; الموقف في لبنان بين مشروع شارون والحل الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان الموقف في لبنان بين مشروع شارون والحل الأمريكي

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1982

مشاهدات 68

نشر في العدد 601

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 28-ديسمبر-1982

 - الثمن الباهظ الذي تريده إسرائيل ثمنًا لغزوها للبنان.

 - حين تنقلب المعايير والقيم يصبح المحظور مباحًا وتصبح الخيانة وطنية.

 - دول غربية تدعو إلى اعتراف متبادل، وبعض الناطقين بالعربية يدعون المنظمة إلى اعتراف من جانب واحد.

التصريحات التي يعلنها وزير الحرب اليهودي آرييل شارون حول شروط انسحاب اليهود من لبنان، ثم الشروط الإضافية لكيفية التفاوض مع اللبنانيين، وبعد ذلك التصريحات المقابلة لدى المسؤولين اللبنانيين، بالإضافة إلى الزيارات التي قام بها كل من المسؤولين اليهود واللبنانيين لأمريكا وأوروبا، تشير إلى أن اليهود بعد أن استطاعوا إخراج الثورة الفلسطينية من الجنوب اللبناني ومن بيروت بثمن باهظ التكاليف في الأرواح والمعدات، يريدون من لبنان أن يسدد لهم فواتير هذا الغزو.

ولم يكن لبنان «الكتائبي» يعتقد في يوم من الأيام أن بمقدوره التخلص من الفلسطينيين «الغرباء» والسوريين «الحلفاء» والسيطرة على بعض المنافقين «الدخلاء» بمفرده، كما أنه الآن أعجز من أن يسدد فواتير الغزو اليهودي بمفرده. ولذا نجد أن لبنان «الكتائبي» وغير الكتائبي يحاول الآن بكل ما أوتي من قوة التخلص من الأخطبوط اليهودي المرابِي الجشع، الذي لم تطِق أوروبا تحمله فقذفت به علينا ليفسد علينا حياتنا وأمدته بكل مقومات البقاء والتوسع.

يشترط شارون -رمز الشر- للانسحاب من لبنان:

١ - إنهاء حالة الحرب وتطبيع العلاقات.

٢ - فتح الحدود وحرية مرور الأفراد والبضائع، حتى إذا ما أنس في الطرف اللبناني موافقة -بطريقة أو بأخرى- على هذين الشرطين، أضاف شروطًا أخرى تتعلق بترتيبات أمنية في الجنوب اللبناني وهي:

١ - عدم السماح لأي جيش عربي بالمرابطة في الأراضي اللبنانية.

۲ - ضرورة أن تنتمي قوات حفظ السلام الدولية في لبنان إلى دول تعترف بإسرائيل.

٣ - التزام الحكومة اللبنانية بعدم السماح لأي شخص سياسي أو عسكري من الفدائيين الفلسطينيين بالإقامة في لبنان.

٤ - عدم السماح بوضع مدافع أو قواعد لإطلاق صواريخ أرض جو في المنطقة الأمنية التي تمتد إلى مسافة ما بين ٤٥ -٥٠ كيلو مترًا.

٥ - السماح بتشغيل محطات إنذار إسرائيلية في المنطقة الأمنية المحاذية لفلسطين المحتلة إلى أن يتم التوقيع على معاهدة سلام بين إسرائيل ولبنان.

وواضح أن البند الأول من الشروط الأمنية يتعلق بالقوات السورية. أما البند الثاني فهو رد على احتمال وجود قوات مغربية ضمن قوات حفظ السلام الدولية. وأما البند الثالث فهو يتعلق باحتمال وجود عسكري رمزي أو وجود سياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية. والبند الرابع يحظر على لبنان وضع شبكة دفاع جوية في أراضيه، وبدلًا من ذلك تضع إسرائيل محطات إنذار في الأراضي اللبنانية إلى أن يتم الصلح النهائي وتطبيع العلاقات بين البلدين.

راديو العدو والحرب النفسية:

وفي تعليق لراديو العدو الإسرائيلي يوم 22/ ۱۲/ 82 يقول من ضمن ما يقول: إن إسرائيل دخلت إلى لبنان دون تنسيق مسبق مع الحكومة اللبنانية، وهي تخرج الآن بتنسيق. بينما سوريا دخلت إلى لبنان بتنسيق مع حكومتها وتخرج الآن مرغمة! ثم يستطرد المعلق الخبيث قائلًا: «لقد تم الاتفاق مع الوفد اللبناني على كل شيء وما الاجتماع القادم بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي إلا للتوقيع فقط. وقد حدث ما يشبه ذلك عام ١٩٤٩ حين استدعي رالف بانش مندوب الأمم المتحدة الوفدين الأردني والإسرائيلي إلى رودس للتباحث حول الهدنة، فوجد أن الوفدين متفقان على جميع التفاصيل وما كان جلوسهما إلا للتوقيع فقط!».

وسواء صح كلام المعلق اليهودي أو لم يصح، فإن مما لا شك فيه أن العدو الذي برع في فنون الحرب والسياسة برع أيضًا في فنون الحرب النفسية التي تنزع الثقة في كل ما هو رسمي عربي، وتصيب الإنسان العربي بالإحباط واليأس المدمر وهو أخطر الأسلحة الموجهة إلى جماهير هذه الأمة، ولقد بدا ذلك اليأس واضحًا لدى قطاعات عديدة من جماهير هذه الأمة، وحتى المثقفين وحملة الأقلام منه، الذين من المفترض أن يكونوا طليعة هذه الأمة ثباتًا ووعيًا واستعصاء على اليأس، نجدهم قد انجرفوا مع التيار فكسروا أقلام الصمود والتصدي ينشدون السلامة، وما هم والله ببالغيها «حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي ورائي تعال فاقتله» وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

ومن الأقلام المأجورة ما لم يستطع إخفاء ولائها لغير الله حين داهمتها المحنة، فوقعت في الشرك تبرر الخنوع لليهود وتبارك لهم ما أخذوه على أن يقفوا عند هذا الحد ولا يتعدوه، ومن الضامن؟ الأم الرؤوم أمريكا التي ضمنت على لسان حبيب العرب النساء والأطفال والشيوخ في غرب بيروت، فكانت مذبحة المذابح في القرن العشرين بضمانة أمريكية وتخطيط إسرائيلي وتنفيذ كتائبي وتواطؤ حلف الأطلسي، والمخفي عن عيون هذه الأمة أدهى وأمَر.

المنظمة مدعوة للاعتراف بإسرائيل:

وهنالك أصوات تنطق العربية ارتفعت وسط الضباب تطالب منظمة التحرير الفلسطينية أن تعترف بإسرائيل، لعل وعسى أمريكا تتلطف وتتنازل فتتحدث مع مندوب منظمة التحرير الفلسطينية التي ستصبح حينئذ منظمة «تطبيع» فلسطينية. ولو سألت هؤلاء الناطقين بالعربية عن حدود «إسرائيل» المطلوب من منظمة التحرير الفلسطينية الاعتراف بها، لربما أجابك هي حدود عام ١٩٦٧، وعلى افتراض أن اليهود وافقوا على ذلك -وهم قطعًا لن يوافقوا- فكيف يمكن أن يقوم كيان سياسي بين قطاع غزة والضفة الغربية ضمن هذه الحدود دون أن يخترق أرض إسرائيل؟ وإذا سمحت إسرائيل بممر من وسطها يصل بين القطاع والضفة فكيف يمكن أن يكون هذا الممر آمنًا من إسرائيل؟ بل كيف يمكن لإسرائيل أن تكون بهذا الممر آمنة؟ ثم ما هو مصير المستعمرات اليهودية في الضفة والقطاع؟ هل ستبقى أم ستزول؟ وإن بقيت فهل تستوعب مهاجرين آخرين في المستقبل أم تقف عند هذا الحد والعدد؟ ثم هل تخضع للسيادة العربية أم الإسرائيلية؟ وهل سيكون هذا السلام عادلًا؟ أمِنَ العدل التنازل عن الأوطان أو جزء منها للصوص والمستعمرين؟ وهل من حق أحد أو هيئة أو حتى جيل من الأجيال أن يتنازل عن وطنه أو وطن غيره لسواه؟ وإذا افتقد هذا الحل العدل فهل يدوم؟ أي هل يمكن وصفه «بسلام دائم وعادل»؟

مئات الأسئلة ومئات المشكلات التي ستقف في طريق هذه الحلول المطروحة في الساحة.

ونحن عندما نتحدث عن قضيتي لبنان وفلسطين في آن واحد؛ فذلك لأن بينهما ارتباطًا قويًّا، بل يمكن اعتبارهما قضية واحدة، فوجود اليهود في فلسطين ثم سيطرتهم عليها أساس المشكلة. وإذا كان السادات قد توههم أنه بعقد صلح مع اليهود قد أنهى مشكلته معهم فهو واهم؛ بدليل أنه دفع حياته ثمنًا لجريمته! وإذا كانت بعض الجهات في لبنان قد تصورت أنها يمكن أن تستعين بإسرائيل لحل مشكلتها مع الفلسطينيين فهي واهمة؛ بدليل أن بشير الجميل قد دفع حياته ثمنًا لجريمته! وتبقى المشكلة بين مصر وإسرائيل وبين لبنان وإسرائيل ما دام الكيان اليهودي موجودًا حتى ولو انحصر في حدود عام ١٩٦٧.

ويبدو أن لبنان يحاول أن يتجنب عقد صلح منفرد ثان -بعد مصر- مع إسرائيل وبموافقة أمريكية على أمل عقد صلح شامل بين كافة العرب وإسرائيل، وهذا ما ترمي إليه أمريكا وما تحاول أن تتجنبه إسرائيل في الوقت الحاضر، لأنه سيضطرها للتراجع عن أراضٍ احتلتها وسيحد من توسعها في المستقبل، وهي التي تطمح في قيام دولة من النيل إلى الفرات تستوعب جميع اليهود المنتشرين في العالم وتعدادهم قرابة ١٤ مليون يهودي، بينما سكان إسرائيل الحاليين يمثلون ربع هذا العدد.

وأما أنصار الكامب الراغبون في الصلح مع اليهود، فلهم منطقهم الذي يتلخص فيما يلي: 

۱ - إسرائيل أصبحت حقيقة واقعة وبعد ٣٥ عامًا من قيامها يستحيل تدميرها، خصوصًا وأنها مدعومة بالقوى الكبرى عامة وأمريكا خاصة.

۲ - إسرائيل تستثمر استمرار معاداة العرب لها في جلب مزيد من الأسلحة والمهاجرين، وتكتسب مزيدًا من الأرض العربية وتضم ما استولت عليه بالتدريج.

٣ - إن الصلح مع إسرائيل يعيد الاستقرار إلى المنطقة، ويفتح المجال واسعًا أمام التطور الاقتصادي والاجتماعي بالتعاون مع العقول اليهودية والطاقات العربية كما قال السادات. 

أما الولايات المتحدة الأمريكية فيمكن تحديد موقفها في النقاط التالية:

١ - إن على العرب أن يعترفوا بإسرائيل.

۲ - على العرب أن يقنعوا منظمة التحرير أن تعترف بإسرائيل قبل أن تعترف أمريكا بالمنظمة وتتفاوض معها.

٣ - تضمن أمريكا إعادة الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الملك حسين فقط.

٤ - مبادرة ريغان تعني أخيرًا إقامة دولة يحكمها فلسطينيون مرتبطة بالأردن.

هذا ما تطرحه الأطراف المختلفة والمعنية مباشرة بما اصطلح على تسميته «أزمة الشرق الأوسط»، والسوريون ليسوا بعيدين عما يجري في الساحة، بل إنهم يخوضون مع الخائضين ولا يمكن أن يقبلوا أن «يخرجوا من المولد بدون حمص» كما يقول المثل الشعبي.

ونحن نقول لكل الذين تنكبوا منهج الله واستعانوا بغير الله وأقروا الغصب باعتباره أمرًا واقعًا، وأذلوا شعوبهم باسم الثورية إرضاء لأعدائهم وتثبيتًا لكراسيهم، وقلبوا المعايير والقيم وأحلوا ما حرم الله وحرموا ما فرض الله، نقول لهؤلاء: حبطت أعمالكم، فالمسلمون قادمون وجنود محمد يستعدون ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 10).

الرابط المختصر :