; المنتدى الفكري للمجتمع مع المستشرق الأمريكي البروفيسور جون إسبوسيتو | مجلة المجتمع

العنوان المنتدى الفكري للمجتمع مع المستشرق الأمريكي البروفيسور جون إسبوسيتو

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-1983

مشاهدات 55

نشر في العدد 604

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 18-يناير-1983

  • بدأ الاهتمام الغربي بالإسلام من تاريخ حظر النفط العربي ١٩٧٣م.

  • الأغلبية من الأمريكان ينطلقون في فهمهم للإسلام إما من جهل تام بالإسلام أو من معلومات خاطئة. 

هذه الجلسة الثانية للمنتدى الفكري لمجلة «المجتمع» وفيها عقدت ندوة حوار مع المستشرق الأمريكي الأستاذ الدكتور جون إسبوسيتو رئيس قسم الدراسات الدينية بجامعة ماسوشيوست الأمريكية.

وقد كان عنوان الندوة «موقف الغرب من الإسلام اليوم» ودار الحوار في هذه الندوة حول المضامين الآتية:

- الأزمة بين الغرب والإسلام.

- الدراسات الإسلامية في الولايات المتحدة.

- موقف الغرب من الإسلام السلفي والإسلام التقليدي.

- موقف الغرب من قضايا المسلمين.

- موقف الغرب من الحركات والتنظيمات الإسلامية.

وقد دعت مجلة «المجتمع» نخبة مختارة من مثقفي الكويت ومن المهتمين بالقضية الإسلامية، وفي هذا الحوار تحاول مجلة «المجتمع» أن تعكس من خلال مفكر غربي نظرة الغرب إلى الإسلام.

بدأ البروفسور إسبوسيتو الحديث حول الموضوع الغرب والإسلام اليوم بهذه المقدمة:

هناك اهتمام جديد برز على الساحة الأمريكية -والغربية عمومًا- وهو الاهتمام بالإسلام، وأسباب هذا الاهتمام هي أسباب عملية وواقعية سواء أكانت أسبابًا سياسية أم أسبابًا اقتصادية.. وقد بدأ هذا الاهتمام بالحظر العربي للنفط عام ۱۹۷۳ أو آخر الأحداث التي زادت من درجة هذا الاهتمام هو الثورة الإيرانية.. لذلك فإنني أقول إن الاهتمام بالإسلام جاء لأسباب عملية وواقعية ولم يكن لأسباب فكرية أو ثقافية.. والشعب الأمريكي سواء على المستوى الشعبي الجماهيري أو على مستوى المحللين الأكاديميين والسياسيين -لم يكن مستعدًا لاستيعاب هذه الظاهرة الدينية. والتحليل الذي كان سائدًا لهذه الظاهرة هو التحليل أو الفهم الغربي التقليدي وهو أن الإسلام مجرد تقليد ديني وهو معتقد شعوب العالم الإسلامي كما أنه عائق للتغيير والتقدم.

ويجب ألا يعطى أهمية كبيرة وألا يوضع في الاعتبار عند صياغة المعادلات السياسية...

وقبل فترة دعتني محطة «سي بي إس» الأمريكية لأكون ضيفًا في برنامج تلفزيوني عن الإسلام، وكنت مسرورًا في أن البرنامج لن يكون عن الثورة الإيرانية لأنها قضية شعبية حساسة، ولكنني خلال البرنامج فوجئت بأنه كان كله عن الثورة الإيرانية، وأقول بصراحة إنني خيبت أمل المذيع عندما حاولت أن أعطي وجهة نظر صحيحة لفهم الثورة الإيرانية وكنت  في كلامي مؤيدًا للثورة ولآية الله الخميني وكنت أحاول أن أصد أي شجب للثورة أو أي تشكيك في الخميني.

والاهتمام بالإسلام في أمريكا بعد الثورة الإيرانية اختلط بأمور كثيرة وذلك لأن الممارسات على الساحة الإيرانية بعد نجاح الثورة، وكذلك الممارسات على الساحة المصرية والتي انتهت باغتيال السادات.. خلقت وضعًا معقدًا للغاية يصعب فهمه. مع أنها رفعت من درجة اهتمام الناس بالإسلام وبدأ الجميع يكتب عن الإسلام، وبدأت البرامج والأفلام تنتج لفهم الإسلام ومهمة الإسلام في العالم اليوم. وصاحب هذا الاهتمام ظهور مواد إعلامية عن الإسلام، ولكن المشكلة التي ظهرت مع هذه الظاهرة هي مشكلة تفسير وفهم هذه المواد الإعلامية، وهي مشكلة خطيرة جدًا، وهذه ليس سببها فقط محللي السياسة وغيرهم، وهل هؤلاء يفهمون هذا الجزء من العالم.. أم هم اختصاصيون أو خبراء في الشؤون السعودية... فمع ظهور البعث الإسلامي وعقد مؤتمرات كثيرة ظهر بعض علماء السياسة الذين لم يدرسوا الإسلام من قبل.. يتكلمون عن الإسلام في بعض المؤتمرات، وأصبح الخبير بالشؤون السعودية مثلًا خبيرًا في الشؤون الإسلامية كذلك.. ويتكلمون عنه بطريقة بدائية وسطحية لقلة معلوماتهم عن الإسلام. وهنا أيضًا مشكلة كبيرة لرجل غير مسلم مثلي عندما يحاول أن يعرض الإسلام بطريقة جيدة وواضحة وأكثر من ذلك بطريقة تحد من أثر نزعة الناس هناك الذين يتلمسون السلبيات لأنها تلائم الصورة المشوهة للإسلام في أذهانهم.. ولذلك يسألني بعض تلاميذي لماذا تدرس الإسلام؟! ولماذا تتكلم عنه بهذه الإيجابية في حين ترى في ذلك البلد ماذا يفعل بعض الناس باسم الإسلام.

ولذلك يحاول المرء أن يفهمهم بأن هذه التصرفات السلبية من قبل بعض الأفراد لا تمثل الإسلام.. وإنما تمثل من يفعلها فقط... والقضية هنا ليست فقط قضية التشويه المتعمد للإسلام، ولكن أيضًا الجهل التام بالإسلام له دوره في الفهم الخاطئ.

ولذلك عندما أحاول أن أدرس الإسلام بطريقتي الخاصة يستنتج بعض الطلاب أنني مؤيد للإسلام ومعارض لأمريكا، كما أن بعضهم قد يستنتج أنني مسلم. إنهم لم يستطيعوا أن يكتشفوا أن هناك كثيرًا من العناصر الإيجابية في الإسلام.. وذلك لأنهم غير مهتمين بالإسلام نظرًا لعدم توفر الأسباب العملية الواقعية للاهتمام به قبل سنوات، ولكننا اليوم عندنا فرصة في أمريكا لفهم الإسلام.. نظرًا لبروز الأسباب العملية للاهتمام به من قبل الشعب الأمريكي.. وأنا أعترف أن الأغلبية من الأمريكان ينطلقون في فهمهم للإسلام.. إما من جهل تام بالإسلام أو من معلومات خاطئة.

س المجتمع: دعنا الآن ننتقل من التعميم إلى التخصيص، لماذا يخطئ الإنسان الغربي أو الأمريكي فهم الإسلام؟!

ج: لأن الأمريكي لم يتعلم أي شيء تقريبًا عن الإسلام في مناهج التعليم والكتب الدراسية... إما أنها لا تحتوي على أي شيء عن الإسلام، أو أنها إذا احتوت عنه شيئًا فإنه يكون بصورة محرفة.

س: د. رشيد العميري: إذا كان هنالك تحريف أو تشويه عند عرض الإسلام فلا بد أن يكون هذا التحريف متعمدًا!!

ج: هناك تحريفات متعمدة، نعم، ولكن هناك أيضًا تحريف بسبب الجهل بالإسلام.

س: دكتور رشيد: من الذي يقف خلف هذا التشويه المتعمد للإسلام باعتقادك؟

ج: هناك أسباب عديدة لهذا التشويه، وقد يكون بعضها متعمدًا، ولكن بعضها الآخر يقع دون قصد.. وبسبب قناعات سابقة معينة... وهذه صعبة التغيير. وأعطيك مثالًا لذلك.. ظهر منذ فترة برنامج تلفزيوني في أمريكا عن الملكة «نور» ملكة الأردن.. أحد الضيوف بالبرنامج قال: إن المسلمين يصلون خمس مرات باليوم للرسول محمد.. وهناك عبارة أخرى ذكرت بالبرنامج وهي أن الملكة «نور» أبرز شخصية غربية أثرت على الشرق الأوسط بعد لورنس العرب.. وأنا أعتقد أن عبارات مثل هذه تدل على الجهل فقط.

الدكتور رشيد العميري: مرة أخرى أعتقد أن هناك فئة معينة تقف وراء هذا التشويه المتعمد فمن هي هذه الفئة؟!

بروفسور إسبوسيتو: أقول إن البعض قد يشوه عن غير قصد لاختلاط العاطفة بالعقل عند الحكم على بعض الأمور.. نعم هناك من يتعمد التشويه وأروي لك قصة تدل على ذلك... منذ سنتين ظهر مقالان في صحيفة «وول ستريت» الأمريكية وكان المقالان يهاجمان الإسلام.. فقررت الرد عليهما فكتبت مقالة أرد فيها على ما جاء بالمقالين.. والمقالان كانا عبارة عن طبعة جديدة لمقال كُتب في إحدى الصحف اللندنية واحتوت على أحكام غاية في الغباء عن الإسلام مثل: إن القيم والتقاليد الغربية تؤدي إلى جدية في العمل وإلى التطور ولكن التقاليد الإسلامية تؤدي إلى الكسل والإهمال وما إلى ذلك وهذا تشويه واضح.. كما أن أحد المقالين ذكر فيه أن مثالنا -مثال الغربيين- في ذلك هو جلادستون الذي كان القرآن بجانبه دائمًا لأنه من المهم أن نعرف أعداءنا.. هذا نوع من التشويه المتعمد.. وجدير بالذكر أن مقالتي التي رددت فيها على ما جاء في المقالين لم تنشر في الجريدة رغم أن رئيس تحريرها هو خريج نفس الجامعة التي أدرس بها.

تعليق:

أ. طحان: أعتقد أن أقوى العوامل الدافعة للتشويه المتعمد للإسلام هو الكراهية الداخلية التي يحملها الغرب تجاه الإسلام من واقع خلفيته المسيحية وأعتقد أن الغالبية من الغربيين يتعمدون تشويه الإسلام، وأعتقد أن الاهتمام المتزايد بالإسلام ودراسة الإسلام هو بسبب الرغبة في محاربة الإسلام. كما أنه باعتقادي أن المسيحية أرادت توظيف اليهودية في محاربة الإسلام حتى تسيطر هي في النهاية.

لكن ما حدث هو أن سيطرت اليهودية سياسيًا في النهاية وهو ما نراه واضحًا اليوم.

س. المجتمع: نحن كمسلمين نعتقد أن ديننا هو دين شمولي متكامل مع كل قضايا الإنسان، كما أنه دين عالمي ودين خالد صالح لكل زمان ومكان ولذلك فإننا نتوقع أن يسود الإسلام العالم.. ولكننا نرى أن هناك عوائق اصطناعية خلقت بين الإسلام وبين الإنسان الغربي.. وفي اعتقادنا أن هناك عدة عوامل ساعدت في صنع هذا الحاجز وهي قوى الضغط الصهيونية في الغرب والتي تتمتع بتأثير سياسي وإعلامي قوي وهذه قوى عدوة تكره الإسلام وتحاربه.. كما أن هناك تاريخًا طويلًا من الصراع بين الإسلام والمسيحية، ولذلك فإن بقايا الصليبية لا زالت موجودة في الغرب ولها دورها في صنع هذا الحافز.. وهناك عامل أخير هو أن أمريكا هي الوريث الطبيعي للاستعمار الأوروبي وبما أن الأرض الإسلامية هي أخصب الأراضي للاستعمار.. لذلك فإن دراسة الإسلام والاهتمام به هي لأسباب استعمارية بحتة. فما رأيك في ذلك؟

ج: لا شك أنه على المستوى الأكاديمي هناك تأثير صهيوني قوي.. ولا شك أن بعضنا يعاني من ضغط التيار الصهيوني عليه والذي قد يأخذ أشكالًا عدة مثل التهديد والمكالمات الهاتفية وغير ذلك.

وهناك قضية أخرى تساهم في هذا التشويه وهي أن كثيرًا من الكتاب في الصحف ووسائل الإعلام، والذين ليس لهم أي خبرة في شؤون الشرق الأوسط لا يتحرجون في الكتابة أو الكلام عن الشرق الأوسط وذلك لأن لهم رغبات معينة واهتمامات شخصية بهذه المنطقة.

لي زميل متخصص في «مونتين» الفيلسوف فرنسي، ولكننا دعينا أنا وهو كضيوف لبرامج إعلامية عن الشرق الأوسط وكان يتكلم هو كخبير في شؤون الشرق الأوسط.

وأود أن أورد ملاحظة وهي رأي لإحدى الجمعيات الأمريكية المؤيدة للعرب، ورأيهم أن قوى الضغط الصهيونية اليوم في أمريكا هي أضعف من قبل بكثير، لأن مؤيديهم من الجمهور الأمريكي قلوا بشكل كبير.. لأن الأمريكان الذين تعرفوا على الشرق الأوسط أو عملوا فيه علموا حقائق غيرت موقفهم تجاه دعم قوى الضغط الصهيونية، ولا شك أن المذابح الفلسطينية الأخيرة في لبنان قد غيرت من موقف كثير من الناس بشكل واضح.. مع أنني لا أنكر حقيقة أنه لا زال هناك تيار ضغط صهيوني منظم بدرجة عالية.. وهذه حقيقة واضحة تتجلى عندما يأتي أحد المسؤولين "الإسرائيليين" إلى الولايات المتحدة ويصرح علنًا بأنه على الرغم من عدم موافقة الرئيس الأمريكي على بعض المطالب "الإسرائيلية" فإنه سيذهب إلى الكونغرس ليحصل على هذه المطالب.

أما فيما يتعلق بالروح المسيحية الصليبية في الغرب اليوم فإنني أعتقد أن الغرب اليوم يحمل صبغة الاستعمار الجديد أكثر من صبغة المسيحية.. وهذا ما يعترف به بعض المسلمين الذين أتحدث معهم أحيانًا فيقولون: إن المسيحية قد ماتت في الغرب.. ولذلك فإنه من المعقول أن نتكلم عن الاستعمار الغربي الجديد أو الأهداف الاستعمارية الغربية الجديدة وكمنازع للإسلام ولا أعتقد أن النزاع اليوم هو نزاع بين المسيحية الغربية والإسلام وذلك لعدة أسباب منها أن الغرب تهيمن عليه العقلية العلمانية اليوم وأن المسيحية اليوم غير منظمة تنظيمًا جيدًا.

س: أ. طحان: آسف لأنني لا أتفق معك في هذه النقطة.. لقد كنت في الهند السنة الماضية، وفي أحد المطارات حيث اضطررت للانتظار ساعات.. قابلت مجموعة من المبشرين المسيحيين.. وحدثوني عن خطتهم في جنوب الهند، وقد دهشت عندما علمت منهم أن في جنوب الهند مقاطعات كاملة أغلبها من النصارى حيث اعتنق كثير من الهنود المسيحية بعد أن كانوا هندوسًا، ولذلك فإنني أقول إن المسيحية منظمة جدًا.. ومنظمة بصورة واسعة ورهيبة.. كما أنني لا أعتقد أن النزاع بين الشرق والغرب هو نزاع مبني على الأسباب الاستعمارية المادية ولكنه نزاع عقائدي بين المسيحية والإسلام في المكان الأول.

أخيرًا.. أنا لا أعتقد أن الغرب اليوم يهتم بالإسلام لأنه دين شامل ودين إنساني.. الغرب يهتم بالإسلام ليفتش عن نقاط الضعف فيه ولأنه يهدف في النهاية إلى تحطيم الإسلام.

جـ: أريد أولًا أن أعلق على ما ورد عن المسيحية في جنوب الهند... نعم هذا صحيح فلقد زرت جنوب الهند ورأيت أن المسيحية منتشرة بشكل كبير ويدل على هذا كثرة الكنائس هناك... أنا لا أنكر أن هناك نشاطًا تبشيريًا قويًا للمسيحية في الهند والشرق الأوسط وأفريقيا..

وأود أن أذكر هنا أن هناك جدلًا قائمًا في الأوساط المسيحية في السنوات العشر الماضية... فهناك من المبشرين من يعتقد أنه من الواجب عليهم أن يقدموا خدمات لضعفاء الناس.... ولذلك عندما حاور الأستاذ إسماعيل الفاروقي ممثلي الفاتيكان في ندوة طرابلس قال لهم: إن المبرر الوحيد لتواجد المبشرين في العالم الإسلامي هو تقديم خدمات إنسانية، وأنه إذا كانت أهدافهم تبشيرية وليست إنسانية فإن عليهم الخروج من العالم الإسلامي... وهذا الجدل لا زال قائمًا...

كما أنه لا يزال هناك تعصب مسيحي... فمثلًا مرة من المرات كتبت مقالًا عن الإسلام في مجلة مسيحية تبشيرية، وكان نتيجة ذلك أن ألغي بعض المشتركين في المجلة اشتراكاتهم والسبب أن مقالتي خصص لها مكان بارز في المجلة كما أنها لم تحتو على هجوم على الإسلام، وكانت تتكلم عنه بإيجابية.

أما فيما يتعلق بالمواجهة مع الغرب.. فكما أن هناك صيحات تنادي بعالمية الإسلام ووجوب نشره في العالم... علينا أن نتذكر أن المسيحية أيضًا تشتمل على هذه الدعوة... دعوة عالمية المسيحية وخصوصًا الكاثوليكية وهذا موقف دفاعي من قبل المسيحية لأنك اذا سألتهم لماذا تنادون بذلك، فأنهم سيقولون أن الذي بدأ هذه المواجهة هم المسلمون... كما أن الكاثوليكية تدعي أيضًا بأنها تحتوي على الحقيقة الكاملة ولها حق الانتشار في العالم.. وهذا الموقف من الجانبين هو الذي يخلق المواجهة بين المسيحية والإسلام... ولذلك فإنه من المهم إذا وقعت هذه المواجهة بين الجانبين استنادًا إلى الادعاء بأنهما دعوتان عالميتان... من المهم جدًا أن لا يكون هناك أي إجبار أو إكراه من أي من الجانبين.

وإلا وقع الصراع الدموي بين الجانبين كما حدث في الماضي... فإذا اعتمد الفريقان على الانطلاق من الماضي وفهم كل منهما للآخر على طريقته الخاصة، فلا شك أن كلًا من الفريقين سوف ينظر إلى الآخر على أنه عدو خطر.

س: د. بشير العميري: لماذا تعتقد أنه من المهم للأمريكي أن يفهم الإسلام؟!

ج: هذا السؤال وجه لي كثيرًا... أنا أدرس الإسلام في كلية مسيحية وعندما أصبحت برفيسورًا ورئيسًا لقسم الأديان بالكلية كان هناك سؤال يدور في الكلية هو: لماذا نوظف شخصًا متخصصًا بالإسلام ونجعله رئيسًا للقسم في كلية مسيحية تبشيرية!

