العنوان الموقف الأوروبي ودموع التماسيح
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993
مشاهدات 67
نشر في العدد 1061
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 10-أغسطس-1993
الموقف الأوروبي ودموع التماسيح
كان الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان محطة
أخرى في مسار التحالف الغربي – الصهيوني والتآمر على زعزعة استقرار ووحدة كيان
الأمة الإسلامية وضرب كل مقوماتها الدفاعية. كما كان الاعتداء على الشعب اللبناني
وسط الاحتجاجات الدولية الباهتة فرصة لمزيدٍ من تعرية الموقف الأوروبي الغربي من
القضايا الإسلامية كما هو حاصل في البوسنة والهرسك.
هاجس المفاوضات
فعندما انطلقت الغارات وعمليات القصف الصهيوني
على قرى جنوب لبنان بحجة «ردع الميليشيات المسلحة»، لم يكن خافيًا على أحد
الخلفيات السياسية والعسكرية لهذا الهجوم البري والبحري والجوي التي هي محل اتفاق
الدول الغربية.
فتعطل مسار المفاوضات حول السلام في منطقة
الشرق الأوسط، وضرورة تحويل الرأي العام الدولي عن فشل هذه المفاوضات، وتغيير جدول
زيارة وزير خارجية الولايات المتحدة وارن كريستوفر إلى المنطقة وخلط الأوراق في
اتجاه دفع عملية تطبيع العلاقات العربية - الصهيونية وضرب روح المقاومة في جنوب
لبنان ومن ورائها المناطق المتاخمة؛ كل هذه الأهداف تصب في نفس الإطار للإستراتيجية
الأوروبية- الغربية في التعامل مع الملف الإسلامي والفلسطيني بوجه الخصوص.
ويمكن استشفاف هذه العلاقة من خلال المواقف
والتصريحات الرسمية في بلدان أوروبا الغربية، فقد جاءت هذه التصريحات لتؤكد على
خطورة تعطيل مسار المفاوضات وما ينتج عنه من ضرب لمصالح هذه البلدان في المنطقة.
ويلخص الموقف الفرنسي تقريبًا جملة المواقف
الغربية- الأوروبية فيما يتعلق بتطورات الأحداث في الجنوب اللبناني، فقد صرح وزير
الخارجية الفرنسي ألان جوبيه بأن فرنسا تحمل المسؤولية الثقيلة في هذه القضية إلى
حزب الله ولا توافق على الهجوم الإسرائيلي، وأوضح بأن هذا الهجوم كان «جد مؤلم
بالنسبة للشعب اللبناني ويتنزل في ظرف دخلت فيه البلاد مرحلة إعادة البناء التي
تساندها فرنسا»، وأضاف أن الهجوم الإسرائيلي من شأنه أن يهدد بـ «إيقاف مسار
السلام»، ودعت باريس الكيان الصهيوني «للحد في أقصر الآجال في هذه المبادرة التي
تخدش سيادة لبنان».
سيناريو التنديد
ولا تختلف هذه التصريحات عن البيان الذي
أصدرته المجموعة الأوروبية، والذي عبّرت فيه عن أسفها لسقوط ضحايا مدنيين بسبب هذا
العنف وارتحال مجموعات بشرية، ودعت في بيانها أيضًا إلى إيقاف كل أصناف الاعتداء.
لكن يبدو أن الموقف الفرنسي كان من أبرز مواقف
النفاق السياسي على المستوى الأوروبي في التعامل مع هذه القضية بالنظر إلى
ازدواجية المصالح الفرنسية وتشابكها في المنطقة؛ حيث تريد باريس أن تكون حليفة
الكيان الصهيوني وصديقة لبنان في نفس الوقت حتى لا تخسر صداقة العرب وتظهر بمظهر
الأمين على سياسة ديجول، خاصة مع عودة اليمين إلى الإمساك بمقاليد الحكومة.
من هنا أشارت تصريحات المسؤول الفرنسي إلى
مساندة لبنان في إعادة الإعمار، وهذا ليس غريبًا بالمقارنة إلى العلاقات التاريخية
الفرنسية- اللبنانية، لكن في المقابل تظاهر الموقف الفرنسي بالتنديد بالهجوم
الإسرائيلي، في حين أن هذا الأخير يخدم المصلحة الغربية بدك معاقل المقاومة
الإسلامية في الجنوب اللبناني ودفع سوريا إلى مساومات لدعمها غربيًا -من الطرف
الأمريكي بالخصوص- مقابل تطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني والتخلي بل التصدي
للمقاومة الإسلامية.
وفي هذا الإطار ينشط سيناريو تبادل رسائل
التنديد، فبعد الاحتجاج الفرنسي الدبلوماسي اللفظي جاء الرد الإسرائيلي على لسان
وزير خارجية الكيان الصهيوني الذي صرح أن ردود الفعل في العالم كانت متسمة بتفهم
وتعاطف الجميع عدا فرنسا، وأضاف: «فحتى الدول العربية فهمت أننا لسنا المبتدئين
وأننا لم نرد الوصول إلى هذا الحد. ولا يعقل أن تتعطل مفاوضات السلام بسبب حزب
الله».
والنتيجة أنه خارج عملية التنديد اللفظي
بالهجوم الإسرائيلي، فإن الموقف الأوروبي يلتقي مع الموقف الصهيوني في أن مصدر
المشاكل هو حزب الله ومن ورائه المقاومة الإسلامية، ومن ثم يفهم الصمت الغربي -
الأوروبي على الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان وعلى الغارات وعمليات القصف الوحشية
التي خلفت الموت والدمار. وهذا ما دعا بعض الصحف الأوروبية إلى التعليق حول إعلان
الدول الغربية عن «انشغالها» بما يحدث في لبنان بالقول: «إنها دموع التماسيح».
سياسة غض الطرف
فالواقع يؤكد أن هذه الدول غضت الطرف عن
العدوان الصهيوني الذي يقتل ويدمر ويشرد، ولم يحرك مجلس الأمن ساكنًا حتى أنهى جيش
العدو «مهمته»، وحصد قرى بأكملها وقام «بتصفية حساباته» (شعار الهجوم)، وعندها وقف
الأمين العام للأمم المتحدة ليعبر عن أسفه متناسيًا قرار مجلس الأمن رقم 425 الذي
يطالب الكيان الصهيوني بسحب جيوشه كليًا من لبنان. بل إن الدول الغربية كانت في
فترة الاجتياح منهمكة في قضاياها ومشاكلها الداخلية والإقليمية -على رأسها المشكل
المالي وتدهور وضع النظام المالي الأوروبي بسبب التنافس الألماني الفرنسي- فقد
انتهى هاجس الاستقطاب السوفيتي في إطار النظام العالمي القديم؛ هذا الاستقطاب الذي
كان مهيمنًا على المنطقة بين معسكرين يتجاذبان مصالح مختلفة.
أما اليوم، فإن المنطقة تدور في الفلك
الأمريكي المتزعم للنظام الدولي الجديد، ومن أهم محطات هذا النظام إيجاد حل الصراع
العربي- الصهيوني، والأطراف الغربية- الأوروبية تريد أن يكون لها حضور ولو شكليًا
في المنطقة للحفاظ على نفوذها.
ويعكس تصريح الرئيس المباشر لمجلس الأمن ديفيد
هناي حول أحداث لبنان هموم هذه الدول في التوصل إلى اقتسام الكعكة في منطقة الشرق
الأوسط بطريقة تكرس الهيمنة الغربية وتحصر الصحوة الإسلامية، فقد صرح عن «عميق
انشغال مجلس الأمن أمام تدهور مسار السلام في الشرق الأوسط الذي أعيق من جراء
دورات العنف المتواصلة».
التحالف الغربي – الصهيوني – الصربي
وبالنظر إلى جملة هذه المعطيات يتبين أن
الموقف الأوروبي - الغربي من الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان زاد في تعرية حقيقة
موقف هذا الطرف من القضايا الإسلامية. ومجرد مقارنة بين ما يحدث في لبنان وفي
البوسنة توضح مدى تطابق الموقف الغربي في الحالتين؛ فالصرب مثل الصهاينة يقتلون
المسلمين على مرأى ومسمع المجتمع الدولي، والغرب يتظاهر في هاتين الحالتين
بالتنديد وبالعجز عن تطبيق قرارات الأمم المتحدة، وهذه الأخيرة تتدخل في كل مكان:
الصومال - كمبوديا.. لكنها تتحول إلى متفرج في الشرق الأوسط والبوسنة.
الصرب يقومون بحملة تطهير عرقي من أجل إقامة الدولة الصربية الكبرى على حساب مسلمي البوسنة، والصهاينة يحتلون الجنوب اللبناني بعد أن غزوا البلد عام 1982 ويرسمون «حزامًا أمنيًا» جديدًا قائمًا على سحق قرى بأكملها وتقتيل المئات من سكانها وتشريد البقية من أجل إقامة دولة إسرائيل الكبرى، والتحالف الصربي الغربي في البوسنة يقابله تحالف صهيوني- غربي في أرض فلسطين والمناطق المتاخمة لها.
اقرأ أيضًا: