العنوان المورسكيون في المصادر والمخطوطات الأندلسية (1 من 4)
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2011
مشاهدات 62
نشر في العدد 1965
نشر في الصفحة 32
السبت 13-أغسطس-2011
- لم تقم في إسبانيا والبرتغال حركة من النصارى تقاوم محاكم التفتيش بل كانت تقام الأحفال لشهود أعمال الحزق المقدسة!
- يوم كانت الحياة الإسلامية قائمة في الأندلس كانت الرعاية لغير المسلمين فيها واضحة مؤكدة
- فقهاء قُرطبة منعوا الحاجب المنصور بن أبي عامر (۳۹۲ هـ - ۱۰۰۲م) من شراء أرض موقوفة لبعض الكنائس
- ابن رشد رفض معاقبة نصارى استدعوا ألفونسو لغزو الأندلس عام ۱۱۲۵م وانضم بعضهم لجيشه في غزوته الفاشلة واكتفى بتغريبهم مدة
المورسكيون: (ESP. LOS MORISCOS، ENG. THE MORISCOS) مصطلح، يعني: المسلمين الأندلسيين الذين بَقَوا في الأندلس (إسبانيا والبرتغال اليوم)، بعد سقوط غرناطة (۸۹۷هـ - ١٤٩٢م)، عاشوا تحت السلطة الإسبانية الكنسية الرسمية السياسية، واجهوا ظلم وقهر ومحارق محاكم التفتيش الباغية الجافية المغالية. INQUISICION ENG ESP INQUISITION
انظروا: «محاكم التفتيش الغاشمة وأساليبها» (*) ۲۷، ٤۳، ٤٥، ٥٠، ٥٤، ٦١ «هجرة علماء الأندلس لدى سقوط غرناطة ظروفها وآثارها» (*) ٤٢.
النجمة (*) بعد عنوان الكتاب تعني: أنه لكاتب المقال.
«مصطلح المورسكيون»: مأخوذ من الكلمة الإسبانية:
EL MORO. LOS MOROS=)
(ENG. THE MOOR. THE MOORS
: المسلم الأندلسي، المسلمون الأندلسيون، إذ حين أصبح المسلم الأندلسي -بعد سقوط غرناطة- ضعيفا صغيرا أسيرا، اشتقت منها صيغة التصغير الإسبانية: MORISCOS LOS EL MORISCO- = المسلم الأندلسي الصغير، المسلمون الأندلسيون الصغار: صيغة المفرد والجمع، استعملت صيغة التصغير بكل اللغات منها العربية بكل اشتقاقاتها، بنفس المعنى الإسباني.
المدجنون
أما كلمة المدجنون MUDEJAR (E) SLOS: فهم المسلمون الذين عاشوا تحت السلطة النصرانية بقوا في المدن الأندلسية، التي سقطت قبل غرناطة.
ويُمثل هذا الموضوع إسهامًا مهمًا في ميدانه، حيث يُجَلِّي مَظْهَرًا علميًا مهمًا وعلامة بارة، تُجاهَ مُسْلِمة الأندلس، الذين ملؤوه خيراً وازدهارًا وحضارة ومنارًا، إبداعًا وإمتاعًا فريدًا كريمًا وسبقًا علميًا وحضاريًا وإنسانيًا، في كافة الميادين المعروفة والجديدة المستنبتة، حضارة ودود ولود، مدى ثمانية قرون.
كانت مكافأتهم أفحش ظلم عَرَفَهُ شَعبٌ خلال التاريخ القديم والحديث على السواء، بقيت -رغم كل ذلك- شرائح وقبائح ومقالح «نماذج متدنية رَثّة»، تُمارس ذلك على الأرض هنا وهناك.
أَمَّا بالنسبة لما لَقِيَه مُسْلمو الأندلس -بعد ذهابهم سياسيًا- من محاكم التفتيش الآثمة، إذا كان الاتجاه يقوم على الإنصاف للمظلوم والإدانة للظالم، فإن ذلك أقل ما يجب، أمرٌ وجهد ضروري ومهم لدرجة قصوى، كما يُقَدِّم فوائد جمة ذات حدود ومنافع متنوعة تخدم الحياة وتقويها وتقومها.
مهمة بارة واجب المؤرخ الثّبت المتوقد المتحقق هذا في الدنيا أما في الآخرة فالظالم والمظلوم كلاهما يلتقيان عند الله سبحانه وتعالى يقفان أمامه ليحكم بينهما بعلمه المطلق وعدله الكامل الكمال، لا يُظْلَمُ عنده أَحَدٌ أبداً بحال ما.
والمرجو أن يحقق أي بحث فيه خُطُوات واسعة رصينة وأمينة في هذا الاتجاه، إلا أن عدم تحقيق ذلك -لأسباب غير علمية- يعني أن واقع البحث التاريخي في القضية المورسكية ما زال يحيا متعثرا في مهاوي محاكم التفتيش الإسبانية والبرتغالية وشناعاتها. مَنْ يُرِد أن يُسهم فيه بموضوعية واستعداد جاد وصبر مكيث لابد بعون الله تعالى أن يقدم مفيدا سيما وقد توفرت مادة علمية يمكنها إمداد ذلك.
موضوع «المورسكيين» جديد الاهتمام نوعاً ما، لا سيما بهذا الشكل المتحري المنظم المقصود، الكتابات الفرنجية المعاصرة غير قليلة فيه، بعضها متقادم، كثر هذا الاهتمام في السنوات الأخيرة. لكن البحوث المعاصرة بالعربية قليلة، آخذة في النمو.
المأساة المورسكية
انطلاقًا من متابعتي للبحث المتخصص جَرَت إثارة الاهتمام به منذ بضع سنوات، بعد الانتهاء من كتابي: «التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة»، الذي غطاه منذ الفتح الإسلامي حتى نهاية غرناطة (۹۲ – ٨٩٧هـ، ٧١١ – ١٤٩٢م)، حيث تبدأ المأساة المورسكية، بذا جرى التنبيه لها والحث عليها.
ومأساة المورسكيين مأساة شعب وأمة ودين تثير الغرابة وتدعو إلى معرفة آثار الضلال على الإنسان.. الإنسان الذي إذا ما مَلَكَ مسؤوليات وتملك إمكانات -هو ما جرى في دواوين محاكم التفتيش، التي تُطلعنا على أحوال خلفيات القائمين بالمحاكمات وممارسة القتل البشع- يتحوّل عند ذاك إلى غُول مُرعب، يَظْهَرُ أَشَدَّ وحشيةً وضراوةً من الوحوش الكواسر؛ حيث كُلِّ مَنْ يَسْتَهِينُ بالقتل يكون قد هبط بعيداً، وهو كاذب منحرف العقيدة وإن احتمى بها، ستارا واحتيالا ونفاقاً، لا تكف أذاه المورود غير مُكْنَةِ وقوة وخبرة، ليست للانتقام بل للهداية والرعاية والحماية الحازمة الواعية المدبرة، ورد كيد الاعتداء إلى نحر فاعله خائبا، قوة افتقدها المورسكيون، لم يملكوا أياً من مقوماتها، إذ غَدَوْا عُزّلًا.
لَكُم قاستُ الإنسانية، طالما كانت بعيدة عن هداية الله تعالى، هُدَى الإسلام الذي لا إنقاذ بدونه، بلا خلاف لدى الإنصاف والخضوع للاعتراف في الحكم الرصين المكين الأمين.
الله سبحانه وتعالى وَحْدَه أَعلَمُ كم نفوس أزهقتها محاكم التفتيش، وأعراض هتكتها وأموال ،نهبتها وقيم أهدرتها ووحشيات ارتكبتها ودماء سفكتها، أشار إليها محمد بن عبد الرفيع الأندلسي المورسكي، الذي وُلِدَ وشَبَّ وتعلم تحت ظلمها وظلماتها وقهرها، ورأى تلك المحارق والمخارق والمغارق بعينه، كما دونها بقلمه، في خاتمة كتابه «الأنوار النبوية في آباء خير البرية»(1).
أعمال الحرق المقدسة
ما حالة النقص في المعلومات التي اعترت القضية ،المورسكية وقلة المصادر عن مسلمة الأندلس بعد السقوط، إلا ثمرةً مرة لمحاكم التفتيش الباغية وسياستها الرعناء الجاهلية الجهول.
