العنوان الملتقى التربوي .. تعال نؤمن ساعة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1981
مشاهدات 68
نشر في العدد 527
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 05-مايو-1981
إن الداعية المؤمن بين جذبين: جذب إیمانه ونيته وهمته، ووعيه وشعوره بمسؤوليته، فهو من ذلك في عمل صالح، أو عزمة خير.
وجذب الشيطان من جهة أخرى، وتزيينه الفتور، وحب الدنيا، فهو من ذلك في غفلة، وكسل، وطول أمل، وتراخ عن تعلم ما يجهل.
وهذا التردد بين جذبين أزلي قديم لا ينقطع، وبسببه أوجب المؤمنون على أنفسهم جلسات تفكر وتأمل وتناصح، يتفقدون فيها النفس أن يطرأ عليها كبر أو بطر، والقلب أن يعتوره ميل، والعلم والإيمان أن يتلبسا بإفراط يزيد بدعة، أو تفريط يهمل أمرًا وإرشادًا.
وقد ترجم معاذ بن جبل رضي الله عنه هذا الإحساس بكلمة غدت مادة في دستور أجيال المؤمنين، فقال لصاحبه وهو يذكره: “اجلس بنا نؤمن ساعة”(1) فأخذها ابن رواحة فقال لأبي الدرواء رضي الله عنهما، وهو آخذ بيده: تعال نؤمن ساعة، إن القلب أسرع تقلبًا من القدر إذا استجمعت غليانًا(2). ونحن اليوم نأخذه عنهما.. لنقف حول أمور المسلمين وما آلت إليه من تدهور، فالأمن اهتز، والفساد بدأ يظهر على السطح.
كلما رأيت فُرص الباطل واستدراج الله لهم تظهر وتطفو على السطح تذكر قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد:17).
فالباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدو رابيًا طافيًا، ولكنه بعد زبد أو خبث، ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحًا لا حقيقة له ولا تماسك فيه، والحق يظل هادئًا ساكنًا.. وهكذا كان موقف البعض في ذلك الأمر، حتى إن البعض ربما يحسبه قد انزوى أو غار أو ضاع أو مات، ولكنه هو الباقي في الأرض(3).
أما إذا اشتدت فرص انتصار الباطل وتمكنوا من التصرف في حياة العباد وأحكموا الحصار حول تحرك الدعاة وضاقت الدنيا بما رحبت تذكر أخي الحبيب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:139).
لا تهنوا من الوهن والضعف- ولا تحزنوا- لما أصابكم ولما فاتكم- وأنتم الأعلون.. عقيدتكم أعلى، فأنتم تسجدون الله وحده وهم يسجدون لشيء من خلقه أو لبعض من خلقه، ومنهجكم أعلى، فأنتم تسيرون على منهج من صنع الله، وهم يسيرون على منهج من صنع خلق الله ودوركم أعلى، فأنتم الأوصياء على هذه البشرية كلها، الهداة لهذه البشرية كلها، وهم شاردون عن النهج ضالون عن الطريق، ومكانكم في الأرض أعلى، فلكم وراثة الأرض التي وعدكم الله بها، وهم إلى الفناء والنسيان صائرون.. فإن كنتم مؤمنين حقًا فأنتم الأعلون، وإن كنتم مؤمنين حقًا فلا تهنوا ولا تحزنوا فإنما هي سنة الله أن تصابوا وتصيبوا، على أن تكون لكم العقبي بعد الجهاد والابتلاء والتمحيص(4).
أما بعد.. أخي الحبيب
فإيمان الداعي العميق ثابت لا يتزعزع مهما صادفته محنة أو شدة، ومهما كانت حاله من ضعف وقلة، ومهما كان حال الكفرة من قوة ومنعة، حتى لو بقي وحده في الأرض، وهكذا كان إيمان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أحوالهم يوم كانوا في مكة محاصرين يعذبهم الكفرة، ويوم هاجروا فارين بدينهم إلى الحبشة، ويوم هاجروا إلى المدينة، ويوم انتصروا في بدر وانكسروا في أحد وحوصروا في الخندق.. إنهم في جميع تلك الأحوال التي تقلبوا فيها لم يتزعزع إيمانهم ولم يتسرب إلى قلوبهم ذرة من الشك في كونهم على الحق وموصولين بالحق ويدعون إلى الحق، وأن الكفرة في ضلال مبين.
أخي في الله: إن مثل هذا الإيمان العميق ضروري لكل مسلم، وهو للداعي أشد ضرورة في الوقت الحاضر الذي ضعفت فيه كلمة الإسلام وعلت فيه كلمة الكفر ونضب معين الإيمان في النفوس، وازدادت محن المسلمين، وصال الكفرة عليهم وجالوا، وصارت لهم دول كبرى تحميهم وتقذف بالباطل وتثير الشبهات والشكوك حول أحقية الإسلام، ومع هذا فإن المُسلم ولا سيما الداعي المسلم الصادق يجب أن لا تدهشه هذه المحن وهذه الأحوال بل يجعلها دافعًا للمزيد من بذل الجهد في سبيل إعلاء كلمة الله وتلمس الدواء والعلاج لما آل إليه أمر الإسلام، وأن لا يبقي مفتوح العينين محدقًا بالكفرة إعجابًا بهم وإكبارًا لهم فإنهم والله على ضلال مبين، يحتاجون إلى تقويم وتهذيب وتأديب، لا إلى تعظيم وتفخيم، وليستحضر الداعي المسلم في ذهنه ما رواه البخاري ومُسلم عن أبي سعيد الخدري، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما حديثًا عن الدجال، فكان فيما حدثنا به إنه قال: «يأتي الدجال وهو محُرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فينزل بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل وهو خير الناس أو من خير الناس، فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه. فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني الآن، قال فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه».
هذا هو الإيمان، فالحق هو الحق والباطل هو الباطل مهما أتى من خوارق، وبالتالي يظل المسلم على إيمانه وإن كان وحيدًا لا حول له ولا قوة ولا ناصرًا(5).
صحيح البخاري 1 /10
الرعد / 17
آل عمران/ 139.
المنطلق: من 5-6.
الظلال 4/ 2054 بتصرف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل