العنوان المقاطعة المفروضة بين المذابح والمصالح وبين تضخيم «العجز» وإهمال الممكن
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1426
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 14-نوفمبر-2000
ليس المطلوب أن نمارس مقاطعة هوجاء تضعنا في عزلة دولية ولكن الهدف هو ألا يستمر عيشنا على هامش الأسرة الدولية وتحت أقدام المصالح والمطامع الأمريكية
الجانب الحاسم في طرح المقاطعة لا يرتبط بمشروعيتها وإنما بالهدف المطلوب منها وجدواها العملية
ليس المطلوب العيش في عزلة دولية، كما تساءل أحد المسؤولين مستنكراً المطالب المنتشرة في كل مكان بمقاطعة الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، إنما المطلوب والمفروض وهو أيضاً الممكن كحد أدنى في المرحلة الراهنة، وقف المضي على طريق منحرفة تفاقم خطرها عاماً بعد عام، وعقداً بعد عقد، واتفاقية بعد اتفاقية.. وبالمقابل فقد اثبتت الانتفاضة بعد الانتفاضة، أن تلك الطريق المنحرفة في «انفتاحها» تطعن مع كل خطوة من خطواتها الإرادة الشعبية في النحر والظهر في فلسطين، وخارج فلسطين على امتداد الأرض حيثما وجد المسلمون، وحيثما وجد عرب أدركوا بمختلف فئاتهم مسلمين عقيدة وغير مسلمين، وملتزمين تطبيقاً وغير ملتزمين، أن متابعة السير على تلك الطريق المنحرفة تعني الانتحار سياسياً وحضارياً وبشرياً.
لقد تواصلت مطالب المقاطعة على السنة مختلف الفئات الشعبية من علماء ودعاة ومفكرين وإعلاميين مثلما هدرت بها حناجر المصلين في المساجد والطلبة في الجامعات والمدارس، ومن لم تمنع السلطات وصولهم من عامة جماهير الأمة إلى الشوارع، ومثلما حفلت بتلك الدعوة البيانات والرسائل عبر البريد الإلكتروني والمواقع الشبكية فلا نكاد نرى استثناء من هذا المد الجماهيري سوى قلة من أصحاب اتجاهات عتيقة، تثير العجب وهي تعض بالنواجذ على مواقف شاذة لا قيمة لها لولا أن أصحابها أو فريقاً منهم مازالوا يسيطرون على كثير من مواقع النفوذ.
على أنه لا ينبغي الالتفات كثيراً إلى وجود من ينطلق من موقف شاذ فيعارض العمل على مقاطعة عدو يرتكب جرائمه المتواصلة جهاراً، ويهدد بمجرد استمرار وجوده الباطل العدواني التوسعي الدول القريبة من الأرض المباركة والأبعد عنها على السواء، إنما ينبغي بذل الجهد الأكبر للعمل على تحويل المقاطعة من شعار ودعوة وممارسات متفرقة إلى منهج ومخططات وتطبيقات مدروسة.
حصيلة «الانفتاح»
بدأ فتح ثغرات «الانفتاح» المشؤوم على الكيان الغاصب، قبل قمة كامب ديفيد الأولى عام ۱۹۷۸م، والتي كانت الاتفاقات المنبثقة عنها فى المنعطف الرئيس الأكبر لتبدأ معاول التنازلات في هدم المقاطعة العربية آنذاك، وبالتالي لفك العزلة العربية حول الكيان الغاصب، وكان رد حمائم السلام وصقوره في ذلك الكيان على تلك المرحلة الأولى هو اجتياح جنوب لبنان وما رافقه من مذابح دون رد فعل عربي، وهو ما جسد بصورة استعراضية صارخة مدى سقوط النظام الأمني العربي المشترك.
ثم كان المنعطف الرئيس الثاني في مؤتمر مدريد فهدمت معاول المصالحات ما سبق الوصول إليه من عزلة دولية طوقت الكيان اليهودي الغاصب.. فجاء الجواب عن تلك المرحلة الثانية متمثلاً في تحرك صهيوني دولي حقق السبق على سائر الدول العربية والإسلامية، في مد «نفوذه، في قلب دول إسلامية شقيقة أخرى ما بين تركيا وكازاخستان ونيجيريا.
ثم هدمت معاول أوسلو مع المنعطف الرئيس الثالث في تلك المسيرة المنحرفة البقية الباقية من بعض التنسيق بين الأطراف العربية، والبقية الباقية من أسباب المقاطعة فكان الجواب عن المرحلة الجانب الحاسم في طرح المقاطعة لا يرتبط بمشروعيتها وإنما بالهدف المطلوب منها وجدواها العملية الثالثة أن تمكن المشروع الصهيوني من تحقيق مزيد من الاختراق جغرافياً ما بين موريتانيا وعمان، وموضوعياً ما بين الاقتصاد والثقافة.
ما الذي تحقق عبر تلك المراحل المتتابعة وما رافقها من حملات تضليل واسعة النطاق عن عدم المقاطعة ثم الممارسات العملية لتمزيقها، بل وأكثر من ذلك ما وصل إليه أدعياء السلام الموهوم وجنود ما يوصف بالتطبيع، من ممارسات تجاه «أهل بلادهم» كبديل عن العدو.
لقد كانت الحصيلة:
1– قطع فسيفساء على الأرض في الضفة والقطاع، لا تعادل عشر مساحة أرض فلسطين التاريخية، ولم يتحقق فيها تحرير ولا سيادة ولا مجرد القدرة حتى على تسيير أمور البلديات فقط.
2– محطات مذبحة مصالحة أوسلو السياسية للانتفاضة الأولى وأبطالها ومنظماتها سجناً واعتقالاً واغتيالات وتعقباً وحصاراً على الأرض..
٣- متابعة مسلسل المذابح البشرية، من دير ياسين حتى صبرا وشاتيلا بمذبحة قانا.
4– متابعة حلقات حريق الأقصى بحلقات مذبحة الحرم الإبراهيمي والنفق في القدس الشريف.. وحتى المذابح الجماعية الجارية حالياً.
ولكن من الحصيلة أيضاً انفجار ذلك الغضب الشعبي المكبوت، ولن يتمكن العاملون على خنقه من كبته أو إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء بضع سنوات لتعاد الكرة بكل ما كان فيها من هوان.. وما كان فيها أيضاً من تضحيات، لأنها تسير في الطريق الصحيح نحو التحرر والسيادة وتقرير المصير.
وهكذا رغم الدموية، يوجد من لا يزال متمسكاً بطريق «الانفتاح» ومعارضة «المقاطعة» ويزعم عن نفسه أنه صاحب المنطق المنهجي.. وليس انفعالياً متحمساً كالشارع العربي، وصاحب سياسة حكيمة واقعية فلا يحرض على حرب أو مظاهرات، مثلما تفعل وسائل إعلامية كسرت قضبان الرقابة العتيقة هو الذي استوعب عالمنا المعاصر فبلغ مستوى حضارياً راقياً يتناقض مع الحروب ومع التسلح – ويبدو أنه لا يرى في الشيشان أو كشمير حرباً ولا في التسلح الأمريكي والصهيوني خطراً – ولهذا فهو يصر على سلام قائم على التطبيع، وعلى علاقات تجارية وغير تجارية، حتى لو بلغ به هذا الطريق أقصى درجات التهور السياسي، وهو – مهما قيل في وصفه مخادعة وتضليلاً – تهور بعيد المدى بمقاييس السياسة الواقعية ولكن كما يمارسها العالم من حولنا، وليس كما جعل منها أدعياء الواقعية في بلادنا، سياسة التراجع بعد التراجع والتسليم بعد التسليم أمام واقع متغير يومياً، يصنعه العدو وهو الذي سلمنا له أن يغيره مرة بعد أخرى على ليس المطلوب أن نمارس مقاطعة هوجاء تضعنا في عزلة دولية ولكن الهدف هو ألا يستمر عيشنا على هامش الأسرة الدولية وتحت أقدام المصالح والمطامع الأمريكية حساب سائر أهدافنا المشروعة وحقوقنا الأصيلة.
