العنوان المواطنة الإسلامية والنهضة العلمية
الكاتب فيصل عبد الحليم اسماعيل
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
مشاهدات 69
نشر في العدد 1425
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
الرعيل الأول من المسلمين كانوا عربًا وغير عرب وأبلوا بلاء حسنًا في نشر الإسلام وبناء حضارته
على الذين يريدون أن يحمد العرب بما لم يفعلوا أن يستحيوا أو يستتروا
الذي لاشك فيه أبدًا أن الإسلام هو بكل المعايير منة من الله ونعمة.. لم تخترعه أمة، أو تأت به كنتاج عبقرية فيها، أو جهد خارج لها: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات: 17)، وواقع التاريخ الإسلامي أن الشعوب الداخلة في الدين الحنيف من غير أجناس العرب ربما أرفع درجة عند الله، فلقد كانت في معظمها أكثر تقبلًا للإسلام وأسرع إلى الهداية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).
وربما لم يلق الدين الحنيف حربًا أكثر ضراوة من تلك التي لقيها في دار عربية تشرفت ببزوغ فجره، وكل هذا ورسول الله وآياته ظاهرة بادية شاخصة أمام أهلها، والنبي الكريم بين ظهرانيهم لا يملك إلا أن يدعو إلى دين الله سرًا سنين طويلة، ويلقى عربًا في غزوات ويبعث إليهم بسرايا.. إلى أن يأذن الله بالفتح والفرج من عنده سبحانه.
ولم يقل أحد إن تلك الغزوات والسرايا كانت عربية باسم العروبة، وأن فتح مكة كان نواة فتوحات العرب ومولد إمبراطورية عظمى خططوا لها، أو حتى حلموا بها، ويموت الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيخوض خليفته مع فئات من العرب حرب ردة ضروسًا، والشعوب خارج جزيرة العرب أقبلت على الإسلام: يدخلون في دين الله أفواجًا، في غيبة رسول الدعوة وبعد وفاته، فكان القرآن وحده هديهم وكانوا من المتقين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3)، فلعل حكمة الله في ظهور الإسلام بين قبائل شبه الجزيرة العربية كان بيانًا وتأكيدًا لقدرته سبحانه على خلق حياة من العدم، فالعرب قبل الإسلام كانوا قلة ضعيفة مستضعفة بين الأمم، فكان انتشار الدعوة بها أولًا برهانًا وإظهارًا لقدرة المولى على إتمام نوره في أصعب الظروف وأحلك الظلمات: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة الصف: 8).
دين التوحيد له أنبياؤه الذين سبقوا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بالدعوة إلى الإسلام، فكان تاريخيًا آخرهم وخاتم النبيين والمرسلين لا يفضل غيره منهم عنهم الله بعرقه أو بمولده العربي: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285) ولم يكن موسى، أو عيسى، أو يوسف، أو يعقوب، وغيرهم كثيرون من أنبياء الله ينطقون بالعربية يقول خالد محمد خالد في صفحة 624 من كتابه «رجال حول الرسول»: «ولعل الإسلام حين أبطل عادة التبني إنما أراد أن يقول للمسلمين.. أن تلتمسوا رحمًا ولا قربى ولا صلة تؤكدون بها إخاءكم أكبر ولا أقوى من الإسلام نفسه والعقيدة التي يجعلكم بها إخوانًا، ولقد فهم المسلمون الأوائل هذا جيدًا، فلم يكن شيء أحب إلى أحدهم بعد الله ورسوله من إخوانهم في الله، وفي الإسلام».
نماذج من الرعيل الأول
يزخر تاريخ الدعوة الإسلامية بصفحات مشرقة مضيئة لرجالات من الرعيل الأول كانوا عمدًا راسخة قوية في انتشار الإسلام وازدهاره، ولم يكونوا من عرق عربي، وفيهم من أبلوا أحسن البلاء وأعظمه وكانوا سندًا للنبي وعونًا بأمر الله في مراحل الكفاح الأول، وفي أقسى الظروف والمحن.. يقتدون به ولا يخذلونه أبدًا، وليس هناك من مسلم مطلع يجهل قدر بلال بن رباح الحبشي، وعلو شأنه بين رجالات الإسلام، ولقد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة» (متفق عليه)، وهو ما يعني أنه كان في مقدمة أصحاب النعيم، وكان الخليفة عمر بن الخطاب إذا ذكر بلال، يقول: «أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا»، (ص 80 من رجال حول الرسول).
وعندما حاصر المشركون المدينة بأربعة وعشرين ألف مقاتل على رأسهم أبو سفيان في العام الخامس للهجرة، كان سلمان الفارسي صاحب المشورة بحفر خندق دفاعي، ووقف المهاجرون يهتفون: «سلمان منا»، وراح الأنصار يهللون: «سلمان منا»، وقد رد الرسول على هؤلاء وأولئك: «بل سلمان منا نحن أهل البيت»، ولقد كان النبي الكريم يطري خلقه ودينه وقال فيه: «لقد أُشبع سلمان علمًا» وبلغ سلمان الفارسي في نفوس الصحابة جميعًا منزلة عالية رفيعة، ففي خلافة عمر بن الخطاب مثلًا، علم الخليفة بقدوم سلمان إلى المدينة زائرًا «وكان وقتها أميرًا للمدائن» فجمع أصحابه قائلًا: «هيا نخرج لاستقبال سلمان»، وخرج بهم لاستقباله على مشارف المدينة، وهو ما لم يفعله عمر مع غير سلمان، وعندما طعن عمر بن الخطاب طعنة الموت، وبينما هو يحتضر، رشح ستة من أهل الشورى للخلافة هم: عبد الرحمن بن عوف، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، سعد بن أبي وقاص، أبو عبيدة بن الجراح، وعبد الله بن عمر، ثم قال: «لو كان سلمان حاضرًا لوليته»، وهذا يؤكد بأن اختيار أمير المؤمنين من عرق عربي لم يكن دستورًا للولاية في الإسلام أو منهاجًا أو تفضيلًا.
صهيب الرومي -رضي الله عنه: ولعل في موقع صهيب بن سنان الرومي من رسول الله دلالة أكيدة وواضحة على انتفاء النسبة المحلية «العربية تحديدًا» عن الإسلام والمد الإسلامي والكيان الإسلامي، ومن المعروف عن صهيب أنه كان ملتصقًا بالنبي لدرجة أن قريشًا، وهم من ضلعاء العرب، قد ادعوا عليه أنه صاحب القرآن الكريم وواضعه وصائغه، فنزل في هذا قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 103)، ونجد أن آية أخرى من الذكر الحكيم قد نزلت في موقف إسلامي بارع لصهيب، مصفى من كل شوائب المفاخرة بعرق أو أصل أو فصل أو حسب أو نسب، فبينما كان يتجه إلى المدينة مهاجرًا في سبيل الله قطع عليه المشركون طريقه فتحداهم للنزال فجادلوه قائلين: «لقد أتيتنا صعلوكًا فقيرًا، فكثر مالك عندنا وبلغت بيننا ما بلغت.. والآن تنطلق بنفسك وبمالك؟» فأرشدهم إلى مكان حفظ فيه جميع ثروته، قائلًا: «لكم مالي فخذوه، ولي ديني»، فتركوه وشأنه، وعندما دخل على رسول الله وحوله بعض أصحابه، هلل الرسول الكريم وناداه أن: «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى» وفي هذا نزلت الآية الكريمة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة: 207)، (ص 131 من كتاب رجال حول الرسول)، وهكذا فإن الفضل في وصول الإسلام إلى أركان الأرض هو الله وحده سبحانه أولًا وأخيرًا، فلا ينسب ذلك إلى عرق دون عرق أو بقعة أو رقعة في الأرض دون بقعة أو رقعة.
عظمة تعدد الألسن
ولم يكن العرب أحرص على الإسلام بعروبتهم، ولا أسبق إليه ممن سواهم بين نحو ثلاثمائة جنس وعرق في أمم الأرض رضوا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، وإذا كانت الألسن في أمة التوحيد شتى فإن هذه مزية كبرى وليست عيبًا يعاب، أو نقيصة تنكر أو تخفي، فمن خلالها تتجلى حكمة الخالق وتتأكد عظمة الإسلام.
ويكفي أن هناك الآن مسلمين كثيرين في كل قطر من أقطار الدنيا يتحدثون بأكثر اللغات المعروفة، بينما تحتل اللغة العربية مكانها الذي قدر لها في مجموعة اللغات الأفروآسيوية التي يتحدث بها أعداد أقل من أولئك المسلمين الذين تنتمي لغاتهم إلى المجموعة الهندية -الإيرانية، وموقع اللغة العربية هو إذن غاية التواضع عدديًا، ولكن هذا لا يهون من شأنها.. إذ كرمها الله سبحانه، ولكن فقط في الإطار الإسلامي وليس أبدًا في الإطار العرقي.
ومن الأسس الإسلامية أن الخلق خلق الله وأن الأرض أرض الله، فلا حجة هنالك لادعاء تميز، أو إعلان تمييز، فيما يمكن أن يخضع لدراية البشر، لأن الأعمال الصالحة والنوايا الخالصة داخل معايير الإسلام هي التي تعلي منزلة الفرد عند خالقه الذي له وحده الحكم، وإليه يرجع الأمر كله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل