; الملتقى التربوي (الحلقة الرابعة)- كيف تتم التربية بالقدوة؟ | مجلة المجتمع

العنوان الملتقى التربوي (الحلقة الرابعة)- كيف تتم التربية بالقدوة؟

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1981

مشاهدات 78

نشر في العدد 517

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 24-فبراير-1981

كيف تتم التربية بالقدوة؟

«وتكون هذه التربية بتعريض الوجدان لخبرات ومشاهد يحس فيها حلاوة الفضائل الأخلاقية، ومرارة الرذائل الأخلاقية، إن الوجدان الأخلاقي ينمو ويتضخم بمختلف الخبرات والمشاهد التي تفجر فيه انفعالات استحسان الفضائل والكمالات الأخلاقية. عند تذوق حلاوتها والشعور بالمسرات التي تحصل بسببها، وتفجر فيه انفعالات استقباح الرذائل والنقائض الأخلاقية عند تذوق مرارتها والشعور بالآلام التي تحصل بسببها» (26).

ونحن نقتطف هنا بعض الزهور من الروضة النبوية، لنرى كيف استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم «القدوة الحسنة» في تربية أصحابه -رضى الله عنهم- كأسلوب متميز عن باقي الأساليب في الدعوة.

قوموا فانحروا..

يتبين في هذا المثال مدى فاعلية التربية الصامتة في تربية الأتباع، ففي صلح الحديبية وبعد أن فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من قضية الكتاب قال للصحابة رضي الله عنهم «قوموا فانحروا، ثم أحلقوا» يقول الراوي: فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمه، فذكر لها ما لقى من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله: أتحب ذلك؟ أخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلق لك، فقام، فخرج، فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه. ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك. قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا» (27).

إنها صفية..

فلا بد للقدوة أن يوضح بعض التصرفات التي يقوم بها للأتباع خاصة تلك التي تحتمل التأويل السيئ، ومثالًا على ذلك، اضطرار الداعية القدوة أحيانًا أن يخفف من صلاة السُنة أو أن يتكلم مع امرأة من محارمه أمام المتربي، فإن لم يوضح للأتباع سبب تلك التصرفات، فإن ذلك يجعل المدعو يطبق تمامًا ما رأى من قدوته ظانًا أن ذلك هو الصواب، فتراه يخفف في صلاة السُنة ولا يتورع عن مكالمة أي امرأة.

ولم تفت على مربي الرعيل الأول صلى الله عليه وسلم أهمية هذا الأمر عندما جاءت صفيه زوج الرسول صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنها «إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنده ساعه ثم قامت تنقلب فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم «على رسلكما (28) إنما هي صفية بنت ميى» فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم. «إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا» (29).

يقول ابن حجر «وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتزاز، ويقول ابن دقيق العيد: «وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدي به فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظن بهم وإن كان لهم فيه مخلص لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثم قال بعض العلماء: ينبغي للحاكم أن يبين للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافيًا نفيًا للتهمة» (30).

أنا النبي لا كذب..

إن مئات الكلمات والمواعظ والخطب الرنانة في الثبات، لا تفعل فعل موقف الرسول صلى الله عليه وسلم في حنين وجنود المسلمين يفرون والأعداء يرشقونهم بالنبل.. أيعظهم بالثبات في مثل هذا الموقف؟ إن الجنود في مثل تلك الحالة من الهلع والخوف لفي أشد الحاجة لموقف من القدوة يرجعهم إلى الجادة التي انحرفوا عنها، فهذا هو العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه شاهد عيان يروي ماذا فعل القائد القدوة في ذلك الموقف الحرج قال «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروه بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة ألا تسرع وأبو سفيان أخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي عباس ناد أصحاب السمرة فقال عباس -وكان رجلًا صيتًا- فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة. (۳۱) وفي رواية ثانية -فنزل واستنصر وقال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب. (۳۲) وماذا كانت نتيجة هذا الموقف من الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة؟ يقول العباس: فوالله لكأن عطفتهم حسن سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا: يالبيك يالبيك». (33).

لم تراعوا..

إن الأمثلة الفذة في تاريخ الإسلام التي ضربها الصحابة ومن تبعهم، رضوان الله عليهم بالإقدام والشجاعة ما هي إلا نتاج تربية القدوة الأولى صلى الله عليه وسلم.. 

عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت. فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعًا وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عرى في عنقه السيف وهو يقول «لم تراعوا، لم تراعوا» (٣٤).

إن المرء ليقف مشدوهًا لهذه الشجاعة النادرة، ينطلق الناس قبل الصوت مجرد سماعهم له، فيجدون القدوة قد سبقهم بل وقد رجع وهم في بداية الانطلاق، إن هذه الدعوة الصامتة للشجاعة هي التي خرجت أعمى كابن أم مكتوم - يصر على الجهاد ويحمل الراية ويقاتل حتى يقتل، وهي التي خرجت أعرجًا -كعمرو بن الجموح- يبكي لأنه أعفى من الجهاد - ثم يطلب بإلحاح مشاركة المجاهدين ويقول «إني لأرجو أن أطأ يعرجتي هذه الجنة» ويقاتل حتى يقتل، ونماذج لا غيرها لا تستطيع حصرها..

كرهت أن يحبسني..

وها هم الصحابة رضوان الله عليهم يرون قدوتهم، يطبق ما يقول فيرون ترجمة عملية للأقوال تؤكد المعاني الذي يريد الرسول صلى الله عليه وسلم تربيتهم عليها. روى البخاري في صحيحه عن عقبة قال «صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر، فسلم، ثم قام مسرعًا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه. ففزع الناس من سرعته فخرج عليهم فرأی أنهم عجبوا من سرعته فقال: ذكرت شيئًا من تبر (35) عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته». (36).

ترى هل كان التأثير هو ذاته لو اكتفى الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوتهم للإنفاق دون رؤيتهم هذا الاهتمام والتخطي للرقاب بعد الصلوات لمجرد تذكره لقليل من الذهب كان عنده؟؟

ينزغ الشيطان في نفوس بعض المربين أن الإنفاق أمام المتربي من الرياء فيحجم عن أصل من أصول العملية التربوية وبالتالي يتفاجأ هذا الأخ بظهور علامات من الشح على من يربيهم مع أنه أعطاهم دروسًا كثيرة حول الإنفاق، وينسى «حقيقة» وهي - هل رأوا واقعًا عمليًا للإنفاق من مربيهم؟.. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل