالنسبة لإسرائيل. وقد
صرح الإسرائيليون بأن لديهم الإمكانيات السريعة والفورية لإنتاج البضائع
وشحنها إلى الأسواق العربية، وكذلك إقامة مشاريع صناعية في نفس الدول العربية
اعتمادًا على الإدارة الإسرائيلية. وإضافة إلى بحث (إسرائيل) عن أسواق
استهلاكية جديدة وقريبة جغرافيًا لتسويق بضائعها، فإنها تبحث كذلك عن مصادر
جديدة للموارد الطبيعية والخام، وبخاصة النفط بدل اللجوء إلى موارد بعيدة
ومكلفة.
- ثانيًا:
إضافة إلى المكاسب التي ستحققها (إسرائيل) جراء التطبيع الاقتصادي وإلغاء
المقاطعة العربية، فإنها تخطط لضرب الاقتصاد العربي الذي لن يكون قادرًا على
منافسة الاقتصاد الإسرائيلي المتطور نسبيًا، وهو ما سيؤدي إلى إضعاف اقتصاد
الدول المجاورة تمهيدًا لإضعافها سياسيًا وعسكريًا.
- ثالثًا:
بعد أن فشلت (إسرائيل) في تهويد المنطقة عن طريق الحرب، فإنها تتجه الآن إلى
تهويدها واختراقها عن طريق الاقتصاد والثقافة. إن الحديث عن السوق الشرق
أوسطية الذي يجرى ترويجه هذه الأيام، والذي فتح الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني
الباب واسعًا أمام إقامته في الفترة القادمة- يحمل الكثير من الأخطار على
مستقبل العالم العربي والإسلامي، وينذر بمواجهات اقتصادية قد تتعدى في آثارها
السلبية تلك الناجمة عن الحروب العسكرية.
وفي ظل أجواء الهدوء والمصالحات التي يجرى
إشاعتها، فإن احتمالات إلغاء المقاطعة العربية الاقتصادية التي باتت تشكل آخر خط
دفاع يملكه العرب في مواجهة الأطماع الصهيونية بعد تخليهم عن جميع أوراقهم قد
أصبحت واردة بقوة، وهي مسألة أيام أو شهور فقط.
وإذا كانت الضفة الغربية وقطاع غزة يأتيان في
المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في الأهمية النسبية للصادرات الإسرائيلية
حيث بلغت (928) مليون دولار عام 1987؛ أي ما يعادل (10%) من إجمالي الصادرات
الإسرائيلية، فإن الأسواق العربية مرشحة لأن تحتل المرتبة الأولى دون منازع في حال
نجاح (إسرائيل) وحلفائها في فرض التطبيع وإلغاء المقاطعة الاقتصادية.
فهل تتنبه الدول والشعوب العربية إلى حجم
المؤامرة التي يجرى إعداد اللمسات الأخيرة لها هذه الأيام؟ أم يستمر التعامل مع
الواقع بمنطق الأحلام والتعامي عن الحقائق؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل