; قرأنا لك من كتاب: منهج التربية الإسلامية لمحمد قطب | مجلة المجتمع

العنوان قرأنا لك من كتاب: منهج التربية الإسلامية لمحمد قطب

الكاتب أبو أسامة

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1974

مشاهدات 94

نشر في العدد 220

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 01-أكتوبر-1974

الحلقة الثانية والأخيرة تعرضنا في الحلقة الأولى للخطوط المتقابلة في النفس الإنسانية من هذا الكتاب التربوي، مع شيء من التلخيص والتعريف على قدر الإمكان، مع رعاية القاعدة المعروفة عند الكتاب وهـي تجنب: «الإطناب الممل والإيجاز المخل». ثم توقفنا عند وسائل التربية، على أمل العودة إليها في هذا الأسبوع إن شاء الله، وإن كنا قد أشرنا إلى هذه الوسائل في شيء من الإجمال، غير إننا الآن سوف نعرض لهذه الوسائل بشيء من التوضيح والبيان. والله المستعان. 1- التربية بالقدوة: القدوة في التربية هي أفضــــل الوسائل جميعًا وأقربها إلى النجاح، ومن هنا قال بعض الصالحين: إن عمل رجل في ألف رجل «أفضل من قول ألف رجل في رجل». من السهل تأليف كتاب في التربية أو منهج للتعليم، ولكن ذلك يظل حبرًا على ورق، ما لم يتحول ذلك كله إلى تطبيق، وهو السلوك الملموس في دنيا الناس. لذلك بعث الرسول صلى اللـه عليه وسلم ليكون قدوة للناس: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ﴾. ولما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي اللـه عنها عن خلقه صلى اللـه عليـه وسلم، قالت: «كان خلقه القرآن»، ومن أجل ذلك كان يقول صلى اللـه عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم» ويقول: «صلوا كما رأيتموني أصلي»... إلى آخر ما جاء في هذا الصدد من نصوص. لقد عرف العلـــم أخيرًا أن المادة عبارة عن طاقة، وأن الطاقة تتحــــول إلى إشعاع، ولكن الروح البشريـــة ببداهتها منذ آماد السنين، أدركت أن الإنسان طاقة، وأن الطاقة تتحول إلى إشعاع، بمعنى تتحول إلى نور: غير إنها لم تدرك هذه الحقيقة على تمامها، حتى رأت الرسول صلى اللـه عليــه وسلـــم طاقة من النور الشفيق، بعثها اللـه لتنير للناس على الأرض السبيل، وصدق الله إذ يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا﴾ (الأحزاب: 45 - 46)، ويقول عز وجل: ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ﴾ (المائدة: 15)... إذن لا بد للطفل من قدوة في أسرته، ولا بد للتلميذ من قدوة في مدرسته، ولا بد للمواطن من قدوة في مجتمعه، ومن هنا يقيم الإسلام منهجه التربوي على أنه هو الذي يسير دفة الأمور فـــي الحياة، ومن أجل ذلك كل إنسان في أي مستوى من المستويات، مسؤول عن المكان والبيئة التي يكون فيها، كما جاء في الحديث: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته...» إلى آخر الحديث. 2- التربية بالموعظة: في النفس الإنسانية استعـــــداد للتأثر بما يلقى إليها من كلام، طيـب كان أو غير طيب، وهو استعداد مؤقت يلزمه التكرار، وذلك لنسيانه الطبيعي الذي لا فكاك للإنسان منه، ومن هنا جاء قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرۡ﴾.  والموعظة نوعان: الأول هو ما كان من القلب وصل القلب، وما كان صادرًا عن نية طيبة جاءت النتيجة طيبة، كما في المبعوثين أو المندوبين للصلح بين الزوجين، فقد شرط اللـه فيهما شرطًا، فإن تحقق كانت ثماره طيبة ونتائجه حميدة، فقال سبحانه: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.  (النساء: 35). الثاني: هو ما كان من اللسان لا يتجاوز الآذان، لأن الإنسان عندئذ لا يكون عالمًا بالمعنى الحقيقي للعلم، وإنما يكون رجل حرفة كالنجار والبناء، وما شابه ذلك من حرف ومهن وأعمـــال. العلم نور، ونور الله لا يهدي لعــاص، وقد وضح الحق سبحانه أن اتخاذه للناس كأئمة للإســــلام والمسلمين، لا يكون إلا عن تجربة كبيرة كالصبر والقصد، حتى إنــــه قال: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24).. وقال عز وجل: ﴿وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ﴾.. إلى أن قال ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: 73). إذن فالموعظة قد تكون ذات أثر بالغ في النفس إن توفرت فيها تلك الشروط، وهي التي أرادها الإسلام كوسيلة للتربية في شتى المجالات. وعلى هذا فقد لا يسرق الوالد، ومع ذلك يجنح الولد للسرقة، وذلك لا يكون إلا بدافع من الأطفــال. وكذلــــك الكذب وكذلك الاعتداء إلى آخر هذه المعايب والمقالب، إذن لا بد حينئذ من الموعظة ترد الطفل إلى صوابه، وكذلك الإنسان في حاجة دائمة إلى التذكير، ومن أجل ذلك أرسل الله الرسل. وإن المتتبع لنصوص الإســـــلام، يجد سندًا كبيرًا لهذه الوسيلة: وسيلة الوعظ والإرشاد، كموعظة نعمان لابنه وموعظة الحق سبحانه للأبناء نحـو والديهم، وللناس نحو أماناتهم... إلى آخر ما جاء من نصوص. 3- التربية بالعقوبة: التربية بالعقوبة يكملها ويقابلها التربية بالمثوبة، وهكذا اقتضت حكمة الله سبحانه، حتى إنه قص علينا من أخبار ذي القرنين، أنه من ظلم لا بد من عقابه، وأما من أحسن فلا بد من استحسان فعله. وقد اقتضت حكمة الإسلام أن يتبع في منهجه التربوي جميع الوسائل: فهو مرة يهدد بعدم الرضا، ومرة يهدد بغضب اللـه كما جاء في حديث الإفك، ومرة يهدد بحرب اللـه ورسوله كآية الربا، ومرة يهدد بعقاب الآخرة كآية القاتل... إلى آخر الآيات، ثم في النهاية يهدد بالعقاب كآيات الزنا والقصاص والحدود، وما شابه ذلك من آيات. درجات متفاوتة في العقاب، تتمشى تمامًا مع تفاوت الناس في الطباع والاتجاه، ومن أجل ذلك كانت التعازير ضرورة لحياة الإنسان، فمن الناس من تكفيه الإشارة، ومنهم من لا يرده إلا الغضب الصريح، ومنهم من يكفيه التهديد... ومنهم ومنهم: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ ﴾. 4- التربية بالقصة: في القصة سحر وفيها استيـــلاء واستهواء، وذلك لعدة أمور منها: أهو انبعاث الخيال حين يتابع أحداث ومشاهد القصة؟ ب- أم هو المشاركة الوجدانية لأشخـــاص وأحداث القصة؟ جـ- أم هو أنفعال النفس بالمواقف والأحداث؟... إلخ. على كلٍ فسحر القصة قديم قدم البشرية، وسيظل معها حتى يرث الله الأرض ومن عليها. والإسلام نظرًا لأنه من قبل خالق النفوس، يعلم مسبقًا هذا الميل الفطري إلى القصة، فاستغلها غاية الاستغلال للتربية والتقويم، حتى إنه استخدم فيها كل أنواع القصة: كالتاريخي والواقعي والتمثيلي، وما شابه ذلك من ضروب الإصـــلاح . أ - فمن النوع الأول: كل قصص الأنبياء وقصص أقوامهم، سواء كانوا مكذبين أو مصدقين. ب- ومن النوع الثاني: قصة ابن آدم، فهو واقع ملموس حتى في دنيـــا الناس. ج- ومن النوع الثالث: قصة أصحاب الجنتين التـــي في سورة الكهف، التي لا تمثل واقعة ولا تمثل فترة بذاتها، وإنما هي ترمز لداء اجتماعي موجود في كل جيل وقبيل، ولذا فيمكن وقوعها في أية لحظة وفي أي زمان وفي أي مكان. وعلى هذا فهي عامل نشط فــــي التربية، وموصل جيد للنفس، ووسيلة فعالة للتقديم، فهي تربي الــروح وتقوم العقل، وتحفظ الجسم على جميع الخطوط المتقابلة في نفس الإنســــان، وذلك لأنها حافلة بكل أنواع التعبير الفني ومشخصاته، من حوار، إلى سرد، إلى تنغيم موسيقي أخاذ. إن الأدب الإسلامي في القمة يختلف تمامًا عن الآداب البشرية، إذ إنه يعتبر الفترة التي يقع فيها الإنسان، وقوعًا لا يتفق مع كرامة الإنسان، يعتبرها فترة ضعف كحالة آدم عليه الســــلام حين أكل من الشجرة، أو موسى عليه السلام حين وقع منه ما أدى الى وفاة إنسان أو كذا أو كذا... يعتبرها ضعفًا لا يصح الوقوف عندها كثيرًا، لأنها نتيجة إلى استذلال الإنسان وانتكاسه، ولكن الآداب البشرية تعتبر فترة الضعف في القصة هي محــــــور الدائرة أو عمود المبنى، تقف عند هذه الفترة طويلًا لتقول: هي اللحظة التي حقق الإنسان فيها كيانه تمامًا، كمـــا تفعل عند كل مشهد جنسي فاضح، لأن مصدر هذه الآداب هي أساطــــــير اليونان، التي تصور صراع الإنسان مع الآلهة، وتغلب الإنسان تارة ورسوب الآلهة تارة، وكثيرًا ما أنزل الله به من سلطان: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡ‍ٔٗا﴾. 5- التربية بتفريغ الطاقة: من وسائل الإسلام أيضا في تربية النفوس، تفريغ الطاقة المنجمة في نفس وجسم وجميع ملكـــات وأجهــــزة الإنسان، أولًا بأول، بحيث لا تختــــزن أكثر من اللازم، لأن الاختزان أكثر مما ينبغي عملية مضرة بكيان الإنسان. ومن أمثلة ذلك ما يلجأ إليه الإسلام من تفريغ طاقة الكره والحب، فلا يدعها تكره ما تشاء وتحب ما تشاء، وإنمــا جعل لها ضوابط في الحب والكره، كحب اللـه ورسوله وكل ما يتصل بذلك من قريب أو بعيد. وكره الشيطــــان والنفس الأمارة، والغرائز المنحرفة والدوافع المسفة، وكل ما يتصل بذلك من قريب أو بعيد. وفي الأثر: «هل الإيمان إلا الحب والكره؟». وعلى هذا قس ساتر الطاقات في الإنسان، فإن الإســـــلام لـــم يأت لیصادرها أو يكبتها، وإنما جاء ليضع لها المصبات الطبيعية، بحيث لا يتركها تصب حيث شاءت أو حيث شاء لهـــا الهوى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ﴾. 6- ملء الفراغ: شاءت حكمة الله في التربية أنـــه يفرغ الطاقة البشرية في مصباتـــها الطبيعية، فإنه في الوقت ذاته يكــره الفراغ أيما كره. ومن هنا كانت النصوص الآمــــرة باغتنام الفراغ قبل الشغل، وبالشباب قبل الكبر، حتى إن الإنسان يــــوم القيامة لا تزول قدماه حتى يسأل عن أربع: العمر والشباب والمال والعلم وصدق الله إذ يقول ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾؟ (الملك: 14). 7- التربية بالأحداث: لا شك أن الحياة أشبه ما تكــــون بالمعترك البشري، فالإنسان يعيش طيلة حياته كادحًا، ولا تمر عليه فترة من عمره إلا وهو في كد، بل أكثر من ذلك، إن الإنسان مأمور أن يبدأ بعمل جديد إذا ما انتهى من آخر. وإن الله قد عاب على أناس لا يعبأون بمـــا يمر أمامهم من أحداث، ولا يعتبرون بها فقال: ﴿وَكَأَيِّن مِّنۡ ءَايَةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يَمُرُّونَ عَلَيۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ﴾ (يوسف: 105). وذلك لأن الأحداث كوسيلة للتربية، من أنجع الوسائل لتقويم الإنسان، ومن هنا كانت الأحداث في العهد المكي، أكثر بكثير من العهد المدني شدة وصلابة، لأن الأمر كان يقتدي الانخلاع الكلي من هذا المجتمع: عقائديًا وفكريًا واجتماعيًا وخلقيًا... إلخ. إن النفوس في العهد المكي كانت في حاجة إلى تقويم كبير، بخلاف المدينة فقد كانوا في المدينة مؤمنين، كــل ما عليهم أن ينفذوا الأوامر ويجتنبوا النواهي، لذا كانت التربية في مكـــة تحتاج إلى أسلوب غير الذي كان في المدينة. لقد كان الرجل يكاد يقتل ولا يقال سوی: «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة»، ولكن المرأة في المدينة حين اعتدي على كرامتها، كان ثمن ذلك أن نكل بالحي كله، لأن الهدف في مكة كان بناء عقيدة، أما هنا في المدينة كان بناء دولة، فلا بد من رعاية حرماتها وعدم المساس بأفرادها. 8- ثمرة هذه التربية والآن وقد انتهينا من وسائل التربية كما تعرض لها الكاتب، فهو ينتهى إلى ثمرة هذه التربية، وهـــي لا تكون إلا المجتمع المسلم فردًا وبيتًا، ومجتمعًا ووطنًا وأمة، حتى تحقق فينا أننا كنا خير أمة أخرجت الناس، بل ولا زلنا إن شاء اللـه خير أمة، إذا حفظنا الله في أمره ونهيه، وإذا نصرناه في دينـــه وشرعه، وإذ ما عبدناه بإعطائه كـــل حقه، نكون فعلًا كما قال: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ﴾ (آل عمران: 110).
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 41

111

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

مع القراء (41)

نشر في العدد 96

113

الثلاثاء 18-أبريل-1972

من المسؤول عن هذه الفوضى؟