; الموقف الإسلامي من النظرية الماركسية.. "الإقطاع" | مجلة المجتمع

العنوان الموقف الإسلامي من النظرية الماركسية.. "الإقطاع"

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أبريل-1983

مشاهدات 58

نشر في العدد 617

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 19-أبريل-1983

الإقطاع من حيث هو مرحلة يقع ضمن خماسية ماركس التاريخية، ويبدو أن ماركس قد ركز دراسته على المجتمع الأوروبي وخرج بنتائج حاول تعميمها على باقي المجتمعات البشرية وهنا الثغرة الرئيسية في معالجته لمشكلة الإقطاع.

لقد قام ماركس بتشخيص دقيق للإقطاع الذي كان سائدًا في أوروبا، ويؤكد ماركس -ومعه إنجلز- أن الإقطاعيين كانوا يفرضون على الفلاحين ضرائب وأحوالا غير معقولة ولا مقبولة، وإن هذا الظلم اللاحق بالفلاحين هو نتيجة طبيعية للملكية الفردية التي تنامت في تلك المرحلة، لقد كان المجتمع الإقطاعي الأوروبي ينقسم إلى ثلاث طبقات: مالك الأرض، رجال الدين، الفلاحون. أما ملاك الأراضي والإقطاعيات فقد كانوا يريدون تحقيق أكبر قدر ممكن من المصلحة الذاتية من خلال تملكهم لمساحات شاسعة من الأراضي، وكانوا يتصرفون بقسوة وشدة مع الفلاحين.

 أما رجال الدين- ويقصد بهم ماركس رجال الكنيسة من الأساقفة- فقد كانوا يخضعون الكنيسة والطقوس وتوظيف ذلك من أجل مصالحهم ومصالح الإقطاعيين ويؤكد ماركس بأن هذه الطبقة كانت دائمًا حليفة لطبقة مُلاك الأراضي، وأما الفلاحون فقد كانوا ضحية كبيرة يتحملون ظلم الملاك ورجال الكنيسة ويتبعونهم تبعية دائمة ويتحملون منهم ظلمًا مُخيفًا، ويعدد إنجلز في «حرب الفلاحين»، ص ٢٦- ٤٤ الأحوال السيئة التي كان يتحملها الفلاحون ومنها:

  • يدفع الفلاح ثلاثة ضرائب نقدية في السنة.
  • يعمل سخرة معظم أيام السنة.
  • يفتدي سيده «مالك الأرض» إذا أسر.
  • ينضم إلى فيالق المالك إذا نشبت الحرب.
  • يقدم الهدايا لابن المالك إذا رقي لمرتبة الفارس.
  • لا يبيع سلعة إلا بعد بيع سلعة المالك بأسبوعين.
  • يشتري بعض بضائع سيده وجوبًا.
  • يدفع ضريبة للمالك إن تزوج الفلاح أو أحد أبنائه من خارج الإقطاعية.
  • حق الليلة الأولى وهي أن يقضي السيد مع عروس رقيقه الليلة الأولى.

هذه هي الصورة القاتمة التي كان يرزح تحتها الفلاحون في أوروبا، وهي صورة يؤكدها لا ماركس أو إنجلز فقط، بل كثير من المؤرخين الأوروبيين، وليس خلافنا مع ماركس منصب على حيثيات الصورة القاتمة للإقطاع الأوروبي، بل خلافنا معه هو حول ما إذا تكررت هذه الصورة في كل المجتمعات البشرية -كما يؤكد- من حيث هي حتمية تاريخية، ويهمنا في الأساس طبعًا المجتمع الذي أنشأه الإسلام في الجزيرة العربية.

 لقد وضع الإسلام الكثير من القواعد والأحكام التي تضبط العلاقة فيما بين مُلَّاك الأراضي والعاملين عليها من الفلاحين، والذي يتفحص الفقه المعني بذلك وخاصة فقه المزارعة أو العقود يجد أن الإسلام قد حقق توازنًا مطلوبًا في هذه المسألة، فالسخرة التي كانت موجودة في أوروبا لا مكان لها في الإسلام فلا سخرة ولا خدمة بلا ثمن في الإسلام والفلاح حر في اختيار الأرض التي يعمل عليها ومالك الأرض الذي يتعامل معه، فالقضية قضية صفقة عمل فإن كانت صفقة رابحة قَبِلَ بها، وإن كانت خاسرة رفضها، وليس للمالك أن يلزمه بشيء غير ذلك، أما أن يجبر الفلاح على افتداء صاحب الأرض إذا أسر كما حدث في أوروبا، فذلك لا يقره الإسلام وذلك لانتفاء التبعية بينهما في ضوء الشرع الإسلامي، ثم إن إفداء الأسرى تقوم به الدولة في الإسلام، فإن عجز بيت مال المسلمين عن ذلك يجمع من الأغنياء إذا لم يستطيع الأسير أن يفتدي نفسه بماله الخاص.

 أما الضرائب الثقيلة التي كان يتحملها الفلاحون في أوروبا فلم يفرض الإسلام هذه الضرائب في المجتمع الذي أقامه بل إن الفلاحين -أو الأكارين- كما كانوا يسمون في تاريخ الإسلام كانوا يتلقون مساعدات اجتماعية من خلال تشريعات الزكوات والصدقات، بل إن الرقيق في الإسلام كان يعطى من مال الزكاة لمساعدتهم على الانفصال والعتق عن طريق المكاتبة، أما أن يدفع الفلاح لصاحب الأرض جزءًا من المحصول أو الماشية زيادة على نصيبه فهذا أمر لا يقره الإسلام ولم يشرع به.

أما بيع السلع فللجميع في الإسلام الحق في البيع في أي وقت شريطة ألا يحصل الاحتكار أو أي نمط من أنماط الحبس للسلع، أما حق الليلة الأولى لصاحب الأرض مع عروس الفلاح فهذا يعتبره الإسلام زنى ينبغي أن يُقام الحد على مرتكبه والحدود في الإسلام لا تجوز فيها الشفاعة ولا تفرق بين شريف وفقير.

خلاصة ما نريد أن نذهب إليه -على ضوء ما ذكر آنفًا- أننا كمسلمين ضد الظلم الذي يلحق بالفلاحين، كما كان يحدث في مرحلة الإقطاع الأوروبي، غير أننا لا نرى هذا في تاريخ الإسلام أي إن المرحلة الإقطاعية بالصورة التي تم تشخيصها ماركسيًا لم تمر بها المجتمعات الإسلامية، ونستنتج أن حتمية هذه المرحلة -من حيث هي طرح ماركسي- لا تنطبق على تاريخ الإسلام أو المجتمع الإسلامي. والله أعلم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 55

92

الثلاثاء 13-أبريل-1971

نظريات الرجل الثالث

نشر في العدد 114

91

الثلاثاء 22-أغسطس-1972

تبسيط الفقه.. اللقطة

نشر في العدد 337

136

الثلاثاء 15-فبراير-1977

الملكية الفردية في الإسلام