وجوابي لذلك هو أنني أعتقد أن طلبة الكلية التي أدرس فيها يجب أن يفهموا وأن يتعلموا عن دين عالمي عظيم... لأنني أعتقد أن هناك أشياء كثيرة في الإسلام ممكن أن يستفيد منها الإنسان عمومًا... وهناك تعاليم في القرآن تفيد الإنسان في حياته الروحية.. أيضًا فإنه من المهم جدًا أن نتعرف على ثاني أكثر الأديان انتشارًا في العالم... هذه هي وجهة نظري الشخصية ولكن أيضًا هناك الكثير من الناس يهتمون اليوم بتعلم الإسلام لأسباب سياسية، وهذا أمر واضح.... كما أن بعضهم قد يسأل: أنه إذا كان تعلم الإسلام مهمًا بالنسبة للإنسان الغربي... فلماذا نذهب لعمل ندوات ومحاضرات لأجهزة الحكومة الأمريكية؟ والجواب هو أن واجبنا أن نبصر وأن نثقف الناس عن الإسلام لنفس الأسباب التي ذكرتها سابقًا.. وأيضًا لسبب آخر. هو أنه إذا لم أذهب أنا لأحاضر عن الإسلام لوزارة الخارجية الأمريكية مثلًا فسيذهب شخص آخر قد يعطي معلومات خاطئة عن الإسلام... ولذلك فإنني أرى أنه من واجبي أن أقوم بهذا العمل... وأنا إذا دعيت لأحاضر لوزارة الخارجية الأمريكية أقبل الدعوة ولكنني إذا دعيت لإلقاء محاضرة على وكالة الاستخبارات المركزية فإنني قد لا أقبل هذه الدعوة.. والقضية إذًا هي أنني أعتقد أن لدي معلومات عن الإسلام يجب أن أوصلها لمن يطلبها مني بغض النظر عن غرضه من طلب هذه المعلومات.

س: الدكتور رشيد العميري: إننا نجد كثيرًا من الغربيين يتحدثون عن الإسلام بإعجاب وإيجابية ويهتمون بالإسلام ويعتقدون أنه دين عظيم... فلماذا لا يعتنق هؤلاء الناس الإسلام رغم إعجابهم به؟

ج: من الممكن أن يكون هناك أناس يحبون الإسلام ويعجبون به ويحترمونه ويرون أنه يحتوي على خير كثير... ولكن الحقيقة تبقى في أنهم لسبب ما ليس عندهم القناعة الكاملة في أنه المنهج الأكمل للحياة... ولو كانت عندهم هذه القناعة لقبلوا الإسلام كدين لهم... وهذا سؤال ووجهت به كثيرًا خاصة لأنني تأثرت في كثير من البلاد التي حاضرت فيها بالأستاذ إسماعيل الفاروقي عندما تتلمذت على يديه... ولذلك عندما أحاضر عن الإسلام يسألني بعض الناس بدهشة: أنت تتكلم جيدًا عن الإسلام... فلماذا لم تسلم؟! ويكون جوابي دائمًا أنني أعتقد أنني أفهم الإسلام وأحمل احترامًا كبيرًا للإسلام، بل أحمل حبًا كبيرًا لكثير من تعاليم الإسلام... وإن شاء الله أصبح مسلمًا في يوم من الأيام... ولكنني أيضًا أقول إنه مهما كان إعجابك واحترامك لدين ما مهما كان علمك به فإن الهداية لاعتناق الدين تبقى بيد الله وأنا لم أصل إلى هذه النقطة بعد، ولكنني إذا درست الإسلام أدرس كما لو كنت مسلمًا أي أنني أدرسه من وجهة النظر الإسلامية.

س: المجتمع: من الملاحظ أن وسائل الإعلام الغربية دائمًا تصف الحركات الإسلامية بالأصولية والتطرف والهوس الديني وغير ذلك... نريد أن نعرف وجهة النظر الغربية عن الحركة الإسلامية على المستويين الشعبي- والرسمي الحكومي.

ج: لا شك أنه على المستوى الشعبي دائمًا توصف الحركة الإسلامية بالتطرف... وهذا مصطلح أخذ ينتشر كثيرًا عند الكتابة عن الحركات الإسلامية في الصحافة ووسائل الإعلام كما أن محللي الصحافة والإعلام يستعملون مصطلح «المسلمون المتطرفون» بكثرة.. كما توصف الحركة الوهابية مثلًا بأنها أكثر الحركات الإسلامية تطرفًا... أما مصطلح «الأصولية» فهو مصطلح مسيحي أيضًا ولذلك عند الكلام عن الأصولية الإسلامية يخلط الإنسان الغربي بينها وبين الأصولية المسيحية ويقيس الأصولية الإسلامية على الأصولية المسيحية... والكتّاب في الصحافة والإعلام يقعون في التناقض عندما يصفون الحركة الإسلامية بالتطرف والهوس الديني، وعند الكلام مثلًا عن المجاهدين الأفغان فإنهم يصفونهم بـ«المقاتلين من أجل الحرية» مع أنهم من نفس الحركة الإسلامية.. كما يصفون مجموعة أخرى من الحركة الإسلامية بأنهم «إرهابيون»... 

ولذلك فإن مصطلح «الأصولية الإسلامية» أصبح مظلة لمصطلحات أخرى، دائمًا يربط «بالتطرف» ويدل عليه في الذهنية الغربية. أما على مستوى محللي السياسة والاجتماع فإنك تجد منهم من يستعمل مصطلح الأصولية الإسلامية ومصطلح «المصلحون الإسلاميون».... ومنهم من إذا أراد أن يستعمل مصطلح الأصولية فإنه يميز بين المجموعات الإسلامية من حيث نظرتهم للعالم فقد تكون هناك مجموعتان إسلاميتان كل منهما تدعي أنها حركة أصولية، ولكن إحدى المجموعتين تريد العودة إلى الأصول حتى في الشكليات... أما الأخرى فقد تعني الأصولية عندها «أصولية المبادئ» فقط مع فتح الباب للتغيير والتطور... وهذا فرق في الفهم، كذلك هناك فرق في الأساليب بين المجموعات الإسلامية فمنهم من يصرح علنًا بالدعوة إلى العنف واستعمال القوة أكثر من المجموعات الأخرى وفي مراحل مبكرة من حركتهم.. ولذلك يجب أن يكون الإنسان حذرًا، فلا نسمي كل حركة «بالإخوان المسلمين» مثلًا... وهناك كثيرون في الغرب عندما يتحدثون عن الحركة الإسلامية يصفونها بأنها حركة الإخوان فهم لا يعلمون أن هناك ثلاثين أو أربعين جماعة إسلامية كما أنهم لا يعلمون عن اختلاف حركة الإخوان في السودان بقيادة الترابي عنها في مصر ولذلك فهناك مشكلة في التمييز فعلًا.

بعض محللي السياسة هم بالفعل يفهمون كيفية تناول الحركة الإسلامية.. أما بعض الآخرين وهم ذوو العقلية العلمانية.. فنظرتهم للدين هي نظرة استخفاف ولا اعتبار في المكان الأول... ولكنهم اليوم يأخذون الأمر بجدية بعد أن فرضت الظاهرة الإسلامية نفسها، ومع ذلك فهم يصفونها بأنها حركة متصلبة وعنيدة سياسيًا وأنها ضد التطور والتحديث وإذا حاولت تتبع ما كتب عن ظاهرة البعث الإسلامي فإنك ستجد هذا التناقض واضحًا بين الفريقين.. في بعض المقالات مثلًا وصفت حركة البعث الإسلامي بأنها ناتج من نواتج النفط في المنطقة ستنتهي بانتهائه، وأن ما أعطى حركة البعث الإسلامي هذه الدفعة هو النفط السعودي والليبي... وبعضهم الآخر يصف حركة البعث الإسلامي بأنها ظاهرة أو مشكلة متكررة في العالم الإسلامي وهي انعكاس لحقيقة أن غالبية المجتمع المسلم تتصف بالتقليدية وضحالة التعليم... ولذلك أنا أواجه هذا المنطق دائمًا بذكري لأمثالكم من المثقفين الإسلاميين وأضرب له أمثلة كخورشيد أحمد وحسن الترابي وغيرهم لأقنعهم أن حركة البعث الإسلامي يحملها المثقفون أيضًا.. ومع ثقافتهم ومؤهلاتهم العالية فهم يتبنون الاتجاه الإسلامي....

المجتمع: شكرًا للبروفسور جون إسبوسيتو 

برفسور إسبوسيتو: شكرًا لكم.

الرابط المختصر :