إن محاكم التفتيش بطبيعتها الشائنة، ليس فحسب لم تستطع أن ترد أدنى مقدار من الفضل للإسلام والمسلمين في الأندلس، وإن جهلته بل تجاهلته ابتداءً وعادته وحقدت عليه وحاربته، لكنها فوق ذلك تفننت في الانتقام البشع الموغل ممن أبدعه ووفره وأنتجه لا شك أنها من أعداء أنفسهم والبشرية وعقيدة الإنسان الفاضلة الطهور.
من العجيب الغريب أن لم تقم في إسبانيا والبرتغال، وما يلتحق بهما، حركة من النصارى أنفسهم تقاوم مَعَرَّة محاكم التفتيش فيهما بالذات، تردها صغيرة حسيرة، بل كانت تقام الأحفال فيهما لشهود أعمال الحرق المقدسة! بالنار للأحياء، التي سَمَّوها باطلاً وزوراً (Auto-de (da) -Fe من أحفال الإيمان)، أَحْرَقوا بها كُلَّ ما له أية صلة بالإيمان، ابتداءً من الكتاب ومَن كَتَبَه ولكل ما أنتجه وكافة ما أبدعه والمنهج الإسلام) وما بناه. أي: لا لما سَطّرته براعة الإنسان خلال القرون الزاهيات فحسب، بل للإنسان نفسه الذي كرمه الله سبحانه وتعالى، كل ذلك باسم الدين البريء من كل ذلك كليًا.
كثيرًا ما كان يتم هذا الحرق في ساحات المدن الكبرى منها ساحة مدريد الكبرى المعروفة: الساحة الكبرى «Plaza Mayor»، التي تمثل قلب مدينة مدريد الإسلامية (٢).
كيف تعامل المسلمون معهم؟
يوم كانت الحياة الإسلامية قائمة في الأندلس بالذات -حتى الأيام المرتبكة- كانت الرعاية لغير المسلمين فيها واضحة مؤكدة ألم يمنع فقهاء قرطبة الحاجب المنصور بن أبي عامر (۳۹۲هـ - ۱۰۰۲م) من شراء أرض موقوفة على بعض كنائس أهل الذمة(۳)؟؟ ويرفض الفقيه ابنُ رُشْد الجدّ (٥٢٠هـ) معاقبة بعض نصارى أهل الذّمّة الذين استدعوا «ألفونسو بن ردمير» لغزو الأندلس (٥١٩هـ - ١١٢٥م)، وانضم بعضهم لجيشه، في غزوته الفاشلة لتدمير الأندلس، واكتفى بتغريبهم مدة (4) هذا -وأمثاله جد كثير- بعضُ ما قَدَّمه الإسلام لأهل مجتمعه مسلمهم وغير مسلمهم، دوما دون أدنى استثناء(٥).
المرجو من بحثنا هذا تغليب الإنصاف وخدمة الحقيقة بشجاعة وجرأة وعلمية مُحكمة، هذا هو عمل المؤرخ المكيث الأمين، لتعويض بعض ما فات في سالفات الزمان لدينا وسائلُ مُعينة ومصادر مهمة يمكن أن يُنشئ بها الدارسون شيئا غير قليل، ثمّ يعلو البناء.
الهامش
لا يزال مخطوطاً، لدي منه نسخة مصوّرة «ميكروفلم» (MICROFILM).
مدينة مدريد الحالية، عاصمة إسبانيا اليوم، لذا فهي العاصمة الأوروبية التي بناها المسلمون الأندلسيون عام ٢٤٥هـ (٨٥٩م). اتخذها الملك «فيليب الثاني» عاصمةً لإسبانيا سنة ٩٨٩هـ (١٥٦١م).اسمها الأندلسي: «مَجْريط»، مدينة مزدهرة عامرة. التاريخ الأندلسي (*) ٣٢٥.
انظروا: التاريخ الأندلسي (*)، الطبعة الجديدة، ٢٠٠٨م، ص ٦١٩ و ٦٢٠.
التاريخ الأندلسي (*) ٤٦٦ – ٤٦٨ .
انظروا: دول الطوائف، محمد عبدالله عنان، ۲۸۲.
حضارة العرب، غوستاف لوبون، ٥٧٠.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل