العنوان المناظرة
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر السبت 18-فبراير-1989
مشاهدات 80
نشر في العدد 905
نشر في الصفحة 65
السبت 18-فبراير-1989
أثار بعض الناس الشبه على مناظرات الشيخ أحمد ديدات؛ ظانين أن أسلوب المناظرة والمجادلة غير مألوف، وأخذوا يهزلون بالشريعة وأهلها من الفصحاء والفقهاء والمحتسبين والعلماء الصالحين، كهذا الذي تصدى لأهل الكتاب بإقامة الحجة وبيان المحجة، وقام لأعداء الملة الإسلامية يرد شبهاتهم، ويدحض افتراءاتهم، وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ (سورة البقرة: 258) فهذه الآية تدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (سورة البقرة: 111) ﴿إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَٰذَا ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة يونس: 68)، وقد وصف القرآن الكريم خصومة إبراهيم -عليه السلام- قومه، ورده عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة الأنبياء وغيرها، وقال في قصة نوح -عليه السلام-: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ (سورة هود: 32) الآيات إلى قوله: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ (سورة هود: 35) وكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي.
فهو كله تعليم من الله -عز وجل- السؤال والجواب والمجادلة في الدين؛ لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل، إلا بظهور حجة الحق، ودحض حجة الباطل.
وجادل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل الكتاب وبأهلهم بعد الحجة، وتحاج آدم وموسى فغلبه آدم بالحجة، وتجادل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم السقيفة، وتدافعوا، وتقرروا، وتناظروا حتى ظهر الحق في أهله، وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر في الردة، ومناظرة علي بن أبي طالب للذين ألهوه، ومناظرة ابن عباس للخوارج الحرورية حتى رد أكثرهم للحق، ومناظرة الإمام أحمد للمعتزلة الذين قالوا بخلق القرآن، ومناظرة ابن تيمية للبطائحية من الصوفية الغلاة إلى غير ذلك مما یکثر إیراده.
وفي قوله -عز وجل-: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾ (سورة آل عمران: 66) دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر، القرطبي 3/286، قال المزني صاحب الشافعي: (ومن حق المناظرة أن يراد بها الله -عز وجل- وأن يقبل منها ما تبين).
وفي الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظر على من لا تحقيق عنده، وقد ورد الأمر بالجدال لمن علم وأيقن فقال -تعالى-: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ﴾ (سورة النحل: 125)، وقد جاء للنبي -صلى الله عليه وسلم- رجل أنكر ولده فقال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال : ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم، قال: فمن أين ذلك؟ قال: لعل عرقًا نزعه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: وهذا الغلام لعل عرقًا نزعه)، وهذا حقيقة الجدال ونهايته في تبيين الاستدلال من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القرطبي 4/108.
وقال -تعالى- ﴿لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة العنكبوت: ٤٦).
قال مجاهد: هي محكمة فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، على معنى الدعاء لهم إلى الله -عز وجل- والتنبيه على حججه وآياته؛ رجاء إجابتهم إلى الإيمان لا عن طريق الإغلاظ والمخاشنة، إلا الذين نصبوا الحرب فجدالهم بالسيف حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية وهم صاغرون القرطبي 13/350.
فالنصارى ضالون عن الحق، مبعدون عنه، لم يبق في كتابهم الذي تناسخ واضمحل من الحق شيء، قال ابن القيم في إغاثة اللهفان ٢/266 لما أخذ دين المسيح -عليه السلام- في التغيير والفساد اجتمعت النصاري عدة مجامع تزيد على ثمانين مجمعًا، ثم يتفرقون على الاختلاف والتلاعن، يلعن بعضهم بعضًا، حتى قال فيهم بعض العقلاء: (لو اجتمع عشرة من النصارى يتكلمون في حقيقة ما هم عليه لتفرقوا عن أحد عشر مذهبًا) أ. هـ.
ولذلك ألف لرد النصارى إلى الحق الكثير من أهل العلم، مثل: كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لشيخ الإسلام بن تيمية، والكتاب الجليل إظهار الحق للعلامة -رحمه الله- الكيرانوي الهندي، وضعوا فيها للحق إعلامًا لا تشتبه، وبنوا له منارًا لا ينهدم، وضمنوها من الحجج النيرة والبراهين الساطعة والشواهد الصادقة، ودحضوا به الباطل، وأقاموا بناء الحق، ولا يزال هذا الدين منصورًا بمن يقيضهم الله للذب عنه، والدفاع عن حرماته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل