; المواقف الدولية من الدولة الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان المواقف الدولية من الدولة الفلسطينية

الكاتب طلعت مسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1989

مشاهدات 53

نشر في العدد 902

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 31-يناير-1989

الخبير العسكري بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام

إذا كانت أمريكا تضغط على الفلسطينيين ليعترفوا صراحة "بإسرائيل"... فهل تنجح في الضغط على «إسرائيل» لتعترف بدورها بفلسطين؟!

ستظل «إسرائيل» تهدد أمن الدول العربية سواء اعترفت بها أو لم تعترف...!!

ما زالت ردود الفعل تتوالى بعد إعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في 15/ 11/ 1988 وما زالت تساؤلات عديدة تطرح نفسها للنقاش... فهل الدولة الفلسطينية هي دولة بالاسم فقط؟ أم أنها دولة حقيقية تتوافر لها كل المقومات القانونية لقيامها؟ ثم كيف تكون العلاقات بين هذه الدولة المعلنة وبين مختلف أعضاء أسرة المجتمع الدولي؟ وهل تتأثر العلاقات بين العملاقين نتيجة لتعارض موقفيهما من دولة فلسطين؟

فيما يتعلق بمقومات الدولة الفلسطينية فنستطيع أن تؤكد أن الشعب الفلسطيني موجود سواء داخل الأرض المحتلة أو خارجها وبالتالي يمكن أن يتجمع أغلب الفلسطينيين داخل هذه الدولة ويصبحوا رعايا الدولة الفلسطينية، أما الأرض فوفقا للإعلان الفلسطيني رغم أنه يعتمد على قرار ۱۸۱ «قرار التقسيم» ولكن اعترافه في نفس الوقت بالقرارين ۲٤٣، ۳۳۸ يكاد يحصر الدولة في قطاع غزة والضفة الغربية، والحكومة...

كان هناك شيء في وثيقة الاستقلال عن هيكلها وإن لم يكن الشكل متضحا بعد... ولكنها لا تمثل مشكلة. إلا أن المشكلة أن الحكومة ليست موجودة على أرض الدولة... وإن الأرض تحت الاحتلال!! وهذه مشكلة كل حكومة أقيمت خارج أراضيها مثل الحكومة الجزائرية المؤقتة التي يعرفها  التاريخ... ووجود الحكومة خارج الإقليم يجعل الدولة دولة تحت الاحتلال ولا يكتمل استقلالها إلا بجلاء القوات الأجنبية عنها وهذا يأتي عن طريق الجهود التي تبذلها الحكومة دبلوماسيا والجهود التي يبذلها الشعب في الأرض المحتلة لطرد قوات الاحتلال من أرضه.

الدولة الفلسطينية... والعملاقان

لا شك أن هذه الدولة بشكلها الحالي- ولفترة غير قصيرة- ستكون علاقتها بالاتحاد السوفياتي علاقة تعاون... على اعتبار أنه الدولة العظمى التي اعترفت بها حتى الآن...

وهي الدولة العظمى التي أيدت حقوق الشعب الفلسطيني على الأقل من سنة ١٩٦٥ حتى الآن... وهي الدولة التي ساعدت المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير في صراعها من أجل الاستقلال في الفترة الماضية، وبالتالي لا بد أن العلاقات بين هذه الدولة والاتحاد السوفياتي ستكون قوية.

أما موقف الولايات المتحدة من الدولة الفلسطينية... فلا نتوقع بالطبع أن يتشابه أو يتقارب في موقفها تجاه دولة العدو اليهودي عند قيامها... كما أنه ليس هناك تشابه بين موقف الاتحاد السوفياتي من فلسطين وموقف الولايات المتحدة من "إسرائيل"! فالاتحاد السوفياتي الذي اعترف بدولة فلسطين يعترف أيضا "بإسرائيل" رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية بينهما!! كذلك فإن الدولة الفلسطينية ليست جزءا رئيسيا من نظرية الأمن السوفياتية بينما أن أمن "إسرائيل" جزء مهم من السياسة الأمريكية، كما أن "إسرائيل" تابعة لأمريكا... ولا ينتظر أن تكون فلسطين تابعة للاتحاد السوفياتي ولا يجب أن تكون تابعة!!

وفي حين يعترف الاتحاد السوفياتي بفلسطين ويعلن تأييده لها. نجده يفتح الباب على مصراعيه لهجرة اليهود إلى "إسرائيل" واستيطانهم في الأراضي العربية المحتلة. لكن يجب أن نتذكر أن جزءا كبيرا من اليهود في فلسطين الآن أما كانوا في دول عربية أو أبناء لمن كانوا في دول عربية سمحت لهم بالهجرة.. ويجب ألا نطالب الاتحاد السوفياتي بأن يكون عربيا أكثر من العرب!! ولا بد أن ندرك أن القضية قضيتنا بحق.. ومسؤولية حلها تقع علينا بالدرجة الأولى... وما يمكن الاستفادة من علاقاتنا مع الاتحاد السوفياتي إضافة لإمكانياتنا وليس بديلا عنها.

الفاعلون الجدد

وإذا أدرنا الحديث عن الفاعلين الجدد في السياسة الدولية فنؤكد أن الصين هي الدولة التي لم تعترف "بإسرائيل" حتى الآن وأيدت حقوق الشعب الفلسطيني، ولكن حجم مساعداتها كان أقل من مساعدات الاتحاد السوفياتي. رغم أن الاتحاد السوفياتي اعترف بدولة "إسرائيل" عند قيامها... أما اليابان فقد أصبحت قوة عظمى اقتصادية... لا يمكن تجاهلها في المعترك الدولي... وأعتقد أن الظروف مهيأة لوجود علاقات طيبة بين الدولة الفلسطينية واليابان حتى وإن لم تعترف اليابان حتى الآن بالدولة الفلسطينية... نظرا للعلاقات الوثيقة ذات الطابع الخاص بين الولايات المتحدة واليابان... فقد لا تجد اليابان أنه من المناسب أن تعترف الآن اعترافا كاملا بدولة فلسطين نظرا لما قد يؤدي إليه ذلك من توتر في العلاقات اليابانية الأمريكية!!

الفجوة ضاقت

بالنسبة لموقف إنجلترا وفرنسا فهما مرتبطتان بالولايات المتحدة وإن كانا أقل تشددا... ومن العلامات التي ظهرت حتى الآن أن هذه الدول لديها استعداد للاعتراف بالدولة الفلسطينية ولكن تعتقد أن الوقت ما زال غير مناسب لإعلان الاعتراف وبالتالي نتوقع مضي بعض الوقت حتى تعترف ولكن قد تكون هناك علاقات تعاون مع فلسطين وإن لم تكن على مستوى مرتفع خاصة أن إنجلترا وفرنسا كانتا تعلقان اعترافهما على اعتراف فلسطين بالقرارين ۲٤٢، ۳۳۸... وهو ما تضمنه إعلان الاستقلال... صحيح أن هناك تحفظات فلسطينية على القرارات وهناك تحفظات بريطانية وفرنسية على الإعلان... ولكني أجد أن الفجوة بين الدولة الفلسطينية والدولتين ضاقت وتشجع على مزيد من التقارب.

الدولة... والأحلاف الدولية

نعلم أن تركيا أول هذه الدول التي اعترفت رسميا بالدولة الفلسطينية ومن ثم نتوقع أن تكون هناك علاقات طيبة بين فلسطين وتركيا ثم نتوقع أن تكون الدولة التالية هي اليونان ثم إسبانيا.

فاليونان بها مكتب للمنظمة كان يعامل حقيقة معاملة السفارة وفي نفس الوقت ليس بها سفارة "لإسرائيل"!! ربما أن هذا مؤشر لمستقبل العلاقات بين الدولتين... أما إسبانيا فهي في مقابل أنها اعترفت "بإسرائيل" فتحت مكتبا للمنظمة أيضا... لذلك هي تلي اليونان في مستقبل العلاقات الفلسطينية بحلف «الناتو» أما بقية دول الحلف فنتوقع أن تتبع إنجلترا وفرنسا.

أما دول حلف وارسو فنتوقع أنها ستتبع الاتحاد السوفياتي في القريب العاجل... وربما تكون آخر الدول التي ستعترف بفلسطين هي رومانيا... فمعروف أن رومانيا هي الدولة الوحيدة من الكتلة الشرقية التي لم تقطع علاقاتها "بإسرائيل" حينما قطعت كل الدول الاشتراكية علاقاتها بها بعد عام ١٩٦٧...!! لكن بشكل عام ستكون علاقات الدولة الفلسطينية بالكتلة الشرقية أقوى من علاقاتها مع حلف «الناتو» رغم أن الدولة الفلسطينية ستسعى لا يجاد علاقات طيبة مع حلف «الناتو» ربما للعامل الاقتصادي وتأثير تلك الدول على أمريكا لذا نتوقع أن تبذل الدولة الفلسطينية جهدا أكبر لتحسين علاقاتها مع حلف شمال الأطلنطي.

الدولة العربية أكثر من الاعتراف

أما الدول العربية فهي المجموعة التي تعتبر الدولة الفلسطينية أحد أفراد عائلتها الرئيسيين المؤسسين.

وأعتقد أن موقف الجامعة العربية عموما كان موقفا قويا وبمجرد إعلان الدولة أعلن الأمين العام للجامعة العربية اعترافه بها ودعا جميع سفراء الدول كي يسعوا لدى دولهم للاعتراف بها ولكن المتوقع من المجموعة العربية أن تكون علاقاتها بالدولة أكثر من الاعتراف وأستطيع أن أقول إن العلاقات العربية الفلسطينية سيكون طابعها التعاون والتنافس!! التعاون من حيث إنه لا تجرؤ دولة عربية ألا تتعاون مع الشعب الفلسطيني والدولة الفلسطينية مهما اختلفت مع قيادة الدولة الفلسطينية سيظل هناك التزام أدبي يتعلق بأن تبقى الحكومة في مكانها...!! بالتعاون مع الشعب الفلسطيني... لذلك سيكون هناك تعاون سواء أراد الحاكم أم لم يرد!! ولكن أيضا سيكون هناك تنافس... بمعنى أن الخلافات بين قيادات الدول العربية وقيادة الدولة الفلسطينية سيكون بها بعض التوترات ولكن يجب ألا يزعجنا ذلك لأن هذه طبيعة العلاقات... ولكن يتوقع أن تكون التوترات الرئيسية مع سوريا والأردن... وهذا لا يعني على وجه الإطلاق ألا يكون هناك تعاون بين فلسطين والدولتين...، وهذا لا يمنع أن يكون هناك توترات بين فلسطين وأي دولة عربية أخرى حول موقف من المواقف... ولكن هذه التوترات عادة ما تحتوى بسرعة!!

حجة واهية:

الولايات المتحدة الأمريكية علقت اعترافها بدولة فلسطين على أن إعلان الدولة لم يتضمن اعترافا صريحا "بإسرائيل" رغم الاعتراف بالقرارات ٢٤٢ و٣٣٨ و۱۸۱... وأعتقد أنها حجة واهية تتعذر بها الولايات المتحدة فالقرار ۱۸۱ يقول بقيام دولة عربية وأخرى غير عربية في فلسطين وهو حقيقة لم يذكر "إسرائيل" صراحة... ولكن قبوله يعني اعترافا ضمنيا بوجود "إسرائيل"، فإذا كانت القضية هي الاعتراف الصريح فلماذا إذن لا تضغط أمريكا على "إسرائيل" لتعترف هي الأخرى اعترافا صريحا بدولة فلسطين؟

أما عن العلاقات الفلسطينية الأمريكية، فلا شك في أن الدولة الفلسطينية الجديدة ستسعى لوجود علاقات معقولة مع الولايات المتحدة الأمريكية كدولة عظمى لا يمكن تجاهلها... لكن أمريكا لا يبدو أنها ستقبل بوجود هذه الدولة ببساطة وسيمضي وقت طويل قبل أن تعترف أمريكا بها حتى وإن كان جورج بوش أبدى بعض العلامات المشجعة... إلا أن هذه العلاقات غير كافية في رأيي لإقامة علاقات تعاون وثيقة بين الدولتين... وإنما في تصوري أنها ستكون علاقات يشوبها كثير من التوترات لفترة تالية.

 الدولة... وعلاقات العملاقين

لا ينتظر أن تتأثر العلاقات بين العملاقين تأثرا مهما بسبب اعتراف الاتحاد السوفياتي بدولة فلسطين... ذلك أن الولايات المتحدة تدرك أن مواقف الاتحاد السوفياتي في قضايا عديدة تختلف عن مواقف أمريكا... وعلى رأس هذه القضايا الصراع العربي "الإسرائيلي"، على أنه رغم الاختلافات في الموقفين فإن هناك نقاط التقاء ربما أهمها الاتفاق على ضرورة حل القضية الفلسطينية، كذلك الاتفاق على ضرورة عقد المؤتمر الدولي وإن اختلفا حول طبيعة المؤتمر ومهمته، وأود أن أشير إلى أن التقارب بين العملاقين كان أحد الدوافع وراء القرارات الفلسطينية الأخيرة...!!

والنتيجة العامة لذلك سلبية ...!! لأن القرار الفلسطيني يعكس حقيقة أن الشعب الفلسطيني لم يجد معونة كافية من العرب ولا المجتمع الدولي فكانت النتيجة أنه قبل اليوم ما لم يكن يقبله قبل ذلك!!... 

مصر... والدولة الفلسطينية

لم تعلن مصر اعترافها رسميا بالدولة الفلسطينية إلا بعد «5» أيام من إعلانها حيث كانت تعيد حساباتها وتحسب ردود الفعل المتوقعة والأسس القانونية اللازمة للاعتراف. خصوصا أن مصر تمر بفترة عصيبة وبالتالي ربما أدى ذلك إلى أن تكون الحكومة حذرة في تصرفاتها... لكن في تصوري أن هذه الحسابات كان لا بد أن تكون جاهزة مسبقا قبل إعلان الدولة الفلسطينية الذي لم يكن مفاجأة لأحد في مصر ولا في غيرها... ومن ثم كان يجب أن يكون الاعتراف المصري هو أول اعتراف...!!

أما بالنسبة لموقف مصر القانوني بعد اعترافها بفلسطين ومدى اتساق ذلك مع اتفاقيات كمب ديفيد التي نصت فقط على منح الحكم الذاتي للفلسطينيين فأثبت هنا أنه بالنسبة للمعاهدات فإن النصوص لا تكون عادة قاطعة... ومن ثم يصبح من الممكن "لإسرائيل" أن تفسر اعتراف مصر على أنه خرق للمعاهدة... بينما يمكن لمصر أن تفسرها بألا تعارض بين اعترافها بفلسطين ومعاهدة السلام... والمهم أن "إسرائيل" حتى الآن لم تعلن أنها ترى في هذا الاعتراف انتهاكا للمعاهدة ومن ثم فإن المشكلة القانونية حتى الآن تعتبر غير واردة.

وأخيرا

أعتقد أنه إذا قبلت "إسرائيل" التفاوض السلمي... فإنها ستستغل اعتراف الدول العربية بها من خلال قبولهم لقرار التقسيم... فتحاول اختراق المنطقة العربية كلها ثقافيا وتجاريا وسياسيا واجتماعيا... وهو ما يجب أن نكون حذرين منه في المرحلة القادمة... بل ونتصدى لإرهاصاته البغيضة من الآن.

 

الرابط المختصر :