; المواجهة التركية الروسية في سورية | مجلة المجتمع

العنوان المواجهة التركية الروسية في سورية

الكاتب د. سعيد الحاج

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-2016

مشاهدات 51

نشر في العدد 2093

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 01-مارس-2016

المواجهة التركية الروسية في سورية

أنقرة: د. سعيد الحاج

شكّل التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية أواخر سبتمبر الماضي مرحلة جديدة في الأزمة السورية، تُوجّت لاحقاً بأزمة إسقاط أنقرة للمقاتلة الروسية، والتي استثمرتها موسكو في تنفيذ عدة خطوات متسارعة جعلت لها اليد العليا عسكرياً وإستراتيجياً في سورية، في مواجهة المعارضة واللاعبين الدوليين وما بينهما من دول إقليمية داعمة في مقدمتها تركيا.

وهكذا، فإن الأزمة السورية التي بدأت ثورة شعبية ضد نظام ظالم، ثم انتقلت لمستوى الحرب الأهليّة، ثم أصبحت نزاعاً إقليمياً، أضحت اليوم - بعد التدخل الروسي والإجراءات اللاحقة - أزمة دولية بامتياز.

الإستراتيجية الروسية

بعد أشهر طويلة من تدخل إيران المباشر في الأزمة السورية رفقة المليشيات الشيعية، إلى جانب النظام، وفشلهم في تحقيق تقدم واضح له، وسط انتصارات متتالية لفصائل المعارضة السورية على أكثر من جبهة، جاء التدخل العسكري الروسي في سورية على شكل خطوات متتالية ومتدرّجة.

بيد أن هذا التدخل، والذي اتضح لاحقاً أنه تم بناء على اتفاق وُقّع بين موسكو والنظام، تسارعت خُطاه بشكل واضح بعد أزمة المقاتلة التي أسقطتها تركيا لانتهاكها أجواءها بعد تحذير أنقرة المتكرر إثر الاستفزازات الروسية المتلاحقة، فقد نشرت موسكو سريعاً منظومة S400 للدفاعات الصاروخية في سورية، لتشكّل منطقة حظر طيران فعلي تغطي الأجواء السورية، فضلاً عن بناء قواعد عسكرية جديدة، واستقدام عدد كبير من الطائرات وحاملات الطائرات بشكل شبه فوري، مما أعطاها تفوقاً عسكرياً في سورية منذ ذلك اليوم وحتى اللحظة.

وفق عدد من المحللين الإستراتيجيين، فقد بنت روسيا إستراتيجيتها بعد ذلك في سورية على ثلاثة أعمدة:

الأول: حماية حدود «سورية المفيدة»؛ أي الدويلة العلوية على الساحل السوري مع دمشق، ومنع أي تقدم للمعارضة نحوها، وجعلها مركزاً عسكرياً وإستراتيجياً لقواتها.

الثاني: الحيلولة دون أي تقدم كبير أو انتصار ناجز للمعارضة السورية المسلحة في المدن المهمة، وحصرها في عمليات الكر والفر ضمن حدود ضيقة جداً في مناطق غير مهمة إستراتيجياً.

الثالث: معاقبة تركيا عسكرياً - إلى جانب العقوبات الاقتصادية - على إسقاط الطائرة أو حتى من دونها، باعتبارها الداعم الإقليمي الأكبر للمعارضة، من خلال فرض حالة حظر الطيران الفعلي عليها فوق سورية، وقصف المعارضة السورية «المعتدلة» المحسوبة عليها، بذريعة مواجهة «تنظيم الدولة» (داعش)، واستهداف التركمان تحديداً لعلاقاتهم السياسية والتاريخية والثقافية بأنقرة، والاقتراب المتدرج من الحدود التركية عبر السيطرة على جبل التركمان والمناطق المحاذية، ثم محاولة تطويق تركيا من الجنوب بشريط كردي بتقديم الدعم والأسلحة والغطاء الجوي لقوات حماية الشعب (الكردية) في ريف حلب الشمالي تحديداً، وربما استدراجها لاحقاً عبر التهديد الكردي واستنزافها عسكرياً تحت ذريعة الاعتداء على سيادة دولة جارة (باعتبار أن الوجود الروسي «مقنن» بدعوة النظام له).

تراجع الدور التركي

كان قرار إسقاط الطائرة الروسية – إذن - قراراً مفصلياً حدد لاحقاً الدور التركي في سورية، وبغض النظر هل أقدمت أنقرة على هذا القرار مختارة أم مضطرة، بدوافع ذاتية أم بتشجيع أمريكي، فإن هذا الحدث الذي أدى لحالة نشوة عارمة في ساعاته الأولى، نتج عنه خسارتان إستراتيجيتان لتركيا؛ الأولى: أمام روسيا عسكرياً وإستراتيجياً، من خلال ما سبق ذكره من فقدان تركيا لإمكانية التحليق فوق سورية أو ربما قريباً من الحدود، وهو ما أفقدها هامشاً كبيراً من المناورة، فضلاً عن ضعف حيلتها أمام التقدم الكردي نحو مناطق المعارضة واكتفائها بالقصف المدفعي الذي لم يحُل دون سقوط بلدات مهمة وإستراتيجية مثل تل رفعت.

الثانية: أمام الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي سياسياً، حيث اضطرت أنقرة مرة أخرى للالتزام التام بمواقفهما واللجوء لغطائهما السياسي، بعد سنوات من محاولات الخروج عن هذا النسق والتمتع باستقلالية جزئية عنهما في السياسة الخارجية، سيما في ملفات مثل مصر وسورية وفلسطين.

وقد تبلور هذا التراجع في الدور التركي في عدة سياقات، منها العجز عن دعم المعارضة بشكل فاعل ومؤثر أمام تقدم النظام تحت الغطاء الجوي الروسي، ومنها تسليم ملف المعارضة السياسية بشكل شبه كامل للرياض بعد أن كانت أنقرة تتولى معظم تفاصيله خصوصاً بعد التراجع التكتيكي لقطر إثر المصالحة مع السعودية، فضلاً عن تراجع سقفها في الأزمة من ضرورة إسقاط النظام إلى الرضا بالعملية الانتقالية السياسية التي فرضها اتفاق «كيري» – «لافروف» في فيينا.

العامل الكردي

تمايز حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) منذ بداية الثورة عن باقي الفصائل، وانتهج خطاً براجماتياً صرفاً، فتجنب الصدام مع النظام قدر الإمكان، واكتفى بإدارة المناطق ذات الأغلبية الكردية بعد انسحاب قوات النظام منها، فيما بدا وكأنه اتفاق غير معلن بينهما، وأعلن في يناير 2014م إدارة ذاتية فيها.

يسيطر الحزب اليوم عبر ذراعه العسكرية - قوات حماية الشعب - على «كانتونين» كبيرين شمال سورية، أحدهما في الشرق ومركزه عين العرب (كوباني)، والثاني في الغرب ومركزه عفرين، ويرغب وفق إستراتيجيته في ضم المنطقة الواقعة بينهما (يسيطر عليها «تنظيم الدولة» والمعارضة السورية) ليتواصلا جغرافياً، ثم ليمتدا نحو البحر المتوسط كنواة لدويلة أو شريط على طول الحدود التركية - السورية.

وتعتبر أنقرة هذا السيناريو خطاً أحمر من منظور أمنها القومي لعدة اعتبارات، أهمها:

1- العلاقة العضوية بين هذه الفصائل وحزب العمال الكردستاني المصنّف إرهابياً في تركيا، والذي يقود حرباً ضد الدولة التركية منذ عام 1984م، سقط خلالها أكثر من 30 ألف ضحية، فضلاً عن حالة التصعيد التي بدأها في يونيو الماضي وما زالت مستمرة.

2- سيكون أي كيان سياسي يقوده حزب الاتحاد الديمقراطي دولة جوار لتركيا معادية لها في العقيدة السياسية والعلاقات الإقليمية، في فترة بالغة التعقيد وسريعة التحولات في المنطقة.

3- سيكون هذا الكيان المحتمل حاجزاً طبيعياً بين تركيا وسورية، يحد من دورها فيها إن لم يقض عليه تماماً، وبينها وبين العالم العربي، وهذه خسارة للرؤية الإستراتيجية للعدالة والتنمية ودور تركيا التكاملي مع المنطقة.

4- يمكن أن تتحوّل هذه المناطق لمساحات تدريب وتهريب أسلحة وقاعدة انطلاق لحزب العمال الكردستاني في مواجهة الحكومة التركية، ولذلك شواهد عديدة، أهمها انتقال جزء من قيادة الحزب من جبال قنديل في العراق إلى عين العرب، ومشاركة بعض عناصره في القتال مع قوات الحماية، والعثور على أسلحة حصل عليها أكراد سورية من موسكو وواشنطن في أيدي مقاتلي الحزب داخل تركيا.

5- ستصبح تركيا وفق هذا السيناريو محاصرة تماماً من قِبل روسيا، باعتبار أن الكيان المنشود سيكون حليفاً لموسكو وحائزاً على دعمها، سياسياً وعسكرياً ولوجستياً.

6- قد تؤدي معارك تمدد الفصائل الكردية المسلحة – إضافة لقوات النظام - في ريف حلب إلى موجة لجوء ضخمة باتجاه الحدود تقدر بأكثر من مليون شخص، وهو ما تعتبره أنقرة سلاحاً في يد موسكو ضدها.

7- سيؤدي التمدد الكردي في ريف حلب إلى إضعاف المعارضة السورية «المعتدلة» وخنقها تماماً، بكل ما لذلك من انعكاسات على مجمل الأزمة السورية والدول الإقليمية الداعمة للمعارضة، وفي مقدمتها تركيا.

الخيارات التركية

في ظل الدعم الروسي العسكري والأمريكي والدولي السياسي للفصائل الكردية المسلحة، واستمرار الاستفزازات الروسية واختراق الأجواء التركية، تبدو أنقرة محاصرة في زاوية الدفاع عن النفس، رغم استشعارها لأهمية وخطورة معركة «جبهة حلب».

وقد تحدثت بعض التقارير الإعلامية عن خطة تركية - سعودية لتدخل عسكري بري في سورية لمحاولة استدراك الوضع هناك وإيقاف تدهوره، بيد أن المعطيات المتاحة حتى كتابة هذه السطور تشي بصعوبة - إن لم نقل استحالة - هذا السيناريو؛ فالدولتان لا قبل لهما بمواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا في غياب أي قرار أممي وغطاء أو مشاركة من الولايات المتحدة أو «حلف الناتو»، وهي أمور غير مرشّحة للتبدل في وقت قصير، ولئن تحوّل الضوء الأمريكي من أحمر إلى أخضر مستقبلاً، فسيكون ذلك من قبيل التوريط لا من باب الدعم للحليف التركي العاتب من إغفال مصالحه وتغليب العلاقة الإستراتيجية مع روسيا، والتكتيكية مع المقاتلين الأكراد على علاقة التحالف التاريخي معه.

وعليه، فيبقى التدخل الجوي هو المتاح، وهذا سيكون تحت مظلة التحالف الدولي ووفق رؤيته وخطته وإعداداته ولمواجهة «تنظيم الدولة» (داعش) حصراً، وهو ما سيبعد البلدين عن أهدافهما الحقيقية، خصوصاً في ظل صعوبة أو استحالة استغلالهما للافتة التحالف الدولي لتحقيقها.

وفق هذه الرؤية، يمكن حصر أي مبادرة عسكرية تركية في سورية في أحد سيناريوهين؛ الأول: تبدّل الموقف الأمريكي وفقاً لحسابات واشنطن ورغبتها في توريط الكل، أو كسر أنقرة للفيتو الأمريكي، على مستوى إيصال الأسلحة النوعية للمعارضة، أو على مستوى التدخل العسكري المباشر، ولو لمسافة محدودة (يجري الحديث في أنقرة عن منطقة آمنة بعمق 10 كلم تشمل بلدة إعزاز).

الثاني: اضطرار أنقرة للتدخل وتحمّل تبعاته، لاعتبارات الخطر الداهم على حدودها أو أمنها القومي، بسبب التمدد الكردي أو هجمات لـ «تنظيم الدولة» أو غيرها من التطورات.

في الخلاصة، تبدو تركيا في موقف دفاعي لا تُحسد عليه، بعد أن فاتت فيما يبدو إمكانات التدخل الذي يمكن أن يقلب الأوضاع في سورية. 

وفي انتظار الخطوات الثلاثة الضرورية على وجه السرعة، أي توحيد المعارضة السورية سياسياً وعسكرياً، ورفع التنسيق مع الرياض إلى درجة التحالف الإستراتيجي الحقيقي في الرؤية والأهداف والتحركات، وكسر الفيتو الأمريكي، تتراوح القرارات التركية بين التدخل الاختياري والتورط والترقب والانتظار والاستهداف فالتدخل الاضطراري، وهما خياران أحلاهما مر.>

الرابط المختصر :