إن المسيرة اليهودية الدموية ستمضي نحو مزيد من الاغتصاب والتهويد حرباً وسلماً، ومزيد من العدوان والمذابح ومزيد من الهيمنة والتوسع، سواء عقدت اتفاقات ومعاهدات أم لم تعقد، ولن تتحول عن طريقها الدموي هذا، إلا بمقدار ما تواجه رادعاً يردعها ويردع القوة الأمريكية من ورائها على كل صعيد:
۱– بدياً بموازين «المصالح المادية البحتة» وهذا ما يركز عليه الحديث عن المقاطعة في الفقرات التالية، مروراً بالدعم الحقيقي، السياسي والمالي الكافي وكذلك العسكري حيث يعلم القادرون على ذلك والخبيرون به كيف يمكن توفيره وحيث لا يعوض عنه دعم مالي رسمي محدود ولا دعم إعلامي عن بعد، فليس هذا وحده، ما يشد أزر أبطال فلسطين من مختلف الأعمار.
2- انتهاء بإعداد سائر ما يمكن إعداده من أسباب القوة التي ترهب ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ﴾ [سورة الأنفال: 60].
ليس المطلوب أن نمارس مقاطعة هوجاء شاملة تجعلنا «نعيش في عزلة دولية» كما يزعم الزاعمون ولم يطلب ذلك جمهور المتظاهرين ولا من يوصف بالمثقفين الواعين ولكن المطلوب قطعاً هو الا يستمر عيشنا على «هامش الأسرة الدولية» وتحت أقدام المصالح والمطامع الدولية.
إن الحد الأدنى من المطلوب والمفروض هو اتخاذ خطوات أولى مرئية ومواقف وإجراءات عملية، في اتجاه يتضح من خلاله للأمة ويتضح للعالم أن المصالح الأمريكية في بلادنا، ليست أغلى علينا من مصالحنا الذاتية، ولا أهم من الأرض المباركة ولا من المقدسات، ولا يعني المضي على درب المقاطعة، بفاعليات وخطوات مدروسة وقف كل شكل من أشكال الاتصال والحوار مع القوى القائمة في عالمنا المعاصر، أو توظيف كل وسيلة أخرى مناسبة من وسائل العمل على تحصيل الحقوق المشروعة.
ولا يفيد الاستغراق طويلاً في جدال عقيم حول حجج الرافضين للمقاطعة وظروف تحركاتهم المختلفة، إنما يفيد إسقاطها عملياً على أرض الواقع التطبيقي للمقاطعة، وذاك ما يتطلب توفير مقدمات وشروط أولية كما يستدعي في المقاطعة المطروحة «شعبياً» حتى الآن:
1– أن نتعامل مع هذه الوسيلة تجاه السياسة الأمريكية كالتعامل مع أي وسيلة أخرى، فليس الحديث عنها من المحرمات، كما يصوره المتغربون والمتأمركون تزييفاً وخدمة للمصالح والمطامع الأمريكية بلغت مستوى الخنوع التام أي مهما كان الثمن المدفوع على حساب المقدسات والأوطان والشعوب.
2– أن تتعامل مع وسيلة المقاطعة كحق مشروع بمختلف المقاييس بدلاً من تصويرها أو الإيحاء بأنها نوع من التحدي أو من المخالفات الصارخة للشرعية الدولية، فمثل هذه الأقوال ضرب من التضليل في مرحلة لم يعد التضليل يجدي فيها، وقد سبق أن سبب التضليل نقيض المقصود به، وإن في صلب القانون الدولي ما يثبت حق ممارسة حالات الاحتلال والعدوان والحروب وما شابه ذلك، وإن كان القانون الدولي يحظر شيئاً فإنما يحظر ممارسات أخرى نعايشها في الوقت الحاضر من جانب جهات دولية كبيرة وصغيرة تستخدم لغة المقاطعة لتحقيق أهداف غير مشروعة من قبيل الهيمنة خارج الحدود الوطنية، وفرض العولمة أو الأمركة، وإلحاق الضرر المباشر بأطراف، آخرين لا يصلون لا بإمكاناتهم ولا بأضرارهم إلى من يمارسون تلك المقاطعات وفي مقدمتهم الولايات المتحدة.
3– وأن تتعامل مع وسيلة المقاطعة كذلك، باعتبارها وسيلة من وسائل تحقيق التقدم وهو ما يتطلب بذلك جهود خاصة مرافقة للمقاطعة، ولكن لا ينبغي على أي حال تصويرها بما يعرقل مسيرة «التقدم» المتعثرة.
وإذا كانت الولايات المتحدة هي المستهدفة أكثر من سواها بالدعوات الشعبية العارمة للمقاطعة فهي بالذات أخر من يمكن أن يسري عليه الزعم القائل بعدم تلاؤم المقاطعة، مع العصر وروحه أو مع قوانين دولية معاصرة، وأدنى ما يمكن أن يكون الرد على ذلك الزعم هو الإشارة إلى مبدأ المعاملة بالمثل الثابت في القانون الدولي فقد عشعش أسلوب المقاطعة في الولايات المتحدة وسياساتها، بل و«عشعش» في كل جهاز من الأجهزة الأمريكية على حدة، وفي أدمغة الساسة الأمريكيين كأفراد، وفي معاملاتهم وأساليب حديثهم وبلغ ذلك درجة صارخة تكشف عن روح العداء الكامن في الأعماق، إلى جانب ما تثيره بعض الأمثلة من الازدراء، كما كان مؤخراً في رفض المرشحة المنصب الحاكم العام في نيويورك «هيلاري كلينتون» ما وصل إلى صندوق حملتها الانتخابية من تبرعات مالية هادفة، من جانب منظمات إسلامية في الولايات المتحدة، قائلة بكل وضوح إن السبب هو مواقف تلك المنظمات ضد «إسرائيل».
إن الجانب الحاسم في طرح مسألة المقاطعة لا يرتبط بمشروعيتها أو تلاؤمها مع العصر وما شابه ذلك، بل يكمن في سؤال مبدئي عن الهدف المطلوب منها، لتوظيفها في إطار تحرك أوسع نطاقاً نحو بلوغ الأهداف المطلوبة جميعاً، وليس مجرد الأهداف المرحلية المرتبطة بوسائل معينة كالمقاطعة، ومن هنا، ومن أجل توظيف وسيلة المقاطعة توظيفاً سليماً، يجب التساؤل عن الجدوى، العملية لها، بدلاً، من التساؤل بأسلوب التشكيك عن جدواها.
ومن هنا أيضاً، ومن أجل العمل على تنظيم، الخطوات التطبيقية الكفيلة بتحقيق المقاطعة وتوظيف نتائجها يجب التساؤل عن الإمكانات المتوافرة لممارستها، وأين تمارس، وكيف وما الذي يجب أن يرافقها من خطوات تخفف الأعباء المرتبطة بها، ومن إجراءات احتياطية لمواجهة احتمالات ردود الفعل التي تثيرها.
لقد مضت فئات شعبية كثيرة على طريق الدعوة إلى المقاطعة وحتى ممارستها بصورة عفوية تمثل إرادة الأمة المكبوتة منذ زمن طويل، وتمثل رد الفعل الغاضب تجاه عدو دموي وتجاه تخاذل متواصل حتى عن صنع الب القريب والممكن، وبات من الضروري لتتحول تلك الظاهرة المخلصة المتفجرة إلى تحرك جماعي هادف تبذل الجهود على مستوى الدراسة والتخطيط والترشيد والتوجيه والمتابعة والتقويم والتطوير وباعتبار ذلك مهمة دائمة وليس كأمر طارئ، ومن المفيد في هذا الإطار التنويه ببعض النقاط الأساسية الأولية كأمثلة على سواها وبإيجاز شديد:
– المطلوب مقاطعة شاملة تجاه الكيان اليهودي الغاصب، لا تترك على المستوى الشعبي ثغرة من الثغرات وفي الوقت نفسه لا تتوقف المطالب المشروعة الملحة لممارسة المقاطعة الشاملة المماثلة على المستوى الرسمي حتى تتحقق الاستجابة بالشكل الكافي وبالمستوى المطلوب.
- ليس المطروح فيما يتعدى ذلك، ولا سيما تجاه الولايات المتحدة، هو التحول بين ليلة وضحاها مما تعرف بوجوده من علاقات قائمة على مختلف المستويات وبمختلف الصور إلى سلوك طريق المقاطعة بصورة شاملة، ولكن المطلوب على الفور.. هو التحرك في هذا الاتجاه، تدريجياً، وبصورة تصعيدية، وبخطوات وإجراءات ترافقها خطوات أخرى مكملة وضرورية للتعويض عن النقص حيث يمكن التعويض والاستغناء ببدائل أخرى حيث يمكن إيجاد البدائل.
3- كذلك لا بد في كل خطوة من خطوات المقاطعة، من اتخاذ ما يكفي من الإجراءات العملية، كيلا تتحول عن هدف توجيه ضربات مشروعة وموجعة لعدو خارجي إلى تسبيب أضرار لأي فئة من الفئات داخل بلادنا العربية والإسلامية على مستوى العاملين في قطاعات ما طلبا للرزق دون ما يكفي من الوعي بالنتائج أو حتى المتورطين في استثمارات مشتركة مع جهات أجنبية معادية فضلاً عن المعتادين إلى درجة شبيهة بالإدمان على سلع معينة فهم في حاجة إلى «الشفاء من الإدمان» أولاً.
عبر الإنترنت: حملات واسعة تطالب بمقاطعة المنتجات الأمريكية
منذ اندلاع انتفاضة الأقصى أواخر سبتمبر الماضي والحديث عن ضرورة المقاطعة الفعالة للمنتجات الأمريكية هو السائد في العديد من مواقع الحوار ومنتديات الدردشة العربية على شبكة العنكبوت الدولية «إنترنت».
ففي «دارة الحوار العربي» ضمن موقع «أريبيا دوت كوم» يبدو الاهتمام بحملة المقاطعة الشاملة للمنتجات الأمريكية، على أشده عبر الأسابيع الخمسة الماضية، ويتداول رواد الصالون السياسي بشكل خاص الأفكار الملائمة لتفعيل تلك الحملة ويقدرون الآثار الواسعة التي البضائع الاسم يمكن أن تتمخض عنها في الأمد القريب.
وكتب أحد الرواد الذي اتخذ من «الأموي» اسماً له ما نصه «هيا بنا نقاطع جميع هذه المنتجات الأمريكية ونزيد الحملة عليها، حتى يعرفوا أن المسلمين لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام التعنت الأمريكي والإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني». وشدد ذلك المتحاور الإلكتروني على ضرورة مقاطعة المشروبات الغازية الأمريكية مثل عائلتي «كوكا كولا» «وبيبسي كولا»، وسلسلة مطاعم الوجبات الأمريكية السريعة «ماكدونالدز» ومجموعة مطاعم «أمريكانا» في الدول العربية.
ولم يخف مشارك أخر يطلق على نفسه اسم «الدكتور بسام» تهكمه على إعلان نشره مدير سلسلة مطاعم أمريكية للوجبات السريعة في الصحف المصرية يعلن فيه عن التبرع بما يعادل عشرة في المائة من إجمالي دخل فروعه كافة في مصر لمدة شهر كامل لصالح «دماء شهداء فلسطين وتضامناً مع إخواننا الفلسطينيين» كما جاء في إعلان الشركة التي دعت «جميع المصريين إلى الجهاد بالمال».
ويعلق «الدكتور بسام» على ذلك قائلاً و«لقد أصبحت الشركات الأمريكية تتغنى بالتبرعات بعد أن ظهرت عزيمتنا في مقاطعة المنتجات الأمريكية، إنهم يخافون على ثرواتهم فيقررون التلون لمصلحتهم» وينتهي إلى القول بثقة كاملة «نقول لتلك الشركات الأمريكية نحن لسنا أغبياء أو حمقى» على حد وصفه.
وبالإنجليزية أعلى مشارك سوري يعيش في إحدى الدول الأوروبية بدلوه في حلقة النقاش ليؤكد أن مقاطعة المنتجات الأمريكية هو الحد الأدنى المطلوب منا دعماً للشعب الفلسطيني وقطع ذلك المشارك عهداً على نفسه بأنه لن يتناول أياً من وجبات مطاعم ماكدونالدز الأمريكية للوجبات السريعة بعد اليوم، ولن يشرب الكولا الأمريكية،» فأنا لن أنسى أبداً مشهد الطفل محمد الدرة ووالده» على حد تعبيره. ولاحظ المشارك جهاده من مصر أن الهند.
دعوة.
لم يعد السؤال الحاسم: هل نمارس المقاطعة أم لا... فقد أجاب الموقف الشعبي عن هذا السؤال وحسمه، إنما السؤال الحاسم هو: كيف تمارس المقاطعة، فآنذاك وعلى هذه الأرضية فقط، يمكن أن يفيد النقاش والحوار بصدد جدواها وكيفية ممارستها وإمكانات توجيهها وتنظيم فاعلياتها.
ولا بدّ من التنويه بأنَّ الحديث يدور إذن حول المقاطعة الشعبية، أولا، وحول المقاطعة الرسمية ثانياً، ولكن لا يعني هذا تبـ رئة الدول من مسؤولياتها، إنما يعني الخروج من تحويل الحديث عن المقاطعة والدعوات المتناثرة، بصددها، دون تخطيط وتنظيم وتنفيذ مدروس، إلى ضرب من العبث أو وسيلة من وسائل «امتصاص الغضب» فحسب.
يجب أن يسقط على المستوى الرسمي سقط على مستوى الشعوب، ذلك الحاجز الوهمي الخطير على صناعة القرار والذي جعل من الحديث عن إجراء سلمي مشروع يستهدف الولايات المتحدة، مهما بلغ عداؤها السافر لقضايانا المصيرية، أمراً محظوراً.
كانت أفقر من الدول العربية عندما قاطعت البضائع الإنجليزية، وهو ما أدى إلى أن تفرض إرادتها على إنجلترا، ونحن اليوم نستطيع أن تمارس ضغوطاً اشد على أمريكا من خلال سلاح المقاطعة إذا ما عزمنا على ذلك».
وعلق مشارك اخر بالإشارة إلى دخول أسلوب المقاطعة الاقتصادية ضمن المفهوم الإسلامي لتغيير المنكر، وهو «أسلوب يساعدنا على الانتصار».
وقال آخر لن ينهار اقتصادنا أو تصاب شعوبنا بالأزمات إذا لم نشرب الكوكاكولا أو لم نأكل من مطاعم ماكدونالدز وتشيليز وأمريكانا على حد تقديره، فيما أثنى زميل له في منتدى النقاش ذاته على هذا الطرح بأن أضاف أجل لن نموت من العطش إذا فارقنا تلك المشروبات الأمريكية.
ولا تتوقف دعوات مقاطعة المنتجات الأمريكية على منتديات الحوار الإلكتروني وحدها، إذ تطرح أعداد متزايدة من المواقع العربية والإسلامية في شبكة الإنترنت دعوات مماثلة، قد يكون بعضها بمثابة بيانات صادرة عن تجمعات واتحادات أهلية، أو نصوص لفتاوى وإرشادات علماء وأئمة مسلمين.
ويخوض في الوقت ذاته ناشطون حملات توعية عبر البريد الإلكتروني التحذير من خطورة الإقبال على السلع والخدمات الأمريكية ويوزعون لهذا الغرض قوائم تضم أسماء عشرات الشركات والعلامات التجارية التي ينبغي تجنب استهلاك منتجاتها.
فيصل مولوي (*): شراء البضائع المصنوعة في الولايات المتحدة أشد حرمة من البضائع المصنوعة في بلاد أخرى
• أيهما أولى بالمقاطعة –منتج تنتجه بالكامل دولة أجنبية: فرنسا أو ألمانيا، أو الصين او تايلاند ألم منتج لبضاعة أمريكية معروفة لكنه ينتج في دولة عربية أو إسلامية وتقوم هذه الشركة بتوظيف بعض المسلمين فيها كما تحصل الدولة على بعض المزايا، لكن الجزء الأكبر من الأرباح يذهب للشركة الأمريكية في صورة أرباح على رأس المال أو للأبحاث والتطوير أو للمديرين الكبار أو ما يسمى «إتاوة المبيعات»؟!
الإجابة للدكتور فيصل مولوي:
• الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله اتفق جمهور الفقهاء على جواز التجارة مع الحربيين، وهم غير المسلمين الذين لا توجد بينهم وبين المسلمين عهود ومن باب أولى أن التجارة جائزة من غير المسلمين الذين توجد بيننا وبينهم عهود، وهذا يشمل اليوم كل دول العالم المرتبطة بميثاق الأمم المتحدة والمواثيق المتفرعة عنه، ولم يستثن الفقهاء من ذلك إلا أمرين:
الأول: الإتجار بالمحظورات الشرعية كالخمور والخنازير وسائر المنكرات.
الثاني: تصدير السلاح أو الأدوات التي يصنع منها.
وبناءً على ذلك، فإن الأصل الشرعي هو جواز المتاجرة مع جميع الدول الأجنبية كفرنسا والمانيا والصين واليابان وتايلاند وغيرها.
أما فتوى مقاطعة البضائع الأمريكية التي أطلقها علماء وقادة الحركة الإسلامية فهي مبنية على أن الولايات المتحدة الأمريكية تساعد إسرائيل بالمال والسلاح، وهي التي تمكنها من الاستمرار في احتلال فلسطين وتشريد ٤ ملايين من أهلها في بقاع الأرض، وإذلال واستغلال من بقي منهم هناك، وتدفع الولايات المتحدة سنوياً أربع مليارات دولار للصهاينة كمساعدة رسمية ومعنى ذلك أن الدولار الذي تريحه أمريكا من التجارة مع المسلمين يذهب رصاصة في صدور الفلسطينيين، وهذا ليس فقط خذلاناً لإخواننا، بل هو مساعدة للعدو ضدهم، والرسول ﷺ ينهى عن ذلك بقوله:
«المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولَا يُسْلِمُهُ».
إن مقاطعة البضائع الأمريكية تحتاج إلى دراسة تفصيلية من أهل الاختصاص حتى تحقق الغاية منها، ومما لا شك فيه أن مقاطعة البضائع المصنوعة في أمريكا كالسيارات والآلات وغيرها أهم بكثير من مقاطعة البضائع المصنوعة في بلادنا برخصة أمريكية، لأن الأرباح المتحصلة للاقتصاد الأمريكي في النوع الأول أكبر منها في النوع الثاني.
ولا يقال أيهما أولى بالمقاطعة بضاعة منتجة بالكامل في دولة غير مسلمة كفرنسا أو ألمانيا أو غيرها، أو بضائع منتجة في بلاد عربية أو إسلامية برخصة أمريكية، لأن الأصل الإباحة لجميع أنواع البضائع الأجنبية وفتوى مقاطعة البضائع الأمريكية بنيت على أمر عارض وهو المساعدة الهائلة من الولايات المتحدة للكيان الصهيوني، فأي دولة تقدم مثل هذه المساعدة، فإن الواجب الشرعي يقتضينا مقاطعة بضائعها، فالأولوية لا تكون بين حرام ومباح، وإنما هي بين حرام أشد وحرام أخف فيمكننا أن نقول مثلاً: إن شراء البضائع المصنوعة في الولايات المتحدة أشد حرمة من البضائع المصنوعة في بلاد أجنبية برخصة أمريكية، وهذه أشد حرمة من البضائع المصنوعة في بلاد إسلامية برخصة أمريكية لأن استفادة الاقتصاد الأمريكي من النوع الأول أكبر من استفادته من النوع الثاني، وهذه أكبر من النوع الثالث، وبالتالي فإن استفادة العدو الصهيوني من شرائنا البضائع الأمريكية ناتجة عن مدى استفادة الاقتصاد الأمريكي من هذه البضائع، وهذا أمر يحتاج إلى دراسة علمية من قبل أهل الاختصاص، وليس هناك أي مبرر للموازنة بين البضائع الأمريكية – بكل أنواعها – إذ يحرم التعامل بها بناء على هذه الفتوى وبين البضائع الأخرى سواء كانت فرنسية أو المانية أو يابانية أو غيرها لأن التعامل بها يبقى على أصل الإباحة إلا إذا تبين أن هذه الدول تقدم أيضاً مساعدات للعدو الصهيوني، فينتقل أمر بضائعها من الإباحة إلى التحريم، وعند ذلك يبحث في مدى شدة هذا التحريم في ضوء مدى استفادة العدو من مساعدات هذه الدولة أو تلك.
(*) نائب رئيس